كيف يكون الحوثيون شركاء في صناعة السلام؟

  مجيب الحميدي

لعل من أكثر الروايات الحوثية تضليلاً للمتابع العربي القول إن خصومهم يريدون اجتثاثهم واستئصالهم بسبب مذهبهم. وهذا ادعاء مجرد دعاية سياسية مشوهة، فالمشكلة ليست محاولة اجتثاث أحد، ولا استئصال مذهب، ولا محو سلالة، ولا إقصاء جماعة بسبب معتقدها؛ وإنما اجتثاث ثقافة الاجتثاث نفسها، واستئصال ثقافة الاستئصال نفسها.

لا مشكلة لدى الأطراف السياسية اليمنية الفاعلة في تعدّد الأديان والمذاهب والأعراق والمدارس الفكرية، ولا في أن يعتقد الناس ما يشاؤون، ويمارسوا شعائرهم، ويحتفظوا بهوياتهم المذهبية، فاليمني لا يحارب الاختلاف؛ ولكنه يحارب الحق المزعوم في إلغاء المختلف. ويمكن لليمني أن يتسامح مع العنصرية عقيدة تخصّ أصحابها، فإذا تحوّلت العنصرية عقيدةً عسكرية تحاول فرض مشروعها بالقوة، وسيفاً على رقبته، فحينها لا مناص من استئصال الفكرة التي تمنح إنساناً حق استئصال غيره.

لا مشكلة لدى اليمنيين في أن يكون بينهم سنة وشيعة، ولا في أن يعتنق الإنسان ما يراه حقّاً، وأن يمارس شعائره، ويدرّس مذهبه، ويناقش أفكاره، ويدعو إليها بالوسائل السلمية. المشكلة ليست مع تعدّد الأفكار، وإنما مع كل فكرة عنصرية أو استعلائية قاتلة ترى أن من حقها فرض تصوّرها ومشروعها بالقوة، وأن تمنح أتباعها ما ليس لغيرهم من حقوق، وتبيح لهم دماء اليمنيين الرافضين لهذه العقيدة وأموالهم وكرامتهم وحرياتهم. هنا لم تعد القضية قضية حرية اعتقاد.

ليست المشكلة مع تعدّد الأفكار، وإنما مع كل فكرة عنصرية أو استعلائية

عندما يقول شخص: أنا أؤمن بهذا المذهب، فهذا شأنه. وعندما يقول: أرى أن مذهبي هو الأصح، فهذا حقه. وحتى عندما يقول: أريد أن أطرح على المجتمع تصوّري للحكم السلالي، والحق الإلهي، واحتكار الهداية والسلطة، فهذا أيضاً حق يمكن أن يمارس في المجال العام ما دام بالوسائل السلمية. ولكن عندما يقول: لأنني أنتمي إلى جماعة معينة، أو لأنني أعتقد أن نسباً معينًا يمنح أصحابه حقّاً إلهيّاً في الحكم، فإن لي الحق في أن أفرض هذا التصور على بقية اليمنيين بالقوة، وأن أقتل من يرفض عقيدتي؛ فهنا لم نعد أمام مجرد عقيدة، وإنما أمام مشروع سياسي فاشي طاغوتي يستند إلى الإكراه والتغلب. هنا يشعر اليمني أن الحوثي يستخفه ويقول له “دعني أمارس حريتي في العقيدة وعقيدتي أن أحكمك أو أقتلك!

… لا يعترض اليمنيون على أن يكون الحوثيون حوثيين، أو أن يحتفظوا بأفكارهم الدينية والمذهبية، وإنما يعترضون على تحويل هذه إلى مشروع عسكري لفرض الخرافة العنصرية بالقوة، واحتكار السلطة والهداية، أو إلى ذريعة تمنح جماعة بعينها حق الوصاية على بقية المجتمع. والمواطنة لا يمكن أن تكون متساوية إذا كان هناك من يولد وفي يده حق مفترض في الحكم، بينما يولد الآخرون بوصفهم رعايا لذلك الحق. ولا يمكن أن يكون القانون واحداً على الجميع إذا كان هناك من يرى أن نسبه يمنحه حصانة أخلاقية أو سياسية. ومع هذا، ما أزال أرجح أن اليمنيين في إمكانهم التجاوز، ومنح الحوثيين حق اعتناق هذا الاعتقاد العنصري وترويجه في سياق سلمي تعدّدي ديمقراطي، إذا أرادوا طرحه على اليمنيين بالوسائل السلمية، وتركوا لهم حرية قبوله أو رفضه. وهنا يختلف الكاتب مع من يرى أن هذه الفكرة العنصرية المنحرفة والمريضة يجب أن تُحظر بالنظر إلى الكوارث التي تسببت بها (رغم وجاهة هذا الرأي) وأرى أن اليمنيين يمكن أن يكونوا أكثر تسامحاً، وأن يمنحوا حتى هذه الفكرة العنصرية الخرافية حق الوجود في المجال العام، ما دامت تظل فكرة تُطرح وتُناقش ولا تتحوّل إلى سلاح. ولعل هذا يكون استثناءً يمنيّاً في التسامح مع مرض عضال، لا تسامحاً مع نتائجه، فالأفكار، مهما بدت لنا مريضة أو عنصرية أو خرافية، يمكن أن تُواجه بالنقد والحجة والاختيار الحر، لا بالمنع والإكراه. أما عسكرة الخرافة، وتحويل الادعاء بأن هذا التصور العنصري يمنح أصحابه حق قتل المختلف بعد تكفيره، أو الاستيلاء على ماله، أو إخضاعه بالقوة، فذلك ما لا يقبل به إنسان حر، ولا مسلمٌ يعرف حقيقة عقيدة التوحيد، فحرية الاعتقاد لا تعني حرية قتل المختلف.

ما يحتاجه اليمن ليس اجتثاث مذهب أو جماعة، وإنما اجتثاث ثقافة الاجتثاث نفسها

يمكنك أن تدعو إلى مشروعك، وأن تقنع الناس به، وأن تدخل به المجال السياسي، وأن تنتظر قبول المجتمع له. ولكن عندما ترفضه الأغلبية أو يعارضه المجتمع لا يصبح حمل السلاح وسيلة مشروعة لإجبار الناس على قبوله. ويمكن أن نجد في اجتهادات بعض علماء الزيدية رفضاً لإكراه الناس على الخضوع للإمامة.

هل يمكن أن نجد عقلاء في الحركة الحوثية قادرين على تقدير الكلفة الباهظة لعسكرة المشروع السلالي والخرافة الكهنوتية التي تتجدد كل يوم في حياة اليمنيين، وتزيدهم بؤساً وتعاسة. ونحن لا نتحدث عن كلفة افتراضية. في الأسابيع الأخيرة للحرب في اليمن، سقط أكثر من ألفي قتيل، وأصيب آلاف آخرون، ونزح قرابة ثمانين ألف إنسان، وامتدت آثار الانهيار الاقتصادي إلى مئات الآلاف من اليمنيين. وراء كل رقم إنسان. ووراء كل قتيل أسرة. ووراء كل نازح بيت اقتُلع من مكانه، ومشروع اقتصادي صغير دُمّر، وحياة انقلبت رأساً على عقب. ووراء كل جريح حياة تغيّرت إلى الأبد. ولهذا لا يستطيع اليمنيون التعامل مع مشروع الوصاية بالقوة باعتباره مجرد خلاف مذهبي يمكن تأجيل الحديث عنه.

السؤال هنا ليس فقهيّاً مجرّداً: كم دماً يمنيّاً ينبغي أن يُراق حتى يصبح التخلي عن الوصاية بالقوة مطلباً بديهيّاً؟ وكم بيتاً ينبغي أن يُهدم حتى ندرك أن المشكلة ليست في مذهب صاحبه، وإنما في مشروعه عندما يتحوّل إلى قوة فوق المجتمع؟

أي تسوية لا تمسّ أصل المشكلة ستترك بذرة الحرب القادمة في مكانها

ما الذي يحتاجه السلام من الحوثيين؟ هناك شرط أساسي لتحقيق السلام في اليمن، وهو في النهاية قرار يستطيع الحوثيون أن يتخذوه بأنفسهم: أن يعلنوا بوضوح استعدادهم للقبول بالمواطنة المتساوية، وأن يقولوا لليمنيين: نحن بشر مثلكم؛ لنا ما لكم وعلينا ما عليكم. وما نعتقده من حق سلالي أو إلهي في الحكم والهداية اعتقاد يخصنا، ولا نفرضه عليكم بالقوة. وإذا اختلفتم معنا فيه، فليس من حقنا قتلكم، أو مصادرة أموالكم، أو إخضاعكم، وإنما نقبل بالطريقة التي تختارها الأغلبية في تنظيم الدولة وإدارة السلطة.

هل هناك عاقل يرى أن هذا المطلب غير عادل؟ إنه لا يطلب من الحوثي أن يغيّر مذهبه، ولا أن يتخلى عن قناعته، ولا حتى أن يتوقف عن الدعوة إلى فكرته. إنه يطلب منه شيئاً واحداً فقط: أن يترك لليمنيين حق رفضها كما يترك لنفسه حق اعتناقها. وهذا هو الحد الأدنى الذي يمكن عنده أن يصبح التعايش ممكناً.

قد يستطيع السياسيون أن يؤجلوا المعركة، وقد يستطيع الوسطاء أن يصنعوا اتفاقاً يوقف إطلاق النار، وقد تنجح التسويات في توزيع بعض المناصب والمصالح. ولكن أي تسوية لا تمسّ أصل المشكلة ستترك بذرة الحرب القادمة في مكانها، فإذا بقي الاعتقاد بأن هناك جماعة تمتلك حقّاً مقدّساً في حكم اليمنيين، وأن رفض هذا الحق يبرّر الثورة المسلحة عليهم، ويبرّر تحوّلهم إلى ذراع عسكرية لدولة خارجية فلن يكون السلام سوى هدنة طويلة بين جولتين من العنف. تكون الثانية أكثر فداحة. أما إذا اتفق اليمنيون على أن لا أحد يولد حاكماً لغيره، ولا أحد يولد وصيّاً على غيره، وأن الأفكار تُطرح وتقنع ولا تُفرض بالبندقية، فإن الاختلاف المذهبي يمكن أن يعود إلى مكانه الطبيعي: اختلاف بين مواطنين متساوين. وهنا فقط يمكن أن يصبح التعايش ممكناً. ولهذا أيضاً، ما يحتاجه اليمن ليس اجتثاث مذهب أو جماعة، وإنما اجتثاث ثقافة الاجتثاث نفسها. فحين تسقط هذه الثقافة يصبح من الممكن أن يعيش اليمني المختلف مذهبيّاً أو اجتماعياً أو فكريّاً مع غيره تحت سقف دولة واحدة، لا لأنهم أصبحوا متشابهين، وإنما لأنهم أصبحوا متساوين. وهذا هو الطريق إلى تعايش يمني حقيقي.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى