كيف يصوغ الاحتلال الإسرائيلي واقعاً جيوسياسياً جديداً في سوريا؟

  زكريا ملاحفجي

إسرائيل لا تتعامل مع سوريا بوصفها ساحة تهديد عسكري مباشر فحسب، بل بوصفها مجالاً جيوسياسياً يجري تشكيله لإدامة التفوق الإسرائيلي، ومنع نشوء قوة إقليمية قادرة على موازنة نفوذها.

لذلك، تتداخل الأدوات العسكرية والأمنية والديمغرافية والدبلوماسية في استراتيجية واحدة، هدفها تثبيت سوريا ضعيفة ومجزأة وقابلة للاختراق.

وتستمر التطورات الميدانية والسياسية في الجغرافيا السورية بالتشكل وفق رؤية أمنية إسرائيلية حادة ومباشرة، تقوم في جوهرها على منع أي توازن في القوى، وضمان السيادة العسكرية والتكنولوجية المطلقة. ورغم استمرار المفاوضات والمحادثات الأمنية غير المباشرة، التي تجري أحياناً برعاية أميركية أو إقليمية لبحث خفض التصعيد وترتيبات الحدود، فإن التحركات الميدانية لتل أبيب تعكس استراتيجية أوسع تتجاوز إدارة الأزمات المؤقتة إلى فرض واقع جيوسياسي جديد، ترتكز دعائمه على محاور أساسية تعيد تشكيل المنطقة بكاملها.

فتسعى تل أبيب إلى الإبقاء على الأجواء السورية مفتوحة أمام عملياتها العسكرية، باعتبار ذلك خطاً أحمر ومصلحة أمنية عليا لا تقبل المساومة أو التفاوض. وتعتمد في ذلك على توجيه ضربات خاطفة ومتكررة لضرب أي قدرات تسليحية أو منظومات رصد تراها معادية، مما يحول السماء السورية إلى مجال حيوي مفتوح لتكثيف عمليات الردع، ومنع تشكل أي تهديد ملموس على حدودها الشمالية.

كما ذهبت إسرائيل إلى دعم اليونان بمشاريع عسكرية مشتركة، ومنها مشروع «درع آخيل» الذي تطوره اليونان لبناء شبكة دفاع جوي وصاروخي متعددة الطبقات، ومدمجة بالكامل، لإنشاء قبة دفاعية فوق أراضيها وبحر إيجة، في مواجهة تركيا.

إن تفكيك شبكات الدفاع الجوي السورية، واستهداف مدرجات الهبوط والبنية التحتية للمطارات العسكرية، ليس مجرد اكتفاء بتكتيكات موضعية، بل هو تثبيت لسياسة «الأجواء المفتوحة» التي تضمن تفوقاً جوياً دائماً بلا قيود.

كما أن إسرائيل تسعى إلى الكبح المبكر للتموضع التركي في سوريا، فترفض أي قاعدة جديدة، عدا القواعد التي كانت سابقاً في مناطق المعارضة بعد محاربة داعش. وتتزايد مخاوف إسرائيل وتوترها تجاه أي تحركات أو تمدد للنفوذ التركي داخل الأراضي السورية، ولا سيما في المناطق الشمالية والوسطى. وتصطدم الرغبة التركية في توسيع الحضور العسكري برفض إسرائيلي قاطع لإقامة أي قواعد دائمة لأنقرة، أو نشر منظومات دفاع جوي ورادارات رصد حديثة من شأنها تقييد الحركة الجوية لسلاح الجو الإسرائيلي أو كشف تحركاته. وتجلى هذا الموقف بوضوح في الاستهداف المباشر لقاعدة مطار أبو الظهور العسكري، في رسالة ميدانية حازمة هدفها منع أي تمدد لنفوذ أنقرة جنوباً، والحيلولة دون فرض قواعد اشتباك جديدة تحدّ من حرية المناورة الإسرائيلية.

كما ذهبت إسرائيل إلى دعم اليونان بمشاريع عسكرية مشتركة، ومنها مشروع «درع آخيل» الذي تطوره اليونان لبناء شبكة دفاع جوي وصاروخي متعددة الطبقات، ومدمجة بالكامل، لإنشاء قبة دفاعية فوق أراضيها وبحر إيجة، في مواجهة تركيا. وتُعد إسرائيل المطور الرئيسي والشريك التكنولوجي لمشروع «درع آخيل»، بصفقة تجاوزت ثلاثة مليارات دولار، لتدمج بذلك بين الشراكة والتعاون العسكري مع اليونان والضربات الاستباقية في سوريا لمنع الوجود التركي.

وإضافة إلى استنزاف القدرات العسكرية والمنع الاستباقي، تعتمد إسرائيل «عقيدة الردع المباشر» كاستراتيجية ديمغرافية وعسكرية دائمة لمنع الدولة السورية من استعادة عافيتها ومقومات قوتها. وتتجسد هذه السياسة في تقويض أي محاولات جادة لإعادة بناء جيش نظامي متكامل، عبر استهداف مخازن الأسلحة الاستراتيجية، ومختبرات التطوير، والأسلحة النوعية، كالمسيّرات والصواريخ الموجهة. علاوة على ذلك، تسعى تل أبيب إلى عرقلة أي تحالفات أمنية إقليمية قد تسهم في إعادة توازن القوى في المنطقة، مما يضمن استمرار الفجوة العسكرية والأمنية لصالحها لفترات زمنية طويلة، ويمنع قيام دولة جارة قوية.

ولا تقتصر الاستراتيجية الإسرائيلية على الأبعاد العسكرية والتكتيكية، بل تمتد لتشمل البعد الديمغرافي والجغرافي العميق. فمن خلال الهندسة الديمغرافية وتفكيك المجال المكاني، تؤدي العمليات والضربات الضارية وآلة الحرب المتواصلة إلى تفكيك التركيبة السكانية للمناطق المستهدفة، عبر تحفيز موجات تهجير ممنهجة وخلق «مناطق عازلة» خالية من أي حضور بشري أو عسكري مناوئ.

وهذا ما فعلته وتفعله إسرائيل في الجنوب السوري واللبناني، حيث سيطرت على مساحة تقارب 700 كيلومتر مربع في جنوبي لبنان، ونحو 800 كيلومتر مربع في سوريا، إضافة إلى قمة حرمون، التي ترتفع 2814 متراً عن سطح البحر، في جبل الشيخ.

وتتسبب هذه الضغوط في إلقاء كتل ديمغرافية ضخمة خارج مناطقها الأصلية، مما يعطل قدرة الدولة المركزية على فرض سيطرتها على مجالها المكاني، ويعيد ترتيب الخارطة السكانية بما يخدم الحسابات الجيوسياسية والأمنية الإسرائيلية طويلة الأمد.

إن جوهر المسألة هو أن إسرائيل، وفق هذا المسار، لن تقبل طوعاً بقيام سوريا متماسكة وقادرة على الدفاع عن نفسها.

وتؤكد هذه الاستراتيجية الشاملة أن إسرائيل لم تعد تكتفي بدفع التهديدات عن حدودها بشكل مؤقت، بل تعمل على هندسة البيئة الإقليمية المحيطة بها عبر الحفاظ على سوريا في حالة ضعف دائم، ومنع إعادة تسليحها. إن تحويل الجغرافيا السورية إلى ساحة مفتوحة للاستنزاف وأمام الطيران الإسرائيلي يضمن منع تشكل أي قطب أمني منافس في المشرق العربي. وفي ظل غياب التوافق الدولي والإقليمي على حل شامل، فإن استمرار هذه العقيدة سيعمق حالة عدم الاستقرار، ليصبح الواقع السوري محكوماً بمعادلة «السيادة الإسرائيلية المطلقة»، وهو ما يرسم ملامح مرحلة جديدة من الصراع الاستراتيجي في الشرق الأوسط.

ويمثل هذا الواقع أحد أعقد التحديات أمام سوريا اليوم، فهو لا يتعلق فقط بحقها في الدفاع عن أراضيها، بل بقدرتها على استعادة سيادتها، وإعادة بناء مؤسساتها العسكرية والمدنية ضمن حدودها الدولية الشرعية. ورغم تمسك دمشق بالمسار الدبلوماسي والتفاوضي وسعيها إلى تجنب المواجهة المفتوحة، فإن هذا المسار لم يحقق نتائج ملموسة حتى الآن، في ظل استمرار إسرائيل في فرض وقائع ميدانية وأمنية متتابعة.

لذلك، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تستطيع سوريا انتزاع هامش فعلي من السيادة عبر الدبلوماسية وحدها، أم أن انتظار تغير القيادة الإسرائيلية لن يبدل القاعدة الأعمق التي ترى في سوريا القوية تهديداً دائماً؟ إن جوهر المسألة هو أن إسرائيل، وفق هذا المسار، لن تقبل طوعاً بقيام سوريا متماسكة وقادرة على الدفاع عن نفسها. ومن ثم، فإن استعادة الدور السوري لا تمر عبر انتظار قبول إسرائيلي، بل عبر بناء القوة والمؤسسات، واستعادة القرار الوطني، وفرض الحضور السيادي داخل الحدود الشرعية للدولة.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى