
بعيداً من الخصوصيّات والفوارق بين أفغانستان وغزّة، وطبيعة الاحتلال والسياق التاريخي والسياسي لكلّ حالة، تبرز إسقاطات استراتيجية مهمّة لتجربة حركة طالبان على مسار الحرب في غزّة، قد تقود الولايات المتحدة وإسرائيل إلى الفشل في تحقيق أهدافهما، خصوصاً في ظلّ التخبّط الإسرائيلي في بلورة مسار سياسي واضح لما بعد وقف إطلاق النار، والاستمرار في الاعتماد المُفرِط على المقاربة العسكرية.
تعيش حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، إلى حدّ كبير، ما عاشته “طالبان” بعد التدخّل الأميركي في أفغانستان عام 2001. فمنذ 7 أكتوبر (2023)، يظهر نمط مشابه: تفوّق عسكري ساحق للخصم، وتدمير واسع للإنسان والجغرافيا والبنية التنظيمية، ثمّ انتقال تدريجي من نموذج القوّة شبه النظامية إلى نمط أكثر لامركزية، بالتوازي مع الاستنزاف العسكري والتكيّف الميداني. وقد يفتح ذلك المجال أمام مسارات غير تقليدية للصمود وإعادة التشكّل.
لكنّ المفارقة الاستراتيجية أنّ الفشل قد لا يكون عسكرياً فحسب، بل قد يظهر بصورة أكبر في “هندسة ما بعد الحرب”. فقد أُنشئ “مجلس السلام”، وطُرحت خطّة من 15 نقطة، ووافقت “حماس” على إطارها في نهاية يوليو/ تمّوز الماضي، بينما رفضت الحكومة الإسرائيلية الخطّة بصيغتها الحالية، سيّما ما يتعلّق بتسلسل نزع سلاح “حماس” والانسحاب الإسرائيلي، كما طُرحت ترتيبات تتضمن قوّة استقرار دولية وهيئات فلسطينية انتقالية لإدارة المرحلة المقبلة في غزّة. غير أنّ إنشاء هياكل سياسية وأمنية جديدة لا يعني بالضرورة القدرة على إنتاج حكم فعّال ومستقرّ. فنجاح هذه الترتيبات سيتوقّف، إلى حدّ كبير، على قدرتها على فهم البنية الاجتماعية والسياسية التي كانت قائمةً قبل الحرب وأعادت الحرب تشكيلها، وشبكات النفوذ المحلّية، ومصادر الشرعية، وقدرة الفاعلين المحلّيين على التكيّف وإعادة تنظيم أنفسهم. وإذا غابت هذه المعرفة، أو جرى التعامل مع المجتمع المحلّي باعتباره مجرّد موضوع لإعادة الهندسة السياسية والأمنية من الخارج، فقد تتحوّل المرحلة الانتقالية نفسها إلى مصدر جديد للفشل وعدم الاستقرار.
إنشاء هياكل سياسية وأمنية جديدة لا يعني بالضرورة القدرة على إنتاج حكم فعّال ومستقرّ
وهنا تكمن إحدى أهمّ دروس أفغانستان: إسقاط تنظيم مسلّح أو السيطرة العسكرية على الأرض لا يعني بالضرورة تحقيق الهدف السياسي. فالتحدّي الحقيقي يبدأ بعد ذلك: كيف يمكن بناء نظام سياسي يمتلك الشرعية والقدرة على الحُكم، ويستطيع الصمود بعد انسحاب أو تراجع القوّة الخارجية؟ وهذا لا يتحقّق بالقوّة وحدها، بل يتطلّب هدفاً سياسياً واضحاً، ومؤسّساتٍ قادرةً على الحُكم، واستراتيجيةً متماسكةً لتكريس الاستقرار، ومساراً سياسياً يمكن أن ينتج تسويةً قابلةً للاستمرار. من هنا، لا يقتصر السؤال الاستراتيجي على ما إذا كانت إسرائيل والولايات المتحدة قادرتَيْن على تدمير البنية العسكرية لحركة حماس، بل يمتدّ إلى سؤال أكثر عمقاً: هل تستطيعان (والأهمّ: هل تريدان) إنتاج واقع سياسي جديد في غزّة يكون أكثر قدرةً على الاستمرار من الواقع الذي تحاولان استبداله؟ وهل هناك استعداد فعلي للانخراط في مسار سياسي يقود إلى حلّ الدولتَيْن، بما ينسجم مع قرارات الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي؟ فالمشكلة ليست في إنهاء قدرة “حماس” العسكرية فحسب، وإنّما في معالجة البنية السياسية للصراع التي سمحت بإعادة إنتاج المواجهة عبر عقود.
ويبرز في هذا السياق سؤال آخر يتعلّق بالتصوّر الإسرائيلي لمستقبل غزّة: هل تتّجه إسرائيل نحو استراتيجية تؤدّي عملياً إلى إفراغ القطاع من سكّانه، أم إنّها تسعى إلى إعادة تشكيله والعودة إلى نمط من الوجود العسكري والاستيطاني الإسرائيلي؟ لكلّ من هذه الخيارات كلفة استراتيجية وسياسية مختلفة، فيما لا يبدو أنّ هناك تصوّراً إسرائيلياً موحّداً ومستقرّاً بشأن “اليوم التالي”، ولا يمكن فصل مستقبل غزّة عن مستقبل الضفّة الغربية. فالتوسّع الاستيطاني، والعنف ضدّ الفلسطينيين، والتهجير القسري، إلى جانب إضعاف السلطة الفلسطينية وتآكل شرعيتها، قد تنتج مجتمعةً نتيجةً سياسيةً عكسيةً. فبدلاً من إضعاف “حماس”، يمكن أن يؤدّي إضعاف البديل السياسي الفلسطيني إلى تعزيز موقعها النسبي، ليس في غزّة فحسب، وإنّما أيضاً في الضفّة، وربّما لدى قطاعات من الرأي العام الفلسطيني في الداخل والخارج.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية في استراتيجية إدارة الصراع: إضعاف المؤسّسات والقوى السياسية الفلسطينية التي يمكن أن تشكّل بديلاً من “حماس” قد يؤدّي، بصورة غير مباشرة، إلى تقوية الحركة التي تسعى إسرائيل إلى إضعافها. وبذلك تصبح سياسة “إدارة الصراع” نفسها عاملاً في إعادة إنتاج الصراع، كما أنّ كلفة الحرب لم تعد عسكريةً فحسب؛ فهي مالية وسياسية ودولية واجتماعية أيضاً. ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، أصبحت تداعيات الحرب وكلفتها وأزمة القيادة والاستقطاب الداخلي أكثر حضوراً في الحسابات السياسية الإسرائيلية. وتبقى أزمة تجنيد الحريديم إحدى النوافذ المهمّة لفهم هذه التحوّلات. فالمسألة لا تتعلّق بالتجنيد وحده، وإنّما بالسؤال الأوسع عن توزيع أعباء الحرب داخل المجتمع الإسرائيلي، ومن يتحمّل كلفتها البشرية والاقتصادية، وكيف يمكن للدولة الحفاظ على قدرتها على التعبئة العسكرية لفترة طويلة. وقد قدّر بنك إسرائيل أنّ الكلفة الاقتصادية لشهر واحد من خدمة جندي احتياط تبلغ نحو 38 ألف شيكل، مشيراً إلى أنّ زيادة تجنيد الحريديم يمكن أن تخفّف جزءاً من العبء الاقتصادي والشخصي الناتج عن الاعتماد الواسع على قوات الاحتياط.
قد يكون “اليوم التالي” في غزّة الاختبار الأصعب للولايات المتحدة وإسرائيل: ليس فقط كيف تنتهي الحرب، وإنّما أيّ نظام سياسي واجتماعي وأمني سيحلّ محلّ الواقع الذي تحاولان تغييره
وفي هذا السياق، قد لا يكون التحدّي الأكبر في قدرة إسرائيل على خوض الحرب أو تحقيق تفوّق عسكري، وإنّما في قدرتها على تحويل هذا التفوّق إلى واقع سياسي مستدام. فالتاريخ الحديث للحروب غير المتكافئة يبيّن أنّ التفوّق العسكري يمكن أن يحقّق إنجازاتٍ ميدانيةً كبيرةً، لكنّه لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية التي قامت الحرب من أجلها. وهنا تصبح تجربة طالبان ذات قيمة تحليلية، ليس لأنّها تقدّم نموذجاً يمكن نسخه في غزّة، بل لأنّها تكشف مشكلةً أوسع في الحروب غير المتكافئة: قدرة القوّة المتفوّقة عسكرياً على تدمير البنية المادية للتنظيم لا تعني بالضرورة أن تنهي قدرته السياسية والتنظيمية على التكيّف وإعادة إنتاج نفسه.
وفي الحالة الفلسطينية، تزداد أهمّية هذه المسألة؛ لأنّ الصراع لا يتعلّق بتنظيم مسلّح فحسب، وإنّما بقضية سياسية ووطنية مستمرّة. وقد أثبتت التجارب السابقة أنّ المقاربات العسكرية التي لا تعالج مستقبل الشعب الفلسطيني وموقعه السياسي والقانوني لا تؤدّي بالضرورة إلى إنهاء الصراع، بل يمكن أن تؤدّي إلى إعادة إنتاجه في أشكال جديدة. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة المسار التاريخي للصراع منذ عام 1948، ثمّ في 1967، وما تلاهما من سياسات السيطرة وإدارة الصراع، وصولاً إلى الانتفاضتَين (1987 و2000)، واتفاقات أوسلو (1993)، ثمّ التحوّلات التي قادت إلى الانقسام الفلسطيني وصعود “حماس” و”الجهاد الإسلامي” وغيرها من الفصائل، كما أنّ الانتقال من مسار التفاوض الذي ارتبط بقيادة منظّمة التحرير الفلسطينية وإسحاق رابين إلى مسار أكثر اعتماداً على القوّة العسكرية في مواجهة “حماس” والفصائل المسلّحة يعكس، في جانب منه، انتقال مركز الثقل من محاولة إدارة الصراع سياسياً إلى محاولة حسمه أمنياً وعسكرياً.
لكنّ التجربة التاريخية تشير إلى أنّ العمل العسكري، مهما بلغ حجمه، لا يستطيع وحده أن يحسم سؤال المستقبل السياسي للشعب الفلسطيني. فإذا لم يرتبط استخدام القوّة بمسار سياسي يعالج قضايا السيادة والتمثيل والحقوق والأمن والتنمية وإعادة الإعمار، فإنّ احتمال إعادة إنتاج الصراع يبقى مرتفعاً.
قد لا تكون المشكلة في القدرة على خوض الحرب، وإنّما في القدرة على تحويل التفوّق العسكري إلى تسوية سياسية قابلة للاستمرار
ومن هنا، قد يكون “اليوم التالي” في غزّة الاختبار الأصعب للولايات المتحدة وإسرائيل: ليس فقط كيف تنتهي الحرب، وإنّما أيّ نظام سياسي واجتماعي وأمني سيحلّ محلّ الواقع الذي تحاولان تغييره، ومن يمتلك الشرعية والقدرة على إدارته، وما إذا كان هذا النظام قادراً على الاستمرار من دون اعتماد دائم على القوّة الخارجية. وقد يؤدّي فشل استراتيجية القوّة وإدارة الصراع، بدلاً من إنهاء المطالبة الفلسطينية بالدولة، إلى إعادة طرح حلّ الدولتَيْن باعتباره أحد المسارات السياسية الأكثر قابليةً للاستمرار، خصوصاً إذا تبيّن أنّ البدائل القائمة على السيطرة الأمنية أو الإدارة الخارجية أو إعادة هندسة القطاع لا تستطيع إنتاج استقرار طويل الأمد.
لكنّ هذا المسار يواجه عقبات سياسية كبيرة داخل إسرائيل. وتجربة اغتيال إسحاق رابين عام 1995، بعد توقيع اتفاقات أوسلو، تظلّ إحدى أكثر اللحظات دلالةً على كلفة الصراع الداخلي حول التسوية السياسية. إنّ اغتيال رابين كان نتيجةً حتميةً لموقفه من حلّ الدولتَيْن، ويوضّح أنّ الانتقال من منطق إدارة الصراع إلى منطق التسوية السياسية يواجه مقاومةً شديدةً داخل النظام السياسي والمجتمع الإسرائيلي.
وفي النهاية، قد لا تكون المشكلة في القدرة على خوض الحرب، وإنّما في القدرة على تحويل التفوّق العسكري إلى تسوية سياسية قابلة للاستمرار. وهنا تحديداً قد يكون “اليوم التالي” هو الاختبار الحقيقي، ليس لنهاية الحرب فحسب، وإنّما لنجاح أو فشل الاستراتيجية التي قادت إليها.
المصدر: العربي الجديد






