
لم يكن المتنبي يعرف «الترند»، ولا عاش زمن «اللايك» و«الشير»، لكنه ترك لنا، نحن أبناء «مهنة المتاعب»، ما يصلح لوصف بعض نكد مهنتنا اليوم: «عدوٌّ له ما من صداقته بُدّ».
ليست وسائل التواصل الاجتماعي عدوًّا، ولا الناشط أو المؤثر بطبيعة الحال، بل ذلك «الترند» الذي يقتحم المشهد، ويفرض الخبر وتوقيته، وأحيانًا زاوية قراءته، ثم يترك الصحفي والمؤسسة يلهثان خلفه بين تصحيح وتوضيح ونفي، وربما صمت يزيد «الطين بلّة».
الثابت في المشهد السوري هو حضور وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها حالة طبيعية أفرزتها سنوات التهجير والحاجة إلى إعلام بديل عن منظومة النظام البائد. لكن استمرار زخمها اليوم، بعد ما يقارب العامين على التحرير، يثير منافسة محمومة، ويتحدى إعلام الدولة «في عقر داره»، سواء الرسمي منه أو الخاص. كما أنه، في كثير من تجلياته، بات مثيرًا لأسئلة الصحفيين عن تغييبهم، بوصفهم روافع لمواجهته، في حين أن مشاهد الاحتفاء الحكومي المتكررة، والشعبية على حد سواء، تحيي «عداوة» رفاق «الكار»، وتدفع إلى حضور حالة من «الأستذة» في التحليل أو التخفيف أو مراجعة المشهد الإعلامي السوري برمّته.
ظاهرة التأخير في الإعلام الحكومي يجب معالجتها، وإن تعذر الأمر، فينبغي مصارحة الجمهور بأن لا ذنب للصحفي ولا للمؤسسة فيها؛ فقرار النشر في مثل هذه الحالات يخضع لمنظومة من المشاورات الإعلامية والسياسية
فالناشط يحمل هاتفه، ويصوّر وينشر ويعلّق في دقائق، بينما تمر المعلومة في المؤسسة الإعلامية على الصحفي، والمحرر، والمسؤول، واعتبارات القرار السياسي. والمشكلة أننا، بعد ذلك، نضع الاثنين على خط البداية نفسه، ونسأل: من سبق؟ من أثّر؟ ومن نجح في استمالة الجمهور؟
فمن ذا يسابق وهو مكبّل، إلا في المشهد السوري؟
وبحكم المقاربة المتعجلة والذاتية غالبًا، تتكرر السجالات بين ترندات الناشطين و«أستذة» الزملاء وانتشارها اليومي. شيء شبيه بـ«كونات» أبي وجدي؛ فلطالما كان الأول ينتهي من راتبه القليل في فترة الثمانينيات، ويعلن إفلاسه منتصف الشهر، فندخل في تكرار «الطوشة».
يصرخ جدي:
«يا غالب، اتقِ الله، لو راتبك معي بشتري ثلاث ربعات ببصرى».
فيضحك أبي، مرددًا:
«يا رجال ارحمني، تغيّرت الدنيا وبعدك بتحكي أيام العصملي».
و«الرُّبعة» من وحدات قياس الأراضي في حوران.
«الطوشة» المعادة وسجالات إعلامنا اليوم تتمثلان في أن كل طرف يحسب قيمة الأشياء بموازين زمنه وأدواته، ثم يغضب لأن الآخر لا يفهم حسابه. الناشط يحسبها بسرعة الوصول والتفاعل، والصحفي يحسبها بالدقة والمصدر والمسؤولية، والمؤسسة الحكومية تضيف فوقهما حساب القرار ورسالة الدولة. و«كل مين على دينه الله يعينه».
المشهد السوري، بتحولاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بالغ التعقيد في بنيته وتوجهاته غير المعلنة، وصولًا إلى إعلامه و«ترنداته» اليومية، وربما الساعية.
ليس لدى الحكومة ولا لدى الصحفيين رؤية جدية أو برنامج واقعي، ولا حتى أبحاث سوسيولوجية أو إعلامية تقدم مقاربة هادئة لدور الإعلام المجتمعي، ممثلًا بوسائل التواصل الاجتماعي، أو لحدود الإعلام الحكومي الذي نريده وطموحاته. فنحن نعيد مشاهد ما قبل التحرير، حين كانت الانقسامات والهجمات الإعلامية ذاتها تطول هذه الوسيلة أو ذاك الموقع الإعلامي، رغم أن قادته لم يكونوا حينها يُحسبون لا على الناشطين ولا على المؤثرين.
ومن أقرب الأمثلة تعبيرًا وحضورًا على «الطوشة» الإعلامية في المشهد السوري زيارة الرئيس الشرع، أمس، إلى محافظة درعا. زيارة ربما أرادتها الرئاسة حمّالة أوجه وقراءات سياسية واجتماعية واقتصادية، لكنها طرحت، في السياق السوري ذاته، إشكالية المشهد الإعلامي.
ففيما وجد رواد وسائل التواصل الاجتماعي في الزيارة ضالتهم وخبرهم وطريقهم إلى الشارع، غاب الإعلام الحكومي بفعل تداخل عوامل الخبرة والقرار و«المطبخ الإعلامي»: لا خبر، ولا تعليق، ولا حتى زاوية رأي.
ولا يتعلق الأمر بزيارة رئيس أو وزير. يتكرر المشهد مع حادثة أمنية هنا، وقرار اقتصادي هناك، وشائعة تعيين أو إقالة في مكان آخر. يبدأ الخبر بصورة مجهولة المصدر، ثم بمنشور، ثم «عاجل»، ثم عشرات التحليلات، وحين تصل المعلومة الرسمية يكون «العرس خلص».
وهنا لا تكفي مطالبة الناس بأخذ أخبارهم من المصادر الرسمية؛ فالمصدر الرسمي يحتاج أيضًا إلى أن يصل إلى الناس قبل أن يصبح تصحيحه بعد «وقوع الفأس في الرأس».
ظاهرة التأخير في الإعلام الحكومي يجب معالجتها، وإن تعذر الأمر، فينبغي مصارحة الجمهور بأن لا ذنب للصحفي ولا للمؤسسة فيها؛ فقرار النشر في مثل هذه الحالات يخضع لمنظومة من المشاورات الإعلامية والسياسية، ويرتبط بهدف الرسالة وما تريد الحكومة قوله بوصفه موقفًا رسميًا، في حين تستطيع أطراف المشهد الإعلامي الأخرى، من نشطاء وإعلام مستقل، التحرك ضمن هوامش أوسع.
لكن ذلك لا يمنح طرفًا حق «الأستذة» على الآخر؛ فالتغطيات والأخبار والمتابعة محكومة بسياقها، والظرف السوري، بما يتسم به من «انتقالية»، يضع في الحسبان ما قد لا يضعه غيره.
ما الذي تريده سوريا من إعلامها الجديد، سواء الحكومي أو المستقل، وصولًا إلى الإعلام المجتمعي؟ وهل ثمة رؤية استراتيجية جامعة وهدف موحد تسعى إليه؟ والأهم: هل الأطراف المعنية في المشهد الإعلامي قادرة على صياغة التوافقات، متجاوزة علاقة «الضدية»: أنتم ونحن؟
وفي المقابل، ينتظر الشارع، المتعطش إلى كل خبر وخلفياته وسياقه، إعلامًا متوازنًا ومحايدًا، ليكون هو الحكم النهائي.
فالإعلام، عادة، لا ينبغي أن يكتفي بنقل الأحداث أو متابعة الأخبار، بل يُفترض أن يكون أحد أهم أدوات رفع مستوى الوعي، وتصحيح السلوك العام، وتعزيز القيم الإيجابية في المجتمع، والمساعدة في ترسيخ قواعد السلم الأهلي وتحقيق القصاص ممن انتهكوا حياة السوريين؛ وأن يكون معالجًا كجرّاح محترف يعرف الحدود الدقيقة، فيستأصل الخبيث وينقذ المريض.
ثنائيات التنافس بين المؤثرين والصحفيين وصانع القرار الإعلامي، بمواقفه وخططه، تشير إلى خلل بنيوي في إدارة الإعلام، واضطراب في أولوياته، وقصور في فهم المرسِل لطبيعة الدور المناط به.
لكن مهلًا… هذا يعني جميع اللاعبين والمؤثرين في المشهد الإعلامي.
الترند هنا ليبقى، شئنا أم أبينا. والسؤال ليس: كيف نهزمه؟ بل: كيف نصاحبه من دون أن نسلّمه المهنة؟ وكيف نسبقه حين نستطيع، ونترك له صخبه حين تكون لدينا المعلومة التي تبقى بعد أن ينام الترند؟
صحيح أن صانع القرار يتحمل الحصة الأكبر من المسؤولية، لكن ذلك لا يلغي مسؤولية المؤسسات الإعلامية الخاصة عن الدفاع عن دورها وحضورها، وتقديم الدور المنتظر منها، ولا يعفي الصحفي، في الداخل والمهجر، من مسؤوليته في المحاولة واستثمار الهوامش المتاحة لتشكيل شبكات ضغط ودراسة ونقد وتصحيح للمسار، بدل الاكتفاء بمتعة «الندب» اللحظية عمّا يجب أن يكون، بعيدًا عن ظروف الواقع السوري ومعطياته وخصوصيته.
وثمة متابع سيعيدها دومًا بقسوتها:
«تفضل، أرنا إبداعاتك».
صحيح أن الحاجة ماسّة إلى مشهد إعلامي جديد، وإلى مقاربة جديدة للإعلام وفهم دوره ووظائفه على أعلى مستوى سياسي وإداري، خصوصًا مع الانفتاح الذي تشهده سوريا، وزيادة عدد قنوات التغطية الإعلامية واتساع حضورها. لكن من المهم أيضًا تفهّم خصوصية الإعلام الحكومي، وعدم قدرته، لا الآن ولا مستقبلًا، على خوض منافسة ليست عادلة في البنى والكوادر والدور والوظيفة والهوامش المتاحة والرسالة.
التغير الكبير الحاصل في عموم المشهد الإعلامي ليس حالة سورية بقدر ما هو ظاهرة عالمية، لكن الظرف السوري يفرض علينا المقاربة، لا «رفع الراية».
الدنيا تغيّرت، كما كان يقول أبي لجدي، ولم يعد الراتب يشتري «ثلاث ربعات في بصرى»، كما لم يعد الخبر ينتظر نشرة الثامنة ولا بيان المؤسسة.
الترند هنا ليبقى، شئنا أم أبينا. والسؤال ليس: كيف نهزمه؟ بل: كيف نصاحبه من دون أن نسلّمه المهنة؟ وكيف نسبقه حين نستطيع، ونترك له صخبه حين تكون لدينا المعلومة التي تبقى بعد أن ينام الترند؟
مهمة تبدو صعبة، لكنها ضرورة لضبط المشهد الإعلامي والتعويل عليه بوصفه حاضنة ورافعة للتغيرات المنتظرة في عموم المشهد السوري، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.
المصدر: تلفزيون سوريا






