احتجاز بلا إجابات.. ملف فلسطينيي سوريا الموقوفين يعود إلى الواجهة

    ماهر حسن شاويش

لم يعد السؤال الذي يتردد بين بعض العائلات الفلسطينية في سوريا متعلقاً فقط بسبب توقيف أبنائها، بل بات أكثر تفصيلاً: أين هم؟ وما وضعهم القانوني؟ ومتى يصل ملفهم إلى القضاء؟

خلال الأشهر الماضية، برزت مجموعة من الحالات التي أعادت ملف توقيف فلسطينيي سوريا إلى الواجهة، من حملة أمنية طالت عشرات الأشخاص في دمشق وريفها، إلى استمرار احتجاز شبان من مخيم خان الشيح لأشهر، وصولاً إلى قضية الفلسطيني عادل الناطور، الذي تقول أسرته إنه أمضى نحو 11 شهراً محتجزاً من دون أن تتلقى وثيقة رسمية توضح التهمة الموجهة إليه، قبل أن يبرز حديث عن قرار ترحيله خارج سوريا.

القاسم المشترك بين هذه الحالات ليس بالضرورة سبب التوقيف، ولا الخلفية السياسية للموقوفين، بل شكاوى العائلات من طول فترة الانتظار وغياب معلومات قانونية واضحة في عدد من الملفات.

وتعيد هذه الوقائع طرح سؤال حساس في مرحلة تحاول فيها سوريا إعادة بناء مؤسساتها الأمنية والقضائية: هل نحن أمام حالات فردية مرتبطة بتحقيقات أمنية مختلفة، أم أن تكرار التأخير في الإحالة إلى القضاء، وعدم وضوح وضع بعض المحتجزين، بات يستدعي مراجعة مؤسساتية؟

خان الشيح.. خمسة أسماء في واجهة الملف

في 30 آب/أغسطس الماضي، والذي يصادف اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري، أعادت مبادرة «فلسطينيو سورية للرقابة الشعبية – مرصد» نشر أسماء خمسة فلسطينيين سوريين سبق أن تابعت قضاياهم، هم: أحمد حمدان عبده، أحمد محمود محمد، محمد معتصم حامد، خليل إبراهيم رشيد، ومحمد نور محمد يوسف، مطالبة بمعرفة أماكن وجودهم وأوضاعهم القانونية.

وترتبط معظم هذه الحالات بمخيم خان الشيح في ريف دمشق، الذي شهد في 13 نيسان/أبريل 2026 حملة أمنية واسعة. وتشير تقديرات إلى أن الحملة طالت نحو 30 شاباً، أُفرج عن عدد منهم خلال الساعات والأيام اللاحقة، في حين بقي آخرون رهن الاحتجاز.

وفي مرحلة أوسع من التوقيفات التي شهدتها دمشق ومحيطها خلال الفترة نفسها، تحدثت مؤسسات حقوقية عن نحو 40 فلسطينياً طالتهم عمليات توقيف في مناطق مختلفة، بينها خان الشيح وجرمانا والحسينية وركن الدين والهامة.

وكان «تلفزيون سوريا» قد نقل في نيسان/أبريل أن 15 موقوفاً من خان الشيح وجرمانا كانوا ضمن التحقيقات آنذاك، وأن ثلاثة منهم أُفرج عنهم، بينما ظل 12 قيد التحقيق. كما أشار إلى أن الحملات جاءت في سياق أمني شمل ملاحقة عناصر مرتبطة بالنظام السابق وتنظيم «داعش» ومروجي المخدرات.

وهنا تجب الإشارة إلى أن وجود تحقيقات أمنية أو شبهات بحق بعض الأشخاص لا يلغي الحاجة إلى حسم الوضع القانوني للموقوفين خلال مدة محددة.

إذا كان الشخص محتجزاً، فمن حقه أن يعرف سبب الاحتجاز، ومن حق أسرته معرفة مكانه، ومن حقه الوصول إلى المساعدة القانونية، وأن ينتقل ملفه إلى جهة قضائية مختصة.

أشهر من الانتظار.. ماذا بعد؟

في أحدث متابعة للملف، دعت مؤسسات حقوقية عاملة في سوريا إلى الإسراع بإحالة خمسة من أبناء مخيم خان الشيح إلى القضاء المختص. وظهرت تفاصيل إضافية بشأن أحدهم، وهو أحمد حمدان عبده، المعروف بـ«أبو مسلم»، الذي تقول عائلته إنه استُدعي إلى فرع الأمن السياسي في قطنا في 16 نيسان/أبريل، ثم نُقل في اليوم التالي إلى جهة لم تكن العائلة تعرفها، قبل أن تنقطع المعلومات المتعلقة بمكانه لفترة.

وتقول الأسرة إنها حاولت، إلى جانب محاميه، الحصول على معلومات بشأن وضعه القانوني. فالسؤال القانوني المشروع هنا: إذا انتهت التحقيقات أو وُجدت أدلة، فلماذا لا ينتقل الملف إلى القضاء؟ وإذا لم توجد أدلة كافية، فما أساس استمرار الاحتجاز؟

وبين الحالات الخمس كذلك، تأخذ قضية محمد نور محمد يوسف بعداً إضافياً بسبب عمره. فمحمد نور يبلغ 16 عاماً، وكان من بين من احتُجزوا في سياق الحملة الأمنية التي شهدها مخيم خان الشيح في 13 نيسان/أبريل. وبحسب ما وثقته «مرصد» عن والده، كان آخر تواصل معروف معه في 22 حزيران/يونيو، عندما أرسل تسجيلاً صوتياً قصيراً أكد فيه أنه بخير.

وتقول الأسرة إنها لم تتمكن من زيارته مباشرة، وإنها بقيت تفتقر إلى معلومات واضحة بشأن مكان احتجازه والمسار القانوني لملفه.

وفي 15 آب/أغسطس، توجه والده مع لجنة من مخيم خان الشيح وعدد من أسر الموقوفين إلى الجهات المعنية، وبحسب روايته، أُبلغوا بأن المحتجزين سيُحالون إلى المحاكمة، من دون تحديد موعد. وتكتسب المسألة حساسية إضافية مع كون محمد نور قاصراً، إذ تطرح قضيته أسئلة تتعلق بضمانات الأحداث، وحق الأسرة في التواصل معه، والمساعدة القانونية، ووضوح الجهة القضائية المختصة بملفه.

وقد جدد والده، في نهاية آب/أغسطس، مناشدته للسلطات السورية للتدخل في القضية والإفراج عن نجله أو توضيح وضعه القانوني.

عادل الناطور.. من الاحتجاز إلى سؤال الترحيل

لكن القضية التي دفعت هذا الملف مجدداً إلى دائرة الاهتمام الأوسع هي قضية عادل عبد الفتاح الناطور. والناطور، الفلسطيني المقيم في دمشق منذ عام 1992، يبلغ 71 عاماً، ومحتجز منذ نحو 11 شهراً. وقد تداولت جهات فلسطينية وحقوقية خلال الأيام الأخيرة معلومات عن توجه لترحيله خارج سوريا، من دون صدور توضيح رسمي حتى الآن بشأن أسباب توقيفه أو الأساس القانوني للترحيل.

لكن رواية أسرته تضيف تفاصيل تجعل القضية أكثر تعقيداً. ففي مقابلة خاصة أجرتها «مرصد» مع ابنته إسراء، تقول الأسرة إنها تمكنت من زيارته ثلاث مرات، وإنه موجود في أحد الفروع الأمنية، وكانت الزيارة الأخيرة قبل نحو أسبوعين.

وتضيف إسراء أن العائلة لم تتسلم أي وثيقة رسمية تتضمن قراراً بترحيله، وأن الحديث الأول عن إخراجه من سوريا وصل عبر مكالمة قصيرة من مسؤول أمني، طُلب خلالها من الأسرة البحث عن مكان له خارج البلاد.

وأشارت العائلة إلى أن والدهم لم يُبلّغ، بحسب معلوماتها، بقضية أو تهمة محددة، وأن محاولة توكيل محامٍ اصطدمت بعدم وجود ملف قضائي يمكن للمحامي متابعته. ويزداد الأمر حساسية، وفق إسراء، بسبب سن والدها وحالته الصحية، إذ يعاني من مشكلات صحية متعددة.

وفي الوقت نفسه، تحرص الأسرة على الفصل بين القضية وبين أي خطاب سياسي ضد الدولة، وتقول إنها لا تعتبر احتجاز الناطور قراراً حكومياً موجهاً ضد الفلسطينيين، كما تؤكد أن التعامل الشخصي معه داخل مكان احتجازه جيد.

وتتقاطع أجزاء من رواية الأسرة مع ما نشرته وسائل إعلام أخرى، والتي أشارت إلى عدم صدور توضيح رسمي حتى الآن بشأن أسباب توقيف الناطور، أو الجهة التي اتخذت قرار ترحيله المفترض، والأساس القانوني لذلك.

ليست مطالبة بالإفلات من المساءلة

الحديث عن هذا الملف لا يعني الدفاع عن أي شخص تثبت بحقه جريمة، وهذه نقطة تكاد تتكرر في بيانات الجهات الفلسطينية التي تابعت الملف، إذ أفادت جميعها بأن من توجد بحقه أدلة يجب أن يُحال إلى القضاء ويُحاكم ضمن إجراءات عادلة، ولا ينبغي للإعلام أو العائلة أو أي جهة حقوقية أن تحل محل القضاء في تحديد المسؤولية.

لكن القاعدة نفسها تعمل في الاتجاه المعاكس؛ فإذا كان الشخص محتجزاً، فمن حقه أن يعرف سبب الاحتجاز، ومن حق أسرته معرفة مكانه، ومن حقه الوصول إلى المساعدة القانونية، وأن ينتقل ملفه إلى جهة قضائية مختصة.

لذلك، لا تكمن المشكلة التي تكشف عنها الحالات السابقة في مجرد وقوع التوقيفات، وإنما في الفجوة بين التوقيف وبين الوصول إلى إجابة قانونية واضحة.

هل هي ظاهرة؟

قد يكون من المبكر وصف ما يحدث بأنه سياسة ممنهجة ضد فلسطينيي سوريا، فالمعطيات المنشورة لا تثبت حتى الآن وجود قرار حكومي يستهدف الفلسطينيين بصفتهم القومية، كما أن بعض الحملات الأمنية شملت سوريين وفئات متعددة، وارتبطت بملاحقة مشتبه بارتباطهم بالنظام السابق أو مجموعات مسلحة أو أنشطة جنائية.

لكن، في المقابل، أصبح من الصعب تجاهل تكرار حالات فلسطينية تتشابه فيها أسئلة العائلات: أين المحتجز؟ ما التهمة؟ هل انتهى التحقيق؟ هل عُرض على القضاء؟ وهل يستطيع محامٍ الوصول إلى الملف؟

وهنا يصبح الحديث عن «ظاهرة» بمعناها الحقوقي غير مرتبط بعدد المعتقلين، وإنما بتكرار النمط الإجرائي نفسه.

في حالة الموقوفين من مخيم خان الشيح، يمكن للسلطات أن تحسم الجدل بإعلان ما إذا كانوا قد أُحيلوا إلى القضاء، وما المرحلة التي وصلت إليها ملفاتهم، مع احترام سرية التحقيق عند الحاجة.

الفلسطينيون السوريون بين ذاكرة الأمس وقلق اليوم

تحمل مسألة الاعتقال حساسية خاصة لدى المجتمع الفلسطيني في سوريا. فهذا المجتمع دفع خلال سنوات حكم النظام السابق ثمناً كبيراً في ملف الاعتقال والإخفاء القسري، وما تزال آلاف العائلات الفلسطينية تبحث عن مصير أبنائها الذين دخلوا مقار أجهزة الأمن والسجون السابقة ولم يعودوا.

ولهذا، تبدو أي حالة جديدة لا تستطيع فيها الأسرة معرفة مكان ابنها أو وضعه القانوني أكثر من مجرد واقعة منفردة؛ فهي تستحضر ذاكرة جماعية لم تُغلق بعد. ومن دون شك، فإن المقارنة مع الماضي يجب ألا تتحول بدورها إلى مساواة تلقائية بين مرحلتين مختلفتين.

والتحدي الحقيقي أمام السلطات السورية الجديدة هو منع نشوء ذلك التشابه أصلاً، عبر بناء قواعد واضحة يكون فيها التوقيف مستنداً إلى القانون، والتحقيق محدد المدة، مع وجود محامٍ، ورقابة قضائية، وإبلاغ الأسرة، ثم محاكمة أو إفراج.

السؤال الذي يحتاج إلى جواب رسمي

ربما لا تكون كل الحالات متشابهة، وقد تكون بحق بعض الموقوفين معلومات أو أدلة لا يعرفها الرأي العام، وربما تخضع ملفات أخرى لتحقيقات أمنية معقدة، لكن هذا تحديداً هو السبب الذي يجعل وجود مسار قضائي واضح ضرورة لا ترفاً.

وفي حالة الموقوفين من مخيم خان الشيح، يمكن للسلطات أن تحسم الجدل بإعلان ما إذا كانوا قد أُحيلوا إلى القضاء، وما المرحلة التي وصلت إليها ملفاتهم، مع احترام سرية التحقيق عند الحاجة.

وفي حالة عادل الناطور، يمكن إنهاء معظم التكهنات بتوضيح بسيط: هل توجد قضية مسجلة بحقه؟ وهل صدر قرار رسمي بترحيله؟ ومن أصدره؟ وهل يملك حق الطعن فيه؟

فالفراغ في المعلومات لا يحمي التحقيقات دائماً، بل يخلق أحياناً روايات وشكوكاً أكبر منها. وفي بلد خرج من تجربة قاسية مع الاعتقال والإخفاء، لا يكفي أن تكون أجهزة الدولة الجديدة مختلفة عن أجهزة الماضي في النيات أو السلوك الداخلي.

يجب أن يكون الاختلاف ظاهراً أيضاً وملموساً في الإجراءات والقانون وحق الناس في معرفة ما يحدث لأبنائهم. ولهذا، ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس: لماذا تم توقيف هؤلاء الفلسطينيين؟ بل: لماذا يبقى بعضهم محتجزاً كل هذه المدة من دون أن تحصل عائلاتهم على إجابة قانونية واضحة؟

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى