جسدٌ نسي عدوَّه… حين يقتات الوطن على نفسه

  باسم الزبيدي

ليست مأساة الجماعات دائماً أن تُهزم من الخارج؛ فكثيراً ما تبدأ الهزيمة الحقيقية حين يتحوّل الضغط الخارجي إلى طاقة تآكل داخلية. وفي عالم الأحياء ظاهرة تُعرف بالالتهام الذاتي، حين تلجأ الخليّة تحت وطأة الإجهاد إلى استهلاك بعض مكوّناتها للحفاظ على بقائها. قد تكون هذه العملية، في حدود معينة، وسيلةً للنجاة؛ لكنّها إذا استمرّت بلا ضابط، أو اختلّ التوازن بين البناء والهدم، تحوّلت من آلية إنقاذ إلى مسار استنزاف يفضي إلى الضعف وربّما إلى الفناء. ومن هنا تنشأ قوّة هذا التشبيه في قراءة بعض الحالات الوطنية والتاريخية، فالجماعة البشرية تشبه جسداً معنوياً ضخماً: له أعصاب هي شبكات الثقة، وله قلب هو قضيته الجامعة، وله جهاز مناعة هو قدرته على التماسك أمام الأخطار. وحين يعمل هذا الجسد بصورة طبيعية، يوجّه معظم طاقته نحو التحدّيات الخارجية التي تهدّد وجوده أو مصالحه. أما حين يبدأ كلّ عضو في النظر إلى العضو الآخر باعتباره الخطر الأوّل، فإنّ البوصلة تنقلب، ويتحوّل الجسد من مقاومة الأخطار إلى مقاومة نفسه.
في هذه اللحظة، لا يعود النزيف نتاج ضربات الخصم وحدها، بل يصبح الجسد نفسه شريكاً في استنزاف نفسه، فاليد التي كان ينبغي أن تدافع عن الجسد تنشغل بمصارعة اليد الأخرى، والعين التي كان ينبغي أن ترصد الخطر الخارجي تراقب العين المقابلة، والقلب الذي كان ينبغي أن يضخ الدم إلى كل الأطراف يبدأ بإرسال إشارات متناقضة. وما يبدأ بوصفه خلافاً محدوداً سرعان ما يتحوّل تدريجياً إلى إعادة توجيه للموارد والوقت والوعي والطاقات، من ساحة المواجهة إلى ساحة الخصومة الداخلية. وقد عرف التاريخ أمثلة كثيرة على هذه الظاهرة. فالإمبراطوريات لا تسقط دائماً حين يبلغ خصومها أقصى درجات القوّة، بل كثيراً ما تسقط حين تتآكل روابطها الداخلية. وتكشف تجارب تاريخية عديدة أنّ الانقسام الطويل لا يستهلك الموارد المادّية فحسب، بل يلتهم ما هو أخطر: الرصيد المعنوي والثقة المتبادلة. ذلك أنّ الخسارة العسكرية قد تُعوَّض، والخسارة الاقتصادية قد تُستدرَك، أمّا خسارة الثقة بين مكوّنات الجماعة فهي أشبه بتلف يصيب الجهاز العصبي للجسد كلّه؛ عندئذ يصبح التنسيق أصعب، والتضامن أضعف، والاستجابة للأزمات أبطأ.

كما تفقد الكواكب مداراتها إذا انهارت قوّة الجاذبية، تفقد الجماعات تماسكها حين تضعف الفكرة الجامعة

الأخطر من الاستنزاف المادي أنّ الاستنزاف الداخلي يغيّر وعي الجماعة بنفسها، ففي مراحل الصراع الخارجي عادةً ما تتبلور هُويّة مشتركة وشعور بمصير واحد؛ أمّا حين يتقدّم الانقسام، فإنّ السؤال لم يعد “كيف نواجه التحدّي؟”، بل يصبح “من المسؤول؟ ومن الأحق؟ ومن المخطئ؟”. وهكذا تنتقل الجماعة من منطق الفعل إلى منطق الاتهام، ومن البحث عن المستقبل إلى محاكمة الحاضر والماضي. وتدريجياً تصبح الخلافات نفسها مصدراً للشرعية والقوّة، فتتغذّى البنى السياسية على الانقسام بدل أن تعمل على تجاوزه. ولعلّ أدق وصف لهذه الحالة ليس أن الجسد “يموت” فوراً، بل إنّه يدخل في حالة إنهاك مزمن. فالجسد المنهك قد يبقى واقفاً سنوات طويلة، لكنّه يفقد القدرة على المبادرة؛ يبقى موجوداً، لكنّه أقلّ قدرة على الحركة، حيّاً لكنّه أقلّ قدرة على الإنجاز. وتصبح كلّ أزمة خارجية أكثر خطورةً، لأنّ المناعة الداخلية قد ضعفت أصلاً.
وفي الحالة الفلسطينية، إذا استُخدم هذا المجاز، فإنّ جوهر المسألة لا يكمن في وجود الخلاف بحدّ ذاته؛ فليس ثمّة جماعة بشرية أو كيان سياسي يخلو من التباينات والتنافس والتجاذبات. الخلاف، في حدوده الطبيعية، علامة حياة لا علامة موت، ودليل تعدّد لا دليل تفكّك. غير أنّ الخطر يبدأ حين يتجاوز الخلاف أن يكون ظاهرةً من ظواهر المجتمع ليغدو منظومةً قائمةً بذاتها، وحين ينتقل من وسيلة لاختبار الأفكار إلى أن يصبح إطاراً دائماً لإدارة الوجود الوطني. عندئذٍ، لا يعود الانقسام حالةً طارئةً تعبر بالجماعة، بل تصبح الجماعة نفسها أسيرةً له، تدور في فلكه، وتعيد إنتاجه في خطاها ومؤسّساتها ووعيها الجمعي.
في تلك اللحظة، يتحوّل الخلاف إلى المستهلك الأكبر للطاقة الوطنية. فالموارد التي كان ينبغي أن تُستثمر في البناء تُستنزف في إدارة الشقاق، والجهود التي كان ينبغي أن تتّجه إلى المستقبل تنصرف إلى صراعات الحاضر وتأويلات الماضي، والرموز التي كان ينبغي أن تكون جسوراً للوحدة تتحوّل إلى متاريس للتمايز والافتراق. يصبح الجسد الوطني كائناً أنهكه الجوع حتّى بدأ يحرق احتياطاته الحيوية ليظلّ واقفاً يوماً إضافياً؛ ينجو من السقوط المباشر، لكنّه يدفع ثمن بقائه من لحمه ودمه وأعصابه. يستمرّ، لكن استمراره يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى شكل آخر من أشكال الاستنزاف. ولذلك ليس أخطر أشكال الاستنزاف ذلك الذي يفرضه الخصوم من الخارج. فالضغط الخارجي، مهما اشتدّ، يظلّ عاملاً مرئياً يمكن تشخيصه وتحديد مصدره ومقاومته. أمّا الاستنزاف الداخلي فأكثر مراوغةً وخفاءً؛ لأنّه يتسلّل إلى الوعي ذاته ويعيد تشكيله. إنّه لا يكتفي بإضعاف الجسد، بل يغيّر الطريقة التي ينظر بها الجسد إلى نفسه. وفي هذه اللحظة الدقيقة يبدأ التحوّل الأخطر: لا تعود الجماعة تعرّف نفسها بما تطمح إليه، بل بما تختلف عليه؛ ولا بما يجمعها، بل بما يفصل بينها.
وحين يصبح الآخر الداخلي أكثر حضوراً في الوعي من التحدّي الخارجي، تكون علامات التآكل قد بلغت مرحلةً متقدّمة. فكل جماعة تحتاج إلى صورة مشتركة عن نفسها كي تستمرّ، وتحتاج إلى قصّة جامعة تمنح أفرادها معنى الانتماء ومبرّر التضحية. لكن حين تتشظّى تلك القصّة إلى روايات متنازعة، يبدأ النسيج المعنوي بالتفكّك من الداخل. لا يحدث هذا دفعةً واحدةً، بل ببطء لا يكاد يُرى. وعندها لا يعود السؤال المركزي “كيف ننتصر؟”، بل يصبح “من نكون؟”. ولا يعود الهمّ الأوّل مواجهة الأخطار الخارجية، بل ترميم التصدّعات الآخذة في التوسّع بالداخل. فالنصر ليس فعلاً عسكرياً أو سياسياً فحسب، بل هو قبل ذلك حالة من الانسجام الداخلي بين أجزاء الجسد الواحد. وأيّ جسد فقد القدرة على أن يفكّر بوصفه واحداً، ويشعر بوصفه واحداً، ويتحرّك بوصفه واحداً، يصبح عاجزاً عن تحويل قوّته الكامنة إلى فعل تاريخي مؤثّر.
إنّ الأمم، مثل الكائنات الحيّة، لا تعيش بمجرّد اجتماع أفرادها، بل بوحدة المعنى الذي ينتظم ذلك الاجتماع. فالأعضاء المتجاورة لا تصنع جسداً، كما أنّ الحجارة المتراصّة لا تصنع وطناً. الجسد هو ذلك المبدأ الخفي الذي يجعل القلب يعمل من أجل الدماغ، والدماغ من أجل اليد، واليد من أجل الجسد كلّه. والوطن كذلك ليس مجرّد تراكم فصائل أو مؤسّسات أو جماعات أو قيادات بـ”حجم الوطن”، بل منظومة من الغايات المشتركة التي تجعل الاختلاف جزءاً من الوحدة لا بديلاً منها. فإذا ضعفت الغاية الجامعة، أو تراجعت قدرتها على جذب الطاقات المتفرّقة إلى مركز واحد، بدأت تلك الطاقات تدور حول نفسها بدل أن تتّجه نحو مقصد مشترك. وكما تفقد الكواكب مداراتها إذا انهارت قوّة الجاذبية التي تنظّم حركتها، تفقد الجماعات تماسكها حين تضعف الفكرة الجامعة التي تمنحها توازنها. عندئذ لا تتّجه القوّة إلى الخارج، بل ترتدّ إلى الداخل؛ ولا تتحوّل الاختلافات إلى مصدر غنى، بل إلى بؤر احتكاك واستهلاك دائم.

في الحالة الفلسطينية الخلاف هو المستهلك الأكبر للطاقة الوطنية

ومن هنا، أخطر أنواع النزيف الوطني ليس ذلك النزيف المرئي، بل الصامت، ليس النزيف الذي يحدث في الحدود، بل النزيف الذي يحدث في الأعماق، ويتسرّب من خزان الثقة، ومن رصيد التضامن، ومن شعور الناس بأنّهم ينتمون إلى مصير مشترك. فهو نزيف لا يترك دائماً آثاراً واضحةً في الجسد، لكنّه يضعف مناعته وقدرته على التعافي. وقد تموت الأجساد من جروح صغيرة تُركت طويلاً بلا علاج أكثر ممّا تموت من الضربات الكُبرى.
ولعلّ عزاء الجسد الذي أرهقه استنزاف الذات أنّ الجراح الآتية من الداخل ليست مستعصيةً على الشفاء؛ فما دام القلب يعرف الطريق إلى بقية الأعضاء، سيجد الدم طريقه من جديد. وما يبدو اليوم نزيفاً مزمناً قد يصبح غداً بداية التئام، حين يتذكّر الجسد أنّ مصيره لا يكمن في أجزائه المتنازعة، بل في وحدته التي من أجلها وُجد، وبها وحدها ينهض. فحتّى أطول الليالي لا تستطيع إقناع الفجر بأنّه لن يأتي. وكذلك الأوطان؛ قد يطول فيها التيه، وقد تُتعبها جراحها أكثر ممّا يُتعبها خصومها، لكنّها تظلّ قابلة للنهوض ما دام في ذاكرتها أثرٌ من المعنى، وفي وجدانها بقيّةُ حلم. فالجسد الذي يعرف كيف ينزف يستطيع أيضاً أن يتعلّم كيف يلتئم كي لا يبقى عدوَّ نفسه.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى