سليمان منصور والعتّال والقذافي

معن البياري

ليس دقيقاً ما كتبتْه رنا عناني في مقدّمتها كتاب “على درب الغول… سيرة غيريّة: مذكّرات سليمان منصور” (مؤسّسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 2026)، أنّ الفنان الكبير، الراحل الاثنين الماضي، لم يكن يحبّ لوحته الأشهر “جبل المحامل”. إنما كان يتبرّم من طُغيانها على تجربته ورسوماته ومسيرته. يُبلغ رنا أنها غطّت، فترة طويلة، على أعماله الأخرى، وأخذت من هذه الأعمال الأهمية التي تستحقّ. ومع هذا، لا يُنكر أن تحوّلها إلى ملصق، وانتشارها بين الناس، ساهما في التعريف به فناناً ناشئاً حينها (1973)، وكثيرون عرفوا الملصق، وأقلّ عرفوا مَن رسمَه. وطريفٌ ما يسرُد، أنّه عندما خطب زوجته في 1976، ذهب إلى منزلها، وفوجئ بملصق اللوحة معلّقاً في غرفة الضيوف، فتشجّع أكثر على إتمام الخطبة. وفي جلسته مع والدها، سأله وهو ينظُر إلى الملصق بكل فخر: هل تعرف مَن رسم هذه اللوحة؟ فأجاب: لا. فقال مبتسماً: أنا…، فردّ وفي ذهنه مصلحة ابنته ومستقبلها: “سيبك من هالشغلة يا ابني، وافتح دكّان أحسن لك”.

وفي كتابه الذي يتقصّى سيرة اللوحة ومتاهتها عقوداً، وسيرة صاحبها، “البحث عن جمل المحامل” (الأهلية للنشر والتوزيع، عمّان، 2020)، ينقل التشكيلي الفلسطيني، خالد حوراني، عن منصور قوله إنه رسم لوحاتٍ أفضل من “جمل المحامل” التي بقيت تُطاردُه كظلّه، وقد تمنّى، مرّاتٍ، لو أنه لم يرسمها، بالرغم من فضلها الكبير عليه، فهي ليست من أفضل لوحاته، مع أنها اعتُبرت الأهم، من دون أن يتمكّن من تغيير هذا الانطباع، أو إزالته من ذاكرة الناس ووجدانهم، ولا من مدوّنة تاريخه الفني. يقول “أصبحتُ أنا سليمان أغارُ من هذه اللوحة، وهي التي تعرّف بي، وتفتح لي الأبواب المغلقة. … إنها اللوحة التي أتبع أنا لها، وهي لا تتبعُني، تطغى على أعمالي الأخرى التي أحبّها أيضاً وأشعر أنها ظُلمت. والحقّ أقول لكم، لقد أصبح للوحة قصّتها وعالمها الخاصّ الخارج عن إرادتي”.

لكتاب خالد حوراني الذي يسمّيه، غير محقٍّ، رواية، قيمته التوثيقية، وهو إلى انشغالِه بلوحة سليمان منصور، يضيء على مقاطع من مسار الحركة التشكيلية الفلسطينية. وثمّة نقاط التقاءٍ بين محكيّاتٍ فيه وفي الكتاب الذي أنجزته رنا عناني، منها أن أعمالاً ليست قليلةً من المنجز التشكيلي الفلسطيني ضاعت، فُقدت، تاهت، سُرقت، ضُحك على أصحابها، نُصب عليهم، لم يُعتَنَ أبداً بحمايتها من الإهمال والتناسي وقلة الاحترام، ولك أن تقول إنّ فنانين تسامحوا مع هذا، أو لم يكترثوا، أو اكتفوا بشيءٍ من الغضب.

لوحة سليمان منصور التي أكملها في عامه الـ26، ثم سمّاها إميل حبيبي “جمل المحامل”، شاهدٌ على صحّة الزعم أعلاه، فالرجل بعد عرضها في جمعية الشبّان المسيحية في القدس ومكتبة رام الله، تلقّى عرضاً من مالكي مطبعة صلاح الدين في القدس، وهم من عائلة نصرالله، بأن يطبعوها في ملصق (بوستر)، ثم فعلوا، وكان الاتفاق أن يحصل على نسبةٍ (قليلة) من عائد المطبوعات بعد توزيعها، إلّا أنه لم يتسلّم ملّيماً، ثم بدأت شهرة اللوحة، وقد روّجها أصحاب المطبعة باحتراف. وطالبهم صاحبها باللوحة الأصلية، فماطلوا، ثم اشتكاهم للشرطة. ثم يئس، وهو يرى لوحته بطاقاتٍ بريديةً أعدّتها مطابع أخرى. ثم أعطاه آل نصرالله ثلاثة شيكات، أمكن له صرف الأول فقط.

الأعجب من هذا أنّ آل نصرالله يظهرون بعد نحو 50 عاماً عندما اعترضوا على اعتبار لوحة ثالثة (معدّلة) من “جمل المحامل” اصلاً، وقد أنجزها منصور لمزاد كريستي في دبي (بدافعٍ مالي كما قال)، إذ كان موعوداً بمليون دولار ثمناً لها، غير أن ناس المزاد تجاوبوا مع أولئك، وفحصوا النسخة الأولى (إذن، ليست مجهولة المصير كما يُشاع!)، فنقص المبلغ، واشترى اللوحة ثريٌّ فلسطينيٌّ بربع مليون. وكانت نسخة ثانية من اللوحة قد رسمها منصور، وعُرضت في عمّان ثم في لندن في 1976، وهناك اشتراها السفير الليبي، ليهديها إلى معمّر القذافي، ثم تاهت أو ضاعت أو تدمّرت في عدوان أميركي على مقر القذّافي في 1985.

يفيدنا خالد حوراني بتفاصيل هذا كلّه، ويُخبرنا بأنّ عتّالاً فلسطينيّاً كان يراه سليمان منصور في القدس العتيقة، استوحى منه اللوحة، اسمُه محمد جمعة، كان يضع على كتفه سلّة كبيرةً من القشّ والقماش فيما يشبه الصرّة، مربوطة بحبالٍ، وفي داخلها أغراض. ضاع ذلك العتّال في متاهات الاستنزاف التجاري، وفي ضربة أميركية بعيدة، لكنّه أحرز حضوراً بالغ الكثافة الرمزية في لوحةٍ تبرّم منها صاحبُها الذي رسم زيتون فلسطين وشبابها وشيوخها ونساءها… وأنفاسها، رحمه الله.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى