بين الشعب ومجلس الشعب

معقل زهور عدي

يتمنى الكثيرون لأعضاء مجلس الشعب التوفيق والنجاح في مهمتهم الصعبة، وأنا منهم، لكن ذلك مجرد تمنيات بينما الواقع أن ثمة تحديات ليست هينة تواجه ذلك المجلس منذ البداية .

بالنسبة لي كمواطن عادي لم أكن سعيدا قط في تسميته بمجلس الشعب , هذه التسمية ذات الحمولة الكثيفة من الفشل والفراغ والتزييف التي خلفتها مرحلة النظام البائد , لقد حمل هذا المجلس تحديا إضافيا منذ تشكيله حين سمي بمجلس الشعب وهو كيف يزيل كل تلك الذاكرة السيئة المقترنة بمجلس شعب النظام البائد, مجلس المصفقين , المرتزقة , النائمين الذين لايستيقظون سوى ليرفعوا أكفهم حتى قبل أن يفهموا ما هو مطلوب منهم .

لاينطبق ماسبق على أعضاء مجلس الشعب الجديد فهم عموما شخصيات محترمة ذات مصداقية وسجل نظيف وكفاءات وتخصصات عالية , وهذا على العموم ووفق ما نشر عنهم .

لكن العطب في المجلس القديم لم يكن فقط في نوعية أعضائه ولكن في علاقتهم بالسلطة بالضبط .

فبخلاف المفهوم الذي يفهمه العالم كله الآن عن مجالس الشعب المنتخبة والتي تحمل معنى التمثيل الدستوري والشرعي للشعب لم يكن هناك في سورية في عهد الأسدين مايمكن اعتباره انتخابات حرة قط , كما أن غاية من يرشح نفسه كانت في عموم الحالات المنفعة وتحسين مكانته الاجتماعية والظهور بمظهر من يملك سلطة أو طريقا للسلطة .

فضلا عن ذلك فلم يعامل مجلس الشعب سوى كأحد مؤسسات السلطة وليس كأهم مؤسسات الدولة الحديثة .

وثمة فرق كبير بين مؤسسات السلطة ومؤسسات الدولة .

فالدولة المدنية الحديثة تقوم على مؤسسات ثلاث مستقلة : السلطة التشريعية ( المجلس النيابي الذي يمثل الشعب ) والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية .

وحين تختلط السلطات الثلاث مع بعضها أو تبتلع واحدة البقية لاتعود هناك دولة حقيقية بل شبه دولة .

شبه دولة قد تكون مشروع دولة في طريق التكون , لكن حين تتوقف عند كونها مشروع دولة وتبني هياكلها النهائية وفق ذلك تصبح شبه دولة لاتحمل مشروع دولة .

استقلال السلطة التشريعية عن السلطة التنفيذية لايعني عدم التعاون معها فالهدف في النهاية ينبغي أن يكون واحدا وهو مصلحة البلاد , لكنه يعني أن يمتلك المجلس حرية القرار , ويمتلك صلاحية مراقبة السلطة التنفيذية ومحاسبتها .

وحين نتحدث عن حرية القرار وصلاحية مراقبة السلطة التنفيذية ومحاسبتها فنحن نتحدث عن شرط لابد من وجوده ليتمكن المجلس من أن يكون قريبا من الشعب متفاعلا معه , يحمل همومه ومطالبه وينقلها للسلطة التنفيذية , وبالنظر لامتلاكه هوية مستقلة ومكانة ضمن الدولة وصلاحية لمراقبة السلطة التنفيذية يصبح مؤهلا لهذه المهمة الجوهرية في عمله , أما حين لايمتلك تلك الصفات والصلاحيات فكيف يستطيع حمل هموم المواطن والوطن ومطالبة السلطة التنفيذية بتلبيتها ؟ وقديما قيل ” غريق لاينقذ غريقا “

أخيرا , أرجو أن لاتصبح مسألة ” المرحلة الانتقالية ” مشجبا نعلق عليه أخطاءنا , ونبرر عجزنا , وافتقاد رؤيتنا للمستقبل , وعملنا للسير نحو الدولة الوطنية الديمقراطية , فمن يفتقد رؤية الهدف , ومن لا يسير نحوه مهما كانت خطواته بطيئة لا يمكن أن يصل إليه قط .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى