التكاتف الوطني مدخل السوريين لإعادة بناء الدولة

راغب العطيه

أكد السيد الرئيس أحمد الشرع أن تكاتف السوريين في المرحلة القادمة يمثل الأساس لإعادة بناء البلاد، في ظل مرحلة تحتاج إلى عمل مشترك لمعالجة آثار الحرب والاستبداد، مشيراً إلى ضرورة الصبر على بعضنا بعضاً، وتحمل الظروف الراهنة، في واقع لا يكون دائماً مثالياً، رغم ارتفاع مستوى الطموحات الوطنية بعد التحرير.

وأوضح الرئيس الشرع، خلال استقباله وفداً من وجهاء وأعيان ريف دمشق في قصر الشعب بدمشق، الخميس 12 حزيران، أن ريف دمشق دفع فاتورة كبيرة في سبيل الوصول إلى هذه اللحظة، ومع تحقيق النصر على الظلم انتقلت البلاد إلى مرحلة جديدة، تستدعي استحضار حالة التكاتف ذاتها التي رافقت السوريين خلال الثورة. ولفت إلى أن مرحلة الثورة شهدت توافقاً واسعاً، رغم الاختلاف في بعض القضايا، لأن الهدف المشترك كان إسقاط النظام وتغيير منظومة الحكم.

وقال الرئيس الشرع إن ما تحقق من تكاتف في مرحلة إسقاط النظام يجب أن يستمر اليوم، لأن المهمة لم تنته بعد، وما زال أمام البلاد شوط طويل لإعادة بنائها وإعادتها إلى مكانتها التاريخية والحضارية. ومنذ بداية الثورة، مضى السوريون متكاتفين في حياتهم وثورتهم، رغم القتل والحصار والتجويع، مؤكدين أن عنف النظام وما روّج له من انقسام طائفي لم يستطيعا النيل من شعورهم بالوحدة الوطنية وروح التعاضد بينهم.

ويشكل التعاون بين السوريين ومؤسسات الدولة، بحسب مراقبين، الركيزة الأساسية للتعافي، إذ تساهم المشاركة الاجتماعية في رصد الأولويات الشعبية، وتسريع إعادة إعمار البنية التحتية، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وتحسين الاستجابة للأزمات الاقتصادية والخدمية. وفي هذا السياق، جاءت “الفزعات” السورية تعبيراً عن تكاتف شعبي متأصل في الثقافة المجتمعية، يتجاوز المفهوم القبلي إلى حالة وطنية عابرة للجغرافيا والحدود الإدارية.

وقد تجلت هذه الفزعات بوضوح خلال الأزمات والكوارث، وأثبتت فعاليتها في اللحظات الإنسانية الفارقة، من خلال حملات تسيير قوافل المساعدات الضخمة للمتضررين من الزلزال في الشمال، ومبادرات جمع وتوزيع الحصص الإغاثية استجابة لفيضانات نهر الفرات في دير الزور. وهي نماذج أظهرت قدرة المجتمع السوري على المبادرة، وتقديم العون، وتنظيم الاستجابة الشعبية، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى تحويل هذه الطاقة المجتمعية إلى شراكة أوسع في البناء.

وتختلف المشاركة المجتمعية، وفق دراسات سياسية، عن المشاركة السياسية والمدنية، وإن كانت تتقاطع معهما في بعض المساحات. فالمشاركة السياسية تركز على الانتخابات والأحزاب والتعبير عن الرأي والمناصرة، والمشاركة المدنية تشمل التطوع وتحسين الخدمات العامة والانخراط في المبادرات، أما المشاركة المجتمعية فتتصل بمشاركة المواطنين في التخطيط والإدارة الحكومية ورسم السياسات المرتبطة بحياتهم اليومية ورفاههم.

وفي دراسة نشرها مركز الحوار السوري، في 30 أيار 2025، بعنوان “ما هو شكل المشاركة المجتمعية الذي يريده السوريون؟”، طرحت الدراسة أسئلة محورية حول نمط المشاركة المطلوبة في الحالة السورية، وهل تقتصر على الحضور واللقاءات والصور مع صناع القرار، أم تعني امتلاك المواطنين قدرة حقيقية على التأثير. واستندت الدراسة إلى “سلم المشاركة المجتمعية” للباحثة الأميركية شيري أرنشتاين، الصادر عام 1969، والذي أصبح مرجعاً عالمياً في تحليل درجات مشاركة المواطنين في البرامج العامة.

وتشير الدراسة إلى أن المجتمع السوري في عهد النظام المخلوع كان مكتوم الصوت، مفرغ الفاعلية، لا دور له ولا تأثير إلا في إطار ضيق مرتبط بالحزبية والولاء. ولم يكن هناك وعي عام بقدرة المجتمع على التأثير في القرارات التي تمس حياته. ومع انطلاق الثورة عام 2011، وما تلاها من انتصارات وخيبات واحتياجات، استعاد المجتمع السوري جزءاً كبيراً من حيويته، ولا سيما في مناطق المعارضة والشتات.

وتؤكد الدراسة أن السوريين قفزوا بعد التحرير بخطوات متسارعة من حالة انعدام المشاركة إلى درجات أولى من المشاركة الرمزية وغير المكتملة، بما يعكس وجود انفتاح حكومي على سياسات أكثر استجابة للمواطنين، ورغبة اجتماعية متزايدة في أداء دور فاعل ومؤثر في مجالات عدة، ولا سيما رسم السياسات الداخلية التي تساعد على النهوض بالبلاد والانطلاق في عملية تنمية سريعة.

وفي هذا السياق، أكد وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، خلال لقائه أبناء الجالية السورية في مدينة غازي عنتاب التركية، السبت الماضي، أن سوريا دخلت مرحلة جديدة عنوانها البناء واستعادة دور الدولة، بعد سنوات طويلة من المعاناة والتضحيات. وقال إن ما تعيشه البلاد اليوم يمثل ثمرة تضحيات السوريين خلال السنوات الماضية، مشيراً إلى أن سوريا استعادت لأبنائها الأمل والكرامة والحرية التي نادوا بها منذ انطلاق الثورة.

وأشار الشيباني إلى أن سنوات اللجوء والحصار والتهجير صنعت واقعاً قاسياً، وأن إرادة السوريين أسهمت في تجاوز تلك المرحلة والوصول إلى واقع مختلف. كما أكد أن الشعب السوري أثبت قدرته على النجاح في الدول التي استضافته، وأن تجربة اللجوء تحولت إلى رصيد وطني ودبلوماسي مهم، عزز صورة السوريين كشعب منتج ومتمسك بهويته وثقافته رغم سنوات النزوح والاغتراب.

وشدد وزير الخارجية على أن الدولة السورية الجديدة تسعى إلى بناء مؤسسات حديثة قادرة على حماية كرامة السوريين داخل البلاد وخارجها، وتأمين الخدمات الأساسية بكفاءة وشفافية أكبر، داعياً أبناء الجاليات السورية إلى مواصلة الإسهام في عملية البناء. وهنا تبرز أهمية تحويل خبرات السوريين في الداخل والشتات إلى قوة وطنية منظمة، تدعم التعافي وتعيد وصل المجتمع بالدولة.

وفي هذا الإطار، قال المحلل السياسي أحمد مظهر سعدو، في تصريح لـ”الثورة السورية”، إن التعاون والتعاضد والالتفاف بين الدولة والشعب في سوريا ضرورة بالغة، وهو الأساس الذي ستبنى عليه “العمارة المجتمعية”، كما أنه القاعدة التي تتكئ عليها آليات العمل الحكومي. وأكد أن الحكومة السورية لا تستطيع شد أواصر العمل الجدي لإعمار البلاد وبنائها من دون تعاضد النسق الاجتماعي السوري برمته.

وأضاف سعدو أن المطلوب اليوم، في هذه المرحلة المفصلية من حياة السوريين، هو المشاركة العملية والفاعلة في مختلف منعرجات الواقع السوري، بما يشد عرى الوحدة الوطنية بين مكونات المجتمع، من أجل بناء الدولة الوطنية السورية التي تحتضن أبناءها دون تمييز. وقال إن بناء دولة مهدمة على يد “الفاشيست الأسدي” ليس أمراً سهلاً، بل يحتاج إلى مزيد من الوعي والإدراك والعمل.

وحول أهمية استحضار الزخم الثوري الذي كان سائداً قبل سقوط النظام المخلوع، عد سعدو هذا الزخم ضرورة وطنية سورية، يمكن البناء عليها للتأسيس لمرحلة جديدة لا تقل ثقلاً عن المرحلة السابقة. وأوضح أن استحضار الزخم الثوري مطلوب من أجل سوريا الواحدة الموحدة، في ظل ظروف داخلية وخارجية شديدة الصعوبة، تتداخل فيها تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية.

وترى مراكز بحثية أن بناء الثقة بين الشعب والسلطة الجديدة بكل مؤسساتها يعد ركيزة أساسية لإعادة الإعمار الاجتماعي والسياسي بعد سقوط النظام المخلوع، الذي شكلت سياساته، بما حملته من قمع وفساد واستبداد، حاجزاً عميقاً بين المواطن والسلطة. وقد انعكس ذلك على فهم المواطنين لدور الدولة، وعلى قدرتهم على الوثوق بها كجهة حامية للحقوق وضامنة للمصالح.

وتؤكد هذه المراكز أن السلطة الجديدة يجب أن تقود هذا التغيير من خلال فتح أبوابها للجميع، وعدم حصر لقاءاتها ومبادراتها بالنخب الاقتصادية والسياسية. فالتواصل مع المواطنين من مختلف الفئات، والاعتراف بالأخطاء وتصحيحها، يمثلان شرطاً أساسياً لإعادة بناء الثقة. أما الاكتفاء بالتعامل مع النخب وحدها فيعطي مؤشرات سلبية، وقد يعيد إنتاج الفجوات التي أوجدها النظام المخلوع بين الشعب والدولة.

ومن أجل تقليص هذه المسافة، ينبغي العمل على تغيير المفاهيم السائدة عن الدولة ودورها، وهو جهد يتطلب مساهمة النخب الفكرية والدعوية والثقافية، عبر تسليط الضوء على أهمية الدولة كعامل رئيسي في بناء المجتمع وضمان استقراره. كما يبرز دور المثقفين السوريين في فتح قنوات تواصل فعلية مع الجمهور بمختلف مكوناته، والاستماع إلى رؤاه، والمساهمة في تقديم حلول واقعية لمشكلاته.

وتقع على الإعلام الرسمي في الدولة الجديدة مسؤولية خاصة في تعزيز الثقة، عبر الابتعاد عن أساليب التملق والترويج الدعائي، وتسليط الضوء على المشكلات والسلبيات كما يسلط الضوء على الإنجازات. فالرسالة الأساسية التي يحتاجها السوريون اليوم هي أن الدولة لا تسعى إلى السيطرة، بل إلى خدمة المواطن وبناء الإنسان وتحقيق العدالة والمساواة بين أفراد المجتمع.

وكان المركز الديمقراطي العربي، ومقره برلين، أكد في دراسة نشرها في شباط 2025 أن إعادة بناء الدولة السورية ليست شأناً محلياً أو إقليمياً فقط، بل قضية إنسانية وسياسية وحضارية، لأن التحديات لا تتعلق بإعادة إعمار البنية التحتية وحدها، بل تمتد إلى صياغة عقد اجتماعي جديد يضمن العدالة والمساواة، ويضع أسس دولة مدنية قائمة على سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.

وتتمحور طموحات السوريين اليوم حول بناء دولة ديمقراطية، وإنعاش الاقتصاد، وإرساء العدالة الانتقالية، ومعالجة سوء الخدمات وملف عودة النازحين، بعد أكثر من خمسة عقود من الحكم السلطوي. ورغم أن الحرب وضعت أوزارها، لا تزال معاناة النازحين مستمرة، في ظل دمار واسع طال منازلهم وقراهم وبلداتهم، ما يجعل التكاتف الوطني شرطاً عملياً لا شعاراً، ومدخلاً ضرورياً لاستعادة الحياة وبناء الدولة من جديد.

المصدر: الثورة السورية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى