سفارات الخارج.. لخدمة السوريين بدلاً من تعقبهم وملاحقتهم

عبد الرحيم خليفة

حظي تدخل السفارة السورية في العاصمة الرومانية، بوخارست، لدى السلطات المختصة لمنع ترحيل مواطنة سورية وابنها، بعد احتجازهما لعدم تمكنهما من تجديد إقامتهما، بردود فعل إيجابية واسعة عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، كما حظي طاقم السفارة الجديد بإشادة واسعة على خطوة لم يعتدها السوريون في ظل النظام البائد.

وبعيداً عن الاحتفاء الإعلامي المستحق، سلطت هذه الحادثة الضوء على طبيعة العلاقة التي يفترض أن تجمع المواطن بالدولة في سورية الجديدة، علاقة تقوم على الحقوق والواجبات، والمسؤولية المشتركة، وسيادة القانون، وتكريس العدالة، بما يحقق المصلحة العامة للدولة والمجتمع معاً.

كما أعادت فتح نقاش ظل مغلقاً لعقود حول الدور الحقيقي للسفارات السورية في الخارج، فوظيفة البعثات الدبلوماسية لا تقتصر على إدارة العلاقات السياسية مع الدول المضيفة، بل تمتد إلى حماية المواطنين والدفاع عن مصالحهم، وتمثيلهم بوصفهم جزءاً من الدولة، لا مجرد رعايا يخضعون لسلطتها.

ومن هذا المنطلق، تتشكل علاقة جديدة بين الدولة السورية والمهاجرين والمغتربين، أساسها الثقة والشراكة. فالجاليات السورية تمتلك خبرات علمية ومهنية، وإمكانات اقتصادية، وعلاقات دولية يمكن أن تسهم في إعادة بناء البلاد، ضمن رؤية حديثة تقوم على عقد اجتماعي جديد ومفهوم معاصر للمواطنة.

ولا تنبع أهمية هذه العلاقة من الحاجة إلى إعادة إعمار دولة أنهكها الاستبداد، ودمر مؤسساتها، ونهب ثرواتها، وأفقر شعبها فحسب، ولا من كون نحو عشرة ملايين سوري ما زالوا يعيشون خارج وطنهم، بل لأنها تؤسس لمفهوم جديد يعتبر السوريين، في الداخل والخارج، شركاء متساوين في صناعة المستقبل، على أساس المواطنة وسيادة القانون، باستثناء من تلطخت أيديهم بالدماء، أو ارتكبوا الجرائم، أو ما زالوا يمجدون النظام الأسدي، ومن هنا يمكن فهم موجبات تشكيل المجالس الاقتصادية السورية مع العديد من دول العالم.

وما جرى في بوخارست يمثل، وفق المعايير المتعارف عليها في الدول الديمقراطية، سلوكاً طبيعياً وواجباً أخلاقياً ووطنياً، لكنه بالنسبة إلى السوريين يحمل دلالة استثنائية، لأنه يختلف جذرياً عما عرفوه لعقود. وتكتسب هذه الواقعة أهمية إضافية إذا ما تذكرنا أن رومانيا كانت من الدول الأوروبية التي أبقت السفارة السورية مفتوحة، خلافاً لمعظم دول الاتحاد الأوروبي، وأن سفارات النظام السابق لم تكن، في نظر غالبية السوريين، مؤسسات لخدمتهم، بل تحولت إلى أدوات لمراقبتهم وملاحقتهم، وخدمة أجهزته الأمنية، بمساعدة شبكة من الموالين للنظام، وهو ما أفسد على السوريين حيواتهم وأضر في مصالحهم.

ويبدو أن الإدارة السورية الجديدة أدركت مبكراً أهمية الجاليات السورية في الخارج، سواء لما قامت به سابقاً من دور في فضح ممارسات النظام وعزله، أو لما تؤديه اليوم من دور في دعم التعافي وإعادة الإعمار، والمساهمة في استعادة مكانة سورية، والعمل على إزالة العقوبات والمعوقات التي تعترض مسيرة التعافي، وإعادة النهوض والبناء. ومن أبرز الشواهد على ذلك اللقاءات التي عقدها الرئيس أحمد الشرع مع أبناء الجاليات السورية خلال زياراته الخارجية، والتي سبق بعضها لقاءاته مع مسؤولي الدول المضيفة، كما حدث في ألمانيا مثلاً، وكذلك النهج الذي يتبعه وزير الخارجية أسعد الشيباني في التواصل مع السوريين في الخارج.

وكان القائم بأعمال السفارة السورية في بوخارست، أنس بدوي، قد أكد في تصريح لوكالة الأنباء العربية السورية (سانا)، أن متابعة هذه القضية شكّلت “أولوية قصوى”، وأن التحرك جاء بوحي من توجيهات وزارة الخارجية ووزير الخارجية شخصياً.

وفي حديث خاص لكاتب هذه السطور، مع القنصل السوري في بوخارست، فاضل الرفاعي، الذي تابع القضية قال: “إن تبدل السلوك والخطاب الرسميين السوريين يعكس ما شهدته سورية في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، وإن الأولوية في سورية الجديدة هي لبناء الإنسان واحترام القيم الإنسانية العليا”.

إن ملامح دولة مختلفة بدأت تتشكل، دولة تنظر إلى مواطنيها بوصفهم شركاء في الحقوق والمسؤوليات، وتحترم كرامة الإنسان، وتصون حقوقه، وتؤمن بأن قوة الدولة لا تُقاس بسلطتها على مواطنيها، بل بقدرتها على خدمتهم أينما كانوا، وجعلهم شركاء حقيقيين في بناء مستقبل وطنهم.

المصدر: صحيفة الثورة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى