صولة الزيدي في العراق

  أحمد سعداوي

تبدو حملة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ضدّ الفساد أكبر من مجرّد لعبة أو ضحك على الذقون، ولكنّها أقلّ من حملة جذرية. ففي الحالة الأولى، تشعر الأحزاب الشيعية الكُبرى بالقلق من احتمال أن يفلت الزيدي من قبضتها، وأن يستجيب لضغوط أميركية بدل المناورة حولها كما تريد، وأن يجرّب حظّه في إطاحة أسماء ثقيلة الوزن داخل التحالف الشيعي الحاكم. يُضاف إلى هذا أنّ الشخصيات التي اعتقلها، على الرغم من أنّها ليست قيادية، إلا أنّ بعضها يمثّل خزّان أسرار للزعماء، وحلقات مفصلية في شبكة الفساد التي تنتهي، من دون شكّ، إن سار الزيدي معها بجدّية، إلى عتبات قصور الزعماء في المنطقة الخضراء.
وفي الحالة الثانية، أي من حيث أنّها حملة غير جذرية، يمكن تلمّس ذلك من الإيقاع المتباطئ للحملة التي بدأت بآمال واسعة وعريضة، واسم رمزي موحٍ: “صولة الفجر”، ما يعطي انطباعاً بأنّها ضربة شاملة وحاسمة تطاول الجميع، وفي ليلة واحدة، وهذا ما لم يحصل بعد. كما أنّ الأيام القليلة الماضية لم تشهد إطاحة أسماء بارزة.
وعلى الرغم من تشكيك النُّخب في جدّية الحملة، إلّا أنّ هذا لم يمنع تردّد صداها في الأوساط الشعبية، وتوجّه بعض القطاعات إلى تنظيم تظاهرات داعمة للزيدي في حملته، وهو أمر أثلج صدره. غير أنّ هؤلاء الفرحين والمُهلّلين يمكن أن ينقلبوا ضدّ رئيس الوزراء غداً، إن شعروا بأنّ الحملة انتهت فجأةً من دون إطاحة رؤوس كبيرة.
في جانب من هذا المشهد، هناك من لا يرى أيّ مكسب واقعي في تعليق نجاح حملة مكافحة الفساد على إطاحة زعماء، وهم فاسدون ولا ريب. فقد يقود هذا المسعى، في حال قرّر رئيس الوزراء المضي فيه فعلاً، إلى إحداث فوضى ومواجهات. في حين أنّ الأكثر واقعية واستدامة أن يعيد الزيدي هيكلة المؤسّسات فلا تعود قادرةً على إنتاج فاسدين، ولا تسهّل عملية الفساد. وحتّى الساعة، لا يبدو هذا المسعى واضحاً.
خطا الزيدي خطواتٍ لافتةً، منها تشكيل المجلس الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد الأموال العامة، ويضمّ رئاسة ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة، وتُحال نتائج عمله إلى القضاء. لكن هناك من اعترض على هذا الإجراء، لأنّ كلّاً من ديوان الرقابة وهيئة النزاهة جهتان مستقلّتان مرتبطتان بالبرلمان، لا برئيس الوزراء. كما أصدر الزيدي قراراً بتشكيل لجنة مركزية لمراجعة العقود الكبيرة التي تتجاوز قيمتها 25 مليار دينار عراقي. وإذا فعّلت هذه اللجنة حقيقةً، فإنّها ربّما تفرمل عمليات فساد واسعة النطاق.
كذلك، صرّح الزيدي بأنّه أحال مشروع قانون إلى البرلمان لتشريعه، يهدف إلى تشكيل هيئة رقابة وتدقيق على العقود قبل إبرامها. أمّا آخر هذه الإجراءات فهو القيام بالمناقلة وتغيير الموظّفين في دوائر حسّاسة ومشهورة بالفساد، مثل الجمارك والمنافذ الحدودية، وفي مؤسّسات اقتصادية مثل البنك المركزي وهيئة الاستثمار، وكذلك في وزارة الأمن الوطني.
سيحمل الزيدي هذه الملفّات كلّها إلى لقائه مع ترامب، وربّما ينتظر منه ابتسامة رضا وطبطبة على الكتف، ويأمل ألّا يطالبه بأشياء أكثر جدّية، خصوصاً أنّه يحاول بصعوبة فرملة عاصفة تشييع المرشد الإيراني، فمنع دخولها إلى بغداد مثلاً، ومنع، بحسب تقارير متداولة، حضور قائد فيلق القدس، الجنرال إسماعيل قاآني، إلى مراسم التشييع في كربلاء والنجف، ومنع قادة المليشيات من الذهاب إلى مراسم التشييع في طهران، على أمل ألا تخرّب هذه العاصفة الأجواء في لقائه المرتقب مع الرئيس الأميركي.
هناك من يرى أنّ الزيدي جادٌّ في مسعاه ويريد إحداث تغيير، ولكن ضمن الحدود التي لا تجعله يقطع من اللحم الحيّ للنظام السياسي القائم: فيبقى الزعماء زعماء، ويتحسّن حال البلد. وهذه جملة تبدو متناقضة وصعبة التصديق.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى