
أمام النُّصب التذكاري الوطني لجبل راشمور وقف دونالد ترامب، يوم الجمعة الماضي، عشية الاحتفال بالذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، محذّراً الأميركيين من “الخطر الشيوعي” الذي عاد يهدّد حرّية الأميركيين. وقرب وجوه جورج واشنطن وتوماس جيفرسون وأبراهام لينكولن وثيودور روزفلت، المحفورة في صخور جبل راشمور، يستدعي ترامب عدوّاً قديماً تمهيداً لكتابة صفحة جديدة من التاريخ الأميركي، مع تجدّد مقترحات داخل الأوساط الجمهورية لإضافة وجه ترامب إلى جانب الآباء المؤسّسين الذين يرمز كلٌّ منهم إلى مرحلة مفصلية في بناء البلاد. لعلّ ترامب يدرك ما في كلمة “الشيوعية” من حمولة عاطفية لدى قطاعات واسعة من الأميركيين، وخصوصاً أولئك الذين عاشوا زمن الحرب الباردة أو ورثوا سرديتها، فيستدعي “البعبع الشيوعي” إحياءً للغة الحرب الباردة ولحشد القاعدة المحافظة ورسم حدود المعركة الانتخابية: “نحن” في مواجهة “هم”، المدافعون عن الدولة التقليدية في مواجهة من يريدون تغييرها.
ولّى زمن الحرب الباردة، وانهار الاتحاد السوفييتي منذ أكثر من ثلاثة عقود، وليس للأحزاب الشيوعية التقليدية حضور سياسي يذكر في الولايات المتحدة، والتيارات “الشيوعية”، التي يهاجمها المحافظون بزعامة ترامب، تقدّم نفسها اشتراكية ديمقراطيةً، وليس لديها مشروع لإطاحة النظام الرأسمالي لإقامة نظام الحزب الواحد. جلّ مطالبها تتمثّل في توسيع دَور الدولة في قطاعات الصحّة والتعليم والضرائب، على غرار دولة الرفاه الأوروبية. لكنّ ترامب ومؤيّدوه يغفلون أنّ الانقسام الداخلي أشدّ خطراً من أيّ عدو أيديولوجي يُستدعى من الماضي. ليس أدلّ على ذلك الانقسام من المشهد الذي رافق احتفالات الاستقلال في محيط مبنى الكابيتول. هناك، حيث يُفترض أن تتجسّد وحدة الجمهورية، ظهرت أميركا الأخرى، فحمل رجال ملثّمون علم الكونفدرالية الذي لا يزال يُعد لدى كثيرين رمزاً للعبودية، فيما ارتدى آخرون ملابس بشعارات جماعة “باتريوت فرونت” ذات التوجّه الداعي إلى تفوّق العرق الأبيض وهتفوا: “استعيدوا أميركا”. إنه تعبير عن صراع عميق حول أيّ أميركا ينبغي استعادتها.
وفي هذه الأثناء، مرّ استطلاع رأي أجرته جامعة كوينيبياك (2 يوليو/ تموز) من دون أن يحدث ضجيجاً، بيّن أنّ 61% من الأميركيين يرون أنّ الولايات المتحدة لا تطبق المبادئ المنصوص عليها في إعلان الاستقلال. وبعدما تضمّن “الحلم الأميركي” وعداً بأنّ النظام قادر على منح كلّ فرد فرصة عادلة، وأنّ القانون فوق الجميع، وأنّ الديمقراطية تصحّح أخطاءها، يشي واقع الحال بتراجع ثقة المواطنين في العقد الذي قامت عليه الجمهورية، ما قد يقوّضها من دون حاجة إلى رصاصة واحدة من الخارج. فمنذ أكثر من عقد يتفاقم استقطاب غير مسبوق يجعل الخلاف المركزي يدور حول معنى أميركا نفسها. هناك مَن يعبّر عن قلقه من أن يفقد البلد هُويّته التقليدية، وهناك مَن يرى أنّ الخطر الحقيقي يكمن في صعود الشعبوية، وبينهما تتراجع المساحة المشتركة اللازمة للديمقراطية. أمّا الثروة، فهي اليوم أكثر تركّزاً في أيدي القلّة. تكاليف الرعاية الصحّية والديون الجامعية والهجرة وأزمة السكن، إلى جانب العنف المسلّح والانقسام العرقي وتراجع ثقة المواطنين بالإعلام والقضاء والمؤسّسات التشريعية، كلّها ملفّات تمسّ حياة الأميركيين يومياً، ولا يمكن اختزالها في وعود انتخابية. يحجب “الخطر الشيوعي” المزعوم واقعاً أكثر تعقيداً، فالمعركة اليوم ليست أيديولوجيةً بين الرأسمالية والشيوعية، بل بين نماذج حكم متباينة، وبين مجتمعات تعيد تعريف نفسها في عالم يتغيّر سريعاً. تنافس الصين، بقيادة الحزب الشيوعي، الولايات المتحدة صناعياً وتكنولوجياً، وتنافسها في الذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد وعلى قيادة القرن الحادي والعشرين. ربّما لم يصبح أعداء الولايات المتحدة أقوى ممّا كانوا عليه، إلّا أنّ الداخل الأميركي أضحى أكثر هشاشةً منذ كفّ كثيرٌ من الأميركيين عن الإيمان بالفكرة التأسيسية التي يرمز إليها جبل راشمور، لتنشغل الولايات المتحدة بالصراع على الماضي أكثر من انشغالها بالمستقبل. وفي ظلّ الانقسام على تأويل التاريخ، يبحث ترامب في الجبل عن مكان يخلّده متملّصاً من واجبه بوصفه رئيساً في الحفاظ على أرضية وطنية مشتركة. غياب هذه الأرضية هو الخطر الحقيقي الذي يتعمّد ترامب السكوت عنه.
المصدر: العربي الجديد






