
تقرر عقد قمة حلف الناتو لعام 2026 في أنقرة. ومنذ اتخاذ هذا القرار، كان واضحاً أن تركيا لا تريد أن تكون مجرد مضيف يتولى التحضيرات اللوجستية لانعقاد القمة فحسب، بل أرادت أن تكون رقماً مهماً من خلال المشاركة في إعادة تعريف مفهوم الأمن داخل الحلف، والاستفادة من هذه الاستضافة في تحصيل مزيد من المصالح لتركيا.
سوريا وفلسطين كقضايا جنوبية للناتو
إذا أخذنا قمة رؤساء برلمانات الناتو، التي انعقدت في إسطنبول الأسبوع الماضي، مثالاً، فإن تحليل خطابات المسؤولين الأتراك فيها، وعلى رأسهم الرئيس رجب طيب أردوغان، يشير إلى أن تركيا تهدف إلى تغيير الطريقة التي ينظر بها الحلف إلى الأمن، بحيث يشمل مجالاً أوسع باتجاه الجنوب والشرق، نحو قضايا حقيقية وملحة مثل القضية الفلسطينية وقضايا أخرى، بدلاً من النظر بمنظار أوروبي يختزل الأمن في التهديدات التي تواجه أوروبا الغربية.
في السياق ذاته، أكدت أنقرة باستمرار أن استقرار سوريا ووحدة أراضيها جزء من مفهوم الأمن القومي التركي. وكون تركيا عضواً أساسياً في الناتو، فإنها تطرح الملف السوري كقضية أمن جماعي تخص دول الحلف، وقد ربط أردوغان سابقاً سلامة الأراضي السورية واستقرارها بالمصالح التركية، وذلك في اتصالات مع أمين عام حلف الناتو، ما يشير إلى نية تركيا وضع سوريا ضمن نقاشات الاستقرار الإقليمي أيضاً.
وكما تحدث أردوغان عن خطاب الأمن “من تكساس إلى أنقرة”، فقد تحدث سابقاً بوضوح عن أن أمن تركيا “لا يبدأ من هاتاي فحسب، بل من حلب ودمشق وبيروت”، واصفاً دمشق وبيروت بأنهما “مدينتان شقيقتان لإسطنبول” وجزء من جغرافيا المحبة والأخوة التركية، كما رفض الاعتداءات الإسرائيلية عليهما.
لفترة طويلة، وتقليدياً، كان التهديد المركزي للناتو هو روسيا، وقد أدت حرب أوكرانيا إلى تكريس هذه النظرة. وعلى الرغم من حضور ملفات أخرى مثل الصين والإرهاب والأمن السيبراني، فإن قضايا مهمة مثل غزة وسوريا ولبنان وأمن الطاقة والممرات البحرية والبرية لم تكن حاضرة بما ينبغي.
توقيت حساس وتحولات عالمية
على مستوى التوقيت أيضاً، تأتي القمة في مرحلة شديدة الحساسية، وفي سياق تحولات أمنية غير مسبوقة أثرت في أمن الطاقة العالمي وسلاسل التوريد وأمن الملاحة والاقتصاد العالمي، بل وفي واقع التحالفات الدولية، ولا سيما بعد الحرب على إيران والحرب على غزة والعدوان الإسرائيلي على لبنان، وغيرها من التطورات التي تؤثر في أمن منطقة الشرق الأوسط، باعتبارها قلب العالم.
لفترة طويلة، وتقليدياً، كان التهديد المركزي للناتو هو روسيا، وقد أدت حرب أوكرانيا إلى تكريس هذه النظرة. وعلى الرغم من حضور ملفات أخرى مثل الصين والإرهاب والأمن السيبراني، فإن قضايا مهمة مثل غزة وسوريا ولبنان وأمن الطاقة والممرات البحرية والبرية لم تكن حاضرة بما ينبغي.
وبالعودة إلى خطاب الرئيس أردوغان في قمة رؤساء برلمانات الناتو، فقد تحدث بوضوح عن أن السبب الجذري للتوترات في الشرق الأوسط هو عدم حل القضية الفلسطينية. ولأن الفئة المستهدفة بالخطاب كانت رؤساء برلمانات دول الناتو، فإن الخطاب لا يبدو عاطفياً فحسب، بل يحمل تشخيصاً سياسياً وتحميلاً للمسؤولية، وتوجيهاً لإدراك السبب الحقيقي لاشتعال المنطقة، وأن الحل يكمن في التعامل وفق هذا الإدراك، لا من خلال الرؤى المسبقة التي ساهمت إسرائيل وشبكات المصالح المختلفة في تشكيلها.
ولهذا السبب، يمكن لمثل هذه التصريحات أن تغير، على الأقل، موقع القضية الفلسطينية في الخطاب الأمني الغربي، وأن تنقل النظرة إليها من مجرد ملف إنساني خارج أجندة حلف الناتو إلى عنصر في خارطة التهديدات التي يناقشها الحلف. فاستمرار الإبادة الجماعية والتجويع، واستمرار التهديد بإعادتهما مرة أخرى إلى غزة، واستمرار المعاناة الإنسانية، ليس مجرد معاناة فلسطينية، بل هو عملية تراكمية تؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة التي تمر منها خطوط النقل والطاقة، وتؤدي إلى شحن وتوتر إقليميين يمكن أن ينفجرا في أي لحظة، بما يؤثر في معادلة الأمن العالمي برمتها.
لا تزال هناك تحديات كبرى أمام الدور التركي المنشود، فالدول الكبرى في الناتو لا تزال ترى في الصين وروسيا التهديد الأكبر، كما أن إسرائيل تحاول تكريس روايتها بخصوص أمن منطقة الشرق الأوسط.
فرصة إعادة صياغة مفهوم الأمن
يمكن لأنقرة أن تسهم في ربط استقرار الأمن بإنهاء جذور الصراع في فلسطين. كما أن إدخال ملفات عدم الاستقرار في المنطقة، من غزة إلى سوريا، ومن لبنان إلى ليبيا وإيران، في قلب النقاش، مع التركيز على أن الكيان الإسرائيلي هو سبب أساسي لمشكلة أمنية عالمية، يجعل الأمر أكبر من كونه قضية دفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني فحسب.
وكذلك تبرز أنقرة دورها الإقليمي في تحقيق الاستقرار عبر الدبلوماسية والحوار، فهي تمتلك علاقات جيدة مع كل من روسيا وإيران والفصائل الفلسطينية ومع الأطراف في لبنان، وبالتالي لديها ميزة تنافسية عن بقية أعضاء الحلف، يمكن أن توظفها في تحقيق الاستقرار.
وعلى المستوى التركي، تحاول أنقرة تكريس قوتها من خلال إبراز الصناعات الدفاعية التركية، التي تحقق مكاسب سياسية واقتصادية واستراتيجية كبيرة للبلاد. فقد عقدت مؤخراً سلسلة صفقات مع دول أوروبية وإفريقية وآسيوية، صدرت بموجبها عدداً من المعدات العسكرية التي أنتجتها صناعاتها الدفاعية المتنامية.
التحديات
مع ذلك كله، لا تزال هناك تحديات كبرى أمام الدور التركي المنشود، فالدول الكبرى في الناتو لا تزال ترى في الصين وروسيا التهديد الأكبر، كما أن إسرائيل تحاول تكريس روايتها بخصوص أمن منطقة الشرق الأوسط.
لكن اللحظة الحالية تنطوي أيضاً على فرصها، فقد أنتجت العديد من الحقائق بعد الحرب على إيران وحرب الإبادة في غزة والعدوان الإسرائيلي على سوريا ولبنان، ومنها أنها أظهرت صورة لا يمكن طمسها لإسرائيل بوصفها مزعزعاً للاستقرار في المنطقة. كما أن التوتر التركي الإسرائيلي المتبادل على مستوى التصريحات يشجع أنقرة، التي باتت في وضع أفضل وأقوى داخل الناتو، على المساهمة في فرض رؤية جديدة للأمن داخل الحلف، خاصة أن عواصم أوروبية عدة باتت ترى في إسرائيل عاملاً مزعزعاً للأمن.
يزداد أمن العالم هشاشة واضطراباً، وإذا لم يتم الوقوف على التشخيص الحقيقي، وأخذ أمن منطقة الشرق الأوسط وقضاياها في الحسبان من قبل أكبر حلف عسكري وأمني في العالم، فإن هذه الهشاشة ستزداد. ولذلك، يتوقع أن تحاول أنقرة فعل شيء في هذه القمة يؤسس، على الأقل، لبداية تغيير في المفهوم الأمني، مع إدراك وجود تحديات وعوائق أمام هذا الدور.
المصدر: تلفزيون سوريا






