
الدماء التي سالت في دمشق وعلى مقربة من قصر العدل، تعيد طرح مسألة اشتغالات الإرهاب مرة أخرى، وتضع الجميع أمام تساؤلات متتابعة، ومن ثم التفكير في العمق، مفاد ذلك: السؤال الأهم.. لماذا الآن؟ وكيف يمكن أن تصل أدوات الإرهاب بهذه السهولة، ومن وراءها أو معها؟ وماذا تريد أن تقول على حساب دماء الأبرياء التي سُفكت في دمشق؟
المشهد السياسي السوري وتفاعلاته المتتابعة يشير في هذا السياق إلى مسائل عديدة، ويضعنا جميعًا أمام احتمالات جمة ومتنوعة، قد تساعد في تفسير الحالة، وتعيد رسم ملامح المرحلة بكليتها. فهناك عمل مؤسساتي قد أُنجز في المستوى الوطني، وهو استكمال للعمل الوطني الأشمل والأعم في بناء الدولة السورية الوليدة أو الجديدة، وصولًا إلى عقد أولى جلسات مجلس الشعب السوري الجديد، الذي طال انتظاره، وتعثرت آليات إعادة إنتاجه، حتى جاء الثلث الرئاسي المكمل، والذي أكمل بالفعل القائمة، دون أن يُكمل الفراغات المتبقية، ومنها إشكالية ومعضلة محافظة السويداء وجبل العرب.
التحرك السوري نحو لبنان، لم يرق أبدًا للفلول، ولا لميليشيا حزب الله في لبنان، وبات التحرك الإرهابي ضد الواقع السوري ضرورة لديهم لمنع سوريا من المضي جديًا في عملية التدخل الإيجابي السياسي الذي تحدث عنه الرئيس أحمد الشرع قبل ذلك في لبنان..
إذًا هناك مؤسسة تشريعية سورية قد شُكّلت وأُعيد وجودها بعد ما جرى في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وقد باتت ناجزة، وهناك بانتظارها العشرات من مشاريع القوانين السورية الضرورية جدًا للإقلاع نحو بناء أساسات الدولة السورية، التي انهارت مع السنوات الأخيرة لحكم آل الأسد، وعصابة العسف والقتل الأسدي. المهم أن إنجازًا مهمًا قد حصل، وهو إعادة وجود سلطة تشريعية سورية، بعد أن تم إنجاز كلتا السلطتين التنفيذية وأيضًا السلطة القضائية.
وهذا أمر لا بد أنه يقلق من لا يريد ذلك، ومن ما زال متربصا بسوريا الجديدة، وساءه ما حصل أواخر العام 2024 من كنس جل المشروع الإيراني وكذلك الأسدي، وهو ما برح ينتظر الفرصة المتاحة له لتفتيت الواقع السوري، ومنع ولجم حالة الاستقرار من الوصول إلى خواتيمها الطبيعية والضرورية. وهو يرى أن خطوات الدمج شمال شرقي سوريا التي جاءت إبان اتفاق 29 كانون الثاني/يناير 2026 قد أضحت واقعًا ملموسًا رغم صعوباته الكثيرة والمتعددة. من هنا كان لا بد، بحسب رؤيتهم التخريبية، من عمل وافتعال حالة تشوش وتخلخل الوضع الأمني المنجز بشكله الكبير.
يضاف إلى ذلك أن تلك المحاكمات العلنية في قاعة محكمة الجنايات داخل القصر العدلي بدمشق، تتابع أعمالها بكل إصرار وروية، عبر محاكمة فلول النظام، وبعض شخصياته التي تم القبض عليها مؤخرًا، وهو عمل مهم، لا شك في ذلك، على طريق إنجاز مسار العدالة الانتقالية، قد يجبر الضرر، ويشفي الصدور، ويعيد بناء حالة الاستقرار، ويساهم في الولوج ضمن أساسات ومرتكزات السلم الأهلي السوري، الذي لا يمكن أن يُنجز بدون وجود عدالة جدية انتقالية تسرع من أعمالها، وتقف عائقًا أمام كل منغصات السلم الأهلي في سوريا. ولعل استمرار هذه المحاكمات لرموز النظام المخلوع يعطي أملًا في المضي نحو بناء الدولة الجديدة، ويهيئ الظروف نحو التعافي المبكر النفسي أولًا، ثم يلحق به كل أنواع التعافي الأخرى.
وضمن آليات التوقف أمام الحدث والمشهد السوري بعمومه، لا يمكن أن يغيب عن مخيالنا التوقيت المختار للعملية الإرهابية، وعن رؤيا مفادها أن التفجير جاء متساوقًا مع زيارة جد مهمة من قبل وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني قام بها إلى لبنان، تحمل الكثير من المسائل، وتتميز عن سواها في أنها جاءت بعد تصريحات الرئيس أحمد الشرع الأخيرة حول لبنان، وإمكانية طرح مقاربة جديدة من قبل السوريين، حيث من الممكن أن تسهم في رأب الصدع في لبنان، ثم تعيد بناء الوطن اللبناني على أساسات جديدة، خالية من انتشار الميليشيات، ومن ثم الجلوس إلى طاولة التفاوض والحوار، لإنجاز آليات عمل جديدة، تمنع الانهيارات الكبرى، في ظل وجود مستمر لا ينقطع من تعديات، وعدوان إسرائيلي متابع على كل من سوريا ولبنان.
ويبدو أن هذا التحرك السوري نحو لبنان، لم يرق أبدًا للفلول، ولا لميليشيا حزب الله في لبنان، وبات التحرك الإرهابي ضد الواقع السوري ضرورة لديهم لمنع سوريا من المضي جديًا في عملية التدخل الإيجابي السياسي الذي تحدث عنه الرئيس أحمد الشرع قبل ذلك في لبنان إبان حرب على لبنان كبرى طالت الأخضر واليابس.
سوريا الجديدة اليوم تنهض بالفعل رغم العثرات ورغم الأخطاء، فالتحديات كبيرة وكثيرة، وقلة الإمكانيات لا حدود لها، والسياسات المتبعة نجد فيها صراحة أن الولاء يسبق الكفاءة في بعض الممارسات، إن لم يكن في معظمها، ومع ذلك فإنه لا رجعة للوراء أبدًا..
من هنا كانت العملية الإرهابية اليوم في دمشق تمسك بحيثيات عدة وأسباب كثيرة، تدفع بمن فعلها للغوص في الحالة السورية، ومحاولة تخريب كل ما تم إنجازه من حالة الاستقرار ووضع العصي في العجلات، أو إنهاء كلي لحالة الاستقرار في سوريا.
والسؤال الذي ما انفك قائمًا ويطرق الأذن: هل يستطيعون ذلك؟ ولا يبدو أنهم قادرون، رغم حجم الدماء التي تُسفك، وهم كما هو واضح وبيّن، سوف يحاولون الاستمرار في إقلاق راحة الشعب السوري، والحكم الجديد في سوريا، ولن ينسوا أو يتناسوا بعد أن مُني حلف الممانعة خلال السنتين الأخيرتين بخسارات كبرى، أدت إلى إزالة الحلف الممانع من سوريا، وخسارته المشروع الكبير الذي أُريد منه مواجهة ليس السوريين فحسب، بل العرب جميعًا وعلى كل الأصعدة والمسارات.
سوريا الجديدة اليوم تنهض بالفعل رغم العثرات ورغم الأخطاء، فالتحديات كبيرة وكثيرة، وقلة الإمكانيات لا حدود لها، والسياسات المتبعة نجد فيها صراحة أن الولاء يسبق الكفاءة في بعض الممارسات، إن لم يكن في معظمها، ومع ذلك فإنه لا رجعة للوراء أبدًا، ولا إمكانية أبدًا لوصول الخراب إلى نقطة اللا عودة. لأن النظام الأسدي انتهى ورحل وانهار كليًا.
وليس لديه أو لدى أدواته وبقاياه من أساسات يمكن أن يقوم أو يستند إليها، ولعل واقع الأمر يقول إن أوضاع المنطقة برمتها لم تعد صالحة لعودته أو قبوله، ولا يمكن أن يفكر أي عاقل في أن نظام الفاشيست الأسدي يمكن أن يعود يومًا إلى سوريا.
المصدر: تلفزيون سوريا






