
لم آت إلى هنا لأتكلم باسم النساء بوصفهن فئة منفصلة عن المجتمع، ولا لأضيف صوتاً جديدًا إلى أصوات الهويات المتجاورة التي تملأ فضاءنا العام اليوم، جئت لأتكلم من موقع المواطنة، ومن موقع الانتماء إلى وطن يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى من يدافع عن فكرته الجامعة.
فإذا كانت هذه الندوة تحمل عنوان «هي تتكلم»، فإن أهمية هذا العنوان لا تكمن في أن المرأة تتكلم بوصفها جماعة مستقلة عن الوطن، بل في أن نصف المجتمع السوري يصر على المشاركة في استعادة الكلام العام بعد سنوات طويلة من الإقصاء والتهميش والتشظي. وما يهمني هنا ليس أن أبحث عن مكان للمرأة خارج القضية الوطنية، بل أن أؤكد أن القضية الوطنية نفسها لا يمكن أن تبنى من دون المشاركة الكاملة للنساء والرجال معا في إعادة تعريف المجال العام السوري وإعادة تأسيسه. لقد خسر السوريون أشياء كثيرة خلال السنوات الماضية خسروا بيوتا ومدنا وأرزاقا ومؤسسات، وخسروا أعمارًا كاملة في الانتظار والخوف والمنفى. لكن أخطر ما خسرناه جميعا ربما لم يكن أيا من ذلك، بل تراجع ثقتنا بقدرتنا على الاجتماع داخل فكرة وطن واحد، وعلى رؤية بعضنا بعضا بوصفنا شركاء في مصير مشترك لا مجرد جماعات متجاورة تتقاسم الجغرافيا وتتباعد في السياسة والذاكرة والمخاوف.
ومن هنا يصبح السؤال الذي أود طرحه اليوم أبعد من سؤال المرأة وحده، وأبعد من سؤال التمثيل الفئوي عموما. إنه سؤال الوطن ذاته : كيف يمكن للسوريين أن يستعيدوا إطارا وطنيا جامعاً بعدما تراجعت الفكرة الوطنية لمصلحة الانتماءات الجزئية والهويات المتنافسة ؟
حين نتحدث اليوم عن الوطن لا يعود السؤال متعلقا بجمال الفكرة أو نبالة الشعار، بل بقدرته الفعلية على أن يكون إطارا جامعا للسوريين. لقد مرت سنوات طويلة كان يكفي فيها استدعاء مفردات الوطن والوحدة الوطنية لإنتاج قدر من التوافق الرمزي، أما اليوم فإن الواقع السوري يفرض علينا سؤالاً أكثر صعوبة لماذا لم يعد الوطن، بوصفه فكرة جامعة، كافيًا لإعادة جمع السوريين ؟
لقد شهدت سورية خلال السنوات الماضية تفتتا عميقا في المجال العام، وتراجعا مستمرًا للفكرة الوطنية الجامعة لمصلحة انتماءات فرعية سياسية، أو طائفية، أو مناطقية، أو مصلحية. وفي الوقت نفسه برزت أزمة تمثيل واضحة أصابت القوى والتيارات السياسية التي عرفها السوريون باسم المعارضة وحولت معظمها إلى ما يشبه الهياكل الفارغة من الفاعلية السياسية كما أصابت جزءًا واسعا من القوى المدنية، واتسعت الفجوة بين الخطابات السياسية المتداولة وبين الوقائع الاجتماعية التي يعيشها السوريون يوميا.
ولا تبدو المشكلة مجرد أزمة خطاب أو نقص في الإرادة الوطنية، بل أزمة بنيوية تمس أسس العلاقة بين المجتمع والسياسة والدولة. فالسوريون لا يختلفون فقط حول السلطة، بل يختلفون أيضًا حول المرجعيات التي ينبغي أن تنظم المجال العام وتحدد معنى الانتماء الوطني نفسه.
إن جوهر الأزمة الراهنة يتمثل في تفكك العقد الاجتماعي السوري الذي كان يفترض أن يشكل الإطار الناظم للعلاقة بين المواطنين والدولة. فقد تراجعت فكرة المواطن المصلحة أشكال متعددة من الانتماءات الأولية، بعد أن تأكلت الثقة عبر عقود بين المجتمع ومؤسسات الدولة. وضعفت المؤسسات بوصفها الحامل الوحيد للشرعية حتى وصلنا إلى لحظة انهيارها الفعلي مع سقوط النظام السابق. ومنذ ذلك الحين تسعى السلطة الجديدة إلى بناء شرعية وجودها بوصفها أولوية سياسية ملحة، في وقت تنمو فيه مراكز نفوذ محلية وأهلية متعددة، في ظل غياب مرجعية دستورية مستقرة تحظى بثقة السوريين وتستجيب لحاجاتهم.
إن ما نواجه اليوم ليس مجرد أزمة حكم كما يراها البعض ولا مجرد خلاف سياسي بين سلطة ومعارضة بل أزمة إعادة تأسيس المجال الوطنى نفسه أى الإطار الذي يلتقي داخله السوريون بوصفهم مواطنين متساوين لا بوصفهم ممثلين لجماعات متنافسة.
وفى ظل هذا الواقع لا تبدو الأطر القائمة، سواء فى السلطة أو بين معارضيها أو ضمن بعض المبادرات المدنية قادرة بمفردها على إنتاج مشروع وطني جامع فخطاب السلطة التي يفترض أنها سلطة انتقالية ما يزال يفتقر إلى الوضوح اللازم بشأن طبيعة المشروع السياسي الذي يراد بناؤه، كما أن الممارسة الفعلية كثيرا ما تبدو مختلفة عن الشعارات المعلنة. وفي المقابل عجزت قوى سياسية عديدة عن تطوير مشروع وطني قادر على تجاوز الانقسامات وإعادة بناء الثقة المجتمعية، أو المساهمة في إعادة تأهيل السوريين للعيش المشترك بعد سنوات طويلة من الحرب والاستقطاب.
كما أن جزءا مهما من النشاط السياسي والمدني انتقل، بحكم الظروف أو الضرورات، إلى فضاءات رمزية أو خارجية، الأمر الذي حد من قدرته على التأثير في الواقع الاجتماعي المباشر أما المبادرات المدنية، على أهميتها، فإنها تبقى محدودة الأثر عندما تنفصل عن سؤال السياسة وعن قضية بناء الدولة ومؤسساتها.
وينطبق الأمر نفسه على العمل النسوي فالدفاع عن حقوق النساء ضرورة لا خلاف عليها، لكن تحويل قضية المرأة إلى ملف منفصل عن قضية المواطنة والدولة الديمقراطية يهدد بإعادة إنتاج الانقسامات نفسها التي نعاني منها، إن حقوق النساء لا تصان في فراغ، بل داخل دولة قانون ومؤسسات ومواطنة متساوية.
لهذا يبدو من الضروري إعادة طرح سؤال الدولة الوطنية الديمقراطية بوصفه سؤالا تأسيسيًا لا شعارًا سياسيا إضافيا. والمقصود هنا ليس دولة تعبر عن هوية فئة أو جماعة أو أكثرية، بل دولة تشكل إطارا قانونيا وسياسيًا محايدا لجميع المواطنين. دولة تكون فيها المواطنة المرجعية الوحيدة للحقوق والواجبات، ويكون الدستور فيها أعلى من الفاعلين السياسيين جميعا، وتخضع فيها السلطة للرقابة والمساءلة ضمن مؤسسات مستقرة.
إن بناء مثل هذه الدولة يتطلب الفصل الواضح بين المجتمع والسلطة، بحيث لا تذوب الدولة في جماعة سياسية، ولا تتحول الجماعات الاجتماعية أو الدينية أو الطائفية إلى بدائل عن الدولة، كما يتطلب إعادة الاعتبار للمؤسسات بوصفها مصدر الشرعية والاستقرار، لا للأشخاص أو التوازنات المؤقتة.
ومن هنا يبرز سؤال التمثيل بوصفه أحد أكثر الأسئلة إلحاحا في سورية اليوم: من يتكلم باسم من؟
لقد اعتاد السوريون خلال العقود الماضية سماع من يتحدث، بحق أو بغير حق، باسم الشعب، أو الثورة، أو الوطن، أو المكونات، أو النساء، أو المناطق. لكن التجربة أثبتت أن احتكار التمثيل، مهما كانت نواياه، يقود في النهاية إلى إضعاف المجال العام لا إلى تقويته.
المطلوب اليوم ليس استبدال احتكار بآخر، بل الانتقال من التمثيل القائم على الهوية إلى التمثيل القائم على البرامج والمشاركة والمساءلة. فالشرعية في الدولة الديمقراطية لا تستمد من الانتماء، بل من القدرة على تمثيل المصالح العامة والخضوع لرقابة المجتمع.
ومن هذا المنطلق يمكن التفكير في ميثاق وطني سوري جديد، لا بوصفه وثيقة مغلقة أو نصاً نهائيًا، بل بوصفه إطارًا أولي للحوار والتوافق.
ميثاق يقوم على عدد من المبادئ الأساسية التي يمكن أن تشكل أرضية مشتركة للسوريين، وفي مقدمتها:
وحدة الشعب السوري على أساس المواطنة المتساوية دون أي تمييز
وحدة الدولة السورية وسيادة القانون على كامل أراضيها.
رفض العنف بوصفه أداة للعمل السياسي.
استقلال القضاء وضمان نزاهته
حماية التعددية السياسية والفكرية.
تطوير أشكال مناسبة من اللامركزية الإدارية بما يعزز المشاركة والكفاءة ويحافظ في الوقت نفسه على وحدة الدولة.
حياد الدولة تجاه الانتماءات الدينية، والطائفية، والإثنية، والسياسية.
ضمان الحقوق والحريات العامة بوصفها حقوقاً للمواطن لا منحًا من السلطة.
إن هذه المبادئ ليست مشروعًا مكتملا ، لكنها قد تشكل بداية لحوار وطني يحتاجه السوريون أكثر من أي وقت مضى.
وربما يكون التحدي الأكبر أمام السوريين اليوم هو الانتقال من حالة الانتظار إلى حالة الفعل من انتظار حلول تأتي من الخارج أو من السلطة أو من الوقائع المتحركة، إلى المشاركة في إنتاج السياسة وصناعة المجال العام. فالأوطان لا تُبنى بالنوايا الحسنة وحدها، ولا بالشعارات مهما كانت نبيلة، بل ببناء الثقة، وإنتاج المؤسسات، وتوسيع المشاركة، وصياغة التوافقات الكبرى التي تجعل الاختلاف ممكنا من دون أن يتحول إلى انقسام.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في إنتاج المزيد من البيانات أو الشعارات، بل في تحويل الأفكار إلى قوة اجتماعية وسياسية قادر على التأثير فالمبادرات الفردية مهمة، لكنها لا تكفي والأفكار، مهما بلغت وجاهتها، لا تصبح قوة تاريخية إلا عندما تجد من ينظمها ويحملها ويدافع عنها في المجال العام.
لذلك فإن المهمة المطروحة أمام السوريين اليوم ليست أن نضيف متحدثين جدداً باسم الهويات والجماعات، بل أن نعيد بنا المجال الوطني الذي يسمح لجميع السوريين، نساءً ورجالاً، بأن يكونوا شركاء متساوين في صناعة مستقبلهم المشترك.
عندها فقط يمكن للوطن أن يعود أكثر من مجرد شعار، وأن يصبح مرة أخرى إطارًا جامعا لجميع أبنائه، ومجالا سياسيا وأخلاقيا يتسع للجميع. وعندها فقط يصبح السؤال: من يتكلم باسم الوطن؟» أقل أهمية من سؤال أكثر عمقًا والحاحاً : كيف نجعل الوطن قادرا على أن يتكلم من خلال جميع أبنائه؟
الخميس ٢٥ حزيران ٢٠٢٦
النص الكامل لمحاضرة الاستاذة #ندى_الخش في رحاب منتدى الكواكبي للحوار الثقافي في #حلب ضمن فعاليات مشروع #هي_تتكلم






