الإسلامويون والانتخابات التشريعية في المغرب

      عبد القادر الشاوي

في الساحة السياسية المغربية أكثر من حركة إسلاموية، في السّر وفي العَلن، أتيح لها، منذ فترة بعيدة نسبياً، أن تعمل، على نحوٍ ما، في ظل الشرعية القائمة، لعل أقواها “رسمياً” وأقدمها من الناحية التاريخية حزب العدالة والتنمية، بتسميات مختلفة (الجماعة الإسلامية، حركة الإصلاح والتجديد 1992، حركة التوحيد والإصلاح 1996) ووثائق متنوعة (أساساً وثيقة: “المشاركة السياسية” 1988). وقد ارتدى الحزب، في بداية ظهوره العلني، جلباب “الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية” بعد أن خلعه عليه المُلْغِز ذِكْرُهُ عبد الكريم الخطيب، فسار في ركابه نحو العمل العلني المشروط بما فرضته السلطة الحاكمة على نخبة من فتية العمل الإسلاموي المتلهف إلى استغلال مزايا العلنية وَفُرَص الشرعية معاً، خصوصاً بعد فشل المشروع الدعوي السّري (الشبيبة الإسلامية) الذي قاده عبد الكريم مطيع وَوَجَّهَه، منذ البداية، ضد أبرز التوجهات اليسارية الناهضة، فأشاع بحركته الدعوية قدراً من الرعب تضررت من عنفه الشرس، لِوَقتٍ، أطراف كثيرة (اغتيال عمر بن جلون أبرز مثال). ومن المذكور في تجربة العمل السياسي أن هذا التيار الدعوي تعرّض لنقد شديد بأشد المواقف حزماً من العاملين في الحقول الديمقراطية، ولم يسلم من القمع الشرس الذي عممته السلطة الحاكمة على جميع الحركات التي تواجهت مع استبدادها بغية القضاء عليها في المهد.

الواقع أن الحركة الإسلاموية لم تدرك أهمية الحياة الشرعية (المسمّاة شكلياً ديمقراطية) إلا من خلال عاملين متداخلين بحكم الوظيفة: الفشل الذي منيت به الحركة اليسارية الجديدة على وجه الخصوص، (وسبق للإسلامويين أن تشبهوا به تنظيمياً وسياسياً: التكوين الأيديولوجي وَمُرَاجَعَة عَقَائد)، والطمع الذي صاحب هذا، انطلاقاً من مفهومٍ للإصلاح يكون عماد النضال الحزبي، لممارسة العمل السياسي في إطار التعدّد الحزبي المكفول. وكان العامل الثاني بسبب القمع الذي واجهت به السلطة كل القوى والحركات السياسية المنشقة عن المجال الشرعي بحكم الأيديولوجيا والأهداف. ويمكن القول إن جميع المراجعات الأيديولوجية التي قامت بها الحركات المناضلة، بصرف النظر عن الأيديولوجيا المُقَرَّرة في كتبها “الحزبية”، كانت في الحقيقة من أثر السّحق القمعي الذي سبَّب الهزيمة التنظيمية والسياسية المطلقة تقريباً.

خرج بعض الماركسيين اللينينيين بنظرية الإصلاح الاجتماعي والدستوري والاقتصادي، باستغلال ما أسموه الهامش الديمقراطي، للتغلب على الأوضاع القائمة، فكان بمثابة خروجهم أيضاً عن السرية والمركزية الديمقراطية اللتين أطّرتا وجودهم التنظيمي. وخرج بعض الإسلامويين بمفهوم الدعوة والنصح المقترنتين بالتخلي عن الحاكمية ومقومات العمل الدعوي التكفيري التي أوجبتها تعاليم سيد قطب وتأويلات ابن تيمية وغيرهما ممن تحكّموا في العمل الإسلاموي. لهذا كان الانسلاخ عن الحركات الأصلية الأم اعترافاً بالهزيمة وإقراراً، في الجانب الآخر، بأهمية “الهامش الديمقراطي” الذي هو ساحة العمل التي نُصِّبت للشرعية المبنية على الثبات بمعنى المُحَافَظَة، والاستقرار بمعنى التَحَكُّم.

لم تكن المراجعة دافعاً ومبرّراً للاقتناع إلا بالتخلي الانتهازي، الموسوم بالبراغماتية، عن نظام العمل السابق جملة وتفصيلاً، والقبول الطوعي، في نطاق الولاء للإمارة، بنظام جديد بَشَّرت به السلطة من أيام “المسلسل الديمقراطي” في بداية السبعينيات من القرن الماضي، وجعلته، بحسب الشعارات والمؤسّسات التي بُنِيَت لوجوده، نبراساً للعمل السياسي، وجسراً للتوافقات المطلوبة، وأسّاً من أسس الملكية التنفيذية.

 دعوات تكتيكية، مُستفادة من تجربة الهزيمة والفشل، لتجاوز المحنة

الواضح أن العمل الشرعي لم يكن ليستقل عن العمل في ظل المؤسّسات القائمة، أضف إلى هذا أن الإقرار بالشرعية، وتحكّم توافقاتها في مختلف التصوّرات، قاد إلى استعمال مختلف الأدوات التي ترتبط بتلك الشرعية بناء على اختيارات مرسومة مقدماً: العملية الانتخابية (البرلمان)، مؤسّسات الحكامة رغم طابعها الصوري (المجتمع المدني)، الجهاز الحكومي بمختلف فروعه (السلطة السياسية)… إلخ. وربما كانت التجربة المغربية، في هذا السياق، دالّة على أن “الطريق الانتخابي”، وقد لا يهم أن يكون ديمقراطياً في آخر المطاف، هو السبيل الأقْوم لإدماج الحركة الإسلاموية في بنية السلطة القائمة، وضمن المجال الشرعي المعد لذلك بإكراهاته، وفي ارتباط مع الثوابت التي تحكمه طوعاً، فضلاً عن ربطها عضوياً وتدريجياً بمصالحها الاقتصادية وسواها… قد ماثل هذا لدى الحركة الإسلاموية قابلية براغماتية تتأسّس على “المراجعة الأيديولوجية الدينية” للاستفادة من المغانم السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يوفرها ذاك الإدماج.

المشكلة، في اعتقادي، أن وصول الحركة الإسلاموية إلى السلطة ترافق مع ما يمكن تسميته “تنامي الحاجة الدينية” المبنية على العقيدة في المجتمع الذي استقبلها، وما التعبير الانتخابي عن ذلك إلا الوجه الخفي، أو العلني، لأثر الدين في الحياة والمعاملات، من جهة، وما لأهميته، من جهة أخرى، في تقرير بعض الاختيارات الدعوية المبنية على التأويل الديني، التي قد تتعارض مع مفاهيم الحداثة ومنطلقاتها، أو الديمقراطية، خصوصاً عندما يصبح هذا التعارض، بمسوغات تبريرية مختلفة، موجهاً ضد المنجزات المتحققة على صعيد المجتمع بفضل النضالات التاريخية وتضحياتها الإنسانية في أكثر من مجال وقطاع، وبصورة واضحة، ضد ما تحقق منها للطبقات الوسطى في المجتمع من استقرار، أو رفاه، فضلاً عن رسوخ البنيات المجتمعية لوجودها على أرضية اقتصادية متطورة نسبياً تضمن حدوداً مقبولة للعيش الكريم.

من الأسباب الموجبة لذلك في تجارب الحركة الإسلاموية أنها ذات أيديولوجية دَعَوية إيمانية، تقوم على المنظور الشمولي الذي يحققه الدين لجميع أنواع التصورات الإطلاقية. فهي، في الاعتقاد والقرار، تنطلق من “تكفير” المجتمع، وتعمل نظرياً في سبيل تطبيق الشريعة إلخ، متى ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً. مع الأخذ بعين الاعتبار أن “التكييف” الذي تقوم به لأجل أن تصبح برامجها السياسية، تبعاً للمقاومات التي تنشب في المجتمع، “ممكنة”، أو لا تثير الرفض، إنما هو من طبيعة الأسلوب التَّقَوِي الذي يراهن على المستقبل بالصبر والتأني، وَيَتَحيَّن الفرص بالمناسبة والتسويف. يضاف إلى هذا أن الحركة الإسلاموية، بطبيعتها الأيديولوجية ومعتقدها الديني، تُنصِّب نفسها حامية للمجتمع ووصية على أخلاقه وفضائله إلخ، فيكون ذلك، على الأرجح، في تعارض مع تطوره الموضوعي الوضعي المبني على التعدد والاختلاف والتنوع.

تجربة حزب العدالة والتنمية في المغرب، سقَطَت، وربما سقطة مُميتة، في المكان الذي سقطت فيه باقي الأحزاب، القريبة من أيديولوجيتها الدينية والبعيدة عنها

ولو قلتُ إنه لم يكن في مقدور الحركة الإسلاموية في المغرب أن تصل إلى السلطة (أو الحكم) إلا بالتسويات التي قامت بها في اتجاهين متداخلين: التسوية الأيديولوجية والعقدية تجاه ذاتها وحركتها، من حيث هذَّبت نظرتها (الدينية) إلى المجتمع، اقْتَنَعَت بها وأقْنَعَت باقي الفاعلين السياسيين بذلك معها. أما التسوية الثانية، ففي علاقة بالمجال السياسي الذي هو ميدان ممارستها، إذ تآلفت، إلى حد كبير، مع متطلبات العمل في المجال الشرعي من خلال القبول بشروطه وإكراهاته، ضماناً لكسب المغانم (الاقتصادية والإدارية… وغيرها)، فضلاً عن الترقيات المستحبة التي تمنحها السلطة بسخاء ريعي لكل مُوَالٍ أو متحالف أو عميل. وعلى هذا الأساس، تحولت ضمن التعدّدية السياسية القائمة إلى رقم إضافي، ليس له في المشهد العام أيّ تَمَيّز خاص ولا أي دور مستقل.

تجربة حزب العدالة والتنمية في المغرب، سقَطَت، وربما سقطة مُميتة، في المكان الذي سقطت فيه باقي الأحزاب، القريبة من أيديولوجيتها الدينية والبعيدة عنها على السواء، فانقسمت على نفسها، وتبخّر المناخ النضالي الذي كان باعثاً لها على التطور، وفقدت كثيراً من الصلات التي كانت لها بالحركة الاجتماعية التي ساندتها وحملت أشواقها عن طريق الانتخابات التشريعية إلى السلطة الحكومية.

في هذه المرحلة بالذات، يمكن الحديث عن الاستعباد، وعن الولاء الذي سخرها لتنفيذ أهداف الاختيارات المسنونة في علاقة بالسوق (طبيعة الاستغلال، تحرير أسعار المحروقات، الخمور، إلغاء صندوق المقاصة، ارتفاع المديونية…)، وبالحياة المعاشية للناس (المزيد من خصخصة التعليم، ارتفاع أسعار المواد الغذائية، زيادة نسبة البطالة…)، وبالطبيعة القومية الإسلامية التي كانت نهجاً في توجّهها (ومنه التوقيع على “اتفاقية أبراهام” والتطبيع مع إسرائيل). هذه سماتٌ عجّلت بإسقاط السلطة الدنيوية، فكانت فيها، بمعنى ما، نهاية لسلطة الحزب الدعوية في المجتمع. ويبدو اليوم أن الأفق الانتخابي والخطاب الذي تحبكه بعض فصائل الحركة الإسلاموية للفوز بثقة المجتمع وأصوات الناخبين فيه، من حيث المنظور، إن هي إلا دعوات تكتيكية، مُستفادة من تجربة الهزيمة والفشل، لتجاوز المحنة من خلال بناء تصوّر معارض مُتَخَفّف من المطلقات الدينية التي كانت “أسلوبَ دَعْوَتِها” في عملها السياسي سابقاً. فهل يمكن الحكم عليه، في حملة الاستعداد للانتخابات التشريعية المقبلة، بأنه “أسلوبها الوضعي” للتجاوب مجدّداً مع إكراهات المجال الشرعي الواجبة، وكذا للتصالح مع الأوضاع المستجدّة والاختيارات المعمول بها؟

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى