
يصعب الفصل بين السياسة والرياضة والمال، رغم الخطاب الداعي الى عدم الخلط بينها. فالادّعاء شيء والممارسة شيء آخر. ولا يعرف بالتدقيق الظروف التي دفعت بالرئيس قيس سعيّد أن يتدخّل في هذا المجال الذي يعجّ بالمخاطر والرهانات المتناقضة. ورغم أن النيات مختلفة عن سابقيه الذين كانت لهم أجندة أخرى، فما حصل، في أول مقابلة يخوضها الفريق التونسي في كأس العالم، وتعرضه لهزيمة قاسية ضد المنتخب السويدي بخمسة أهداف مقابل هدف، هزّ المكانة الرمزية لرئاسة الجمهورية بشكل غير متوقع.
تأسّست الرياضة التونسية في أحضان الحركة الوطنية، التي كانت تعمل على مقاومة سياسة الإدماج التي عمل المستعمر الفرنسي على تعميقها لابتلاع البلاد واستعباد سكانها. هكذا تحوّلت الفرق الرياضية، بمختلف تشكيلاتها واختصاصاتها، إلى قلاع تحمي الشخصية التونسية وتطلعات الشعب نحو الاستقلال. بعد تلك المرحلة الصعبة والثرية، استعمل بورقيبة الرياضة بشكل مكثف من أجل نحت الشخصية “الجديدة” للتونسي، كما حددها في خطاباته لسنتي 1961 و1962، حتى إنه غيّر أسماء بعض الفرق، وسمّي كأس تونس كأس الحبيب بورقيبة. واستمرّ التوظيف في عهد زين العابدين بن علي، وتم الاعتماد على أقاربه وأصهاره لتحويل أبرز الفرق الرياضية إلى حصون يمكن الاعتماد عليها من أجل تثبيت الشرعية ودعم أسس النظام، وذلك “بشكل مكثف أداة رئيسية للدعاية السياسية، وإدارة الأزمات، وتحسين صورته داخلياً وخارجياً”.
بعد الثورة، ارتبك المجال الرياضي من دون أن يستقل بذاته. لقد حاولت بعض الأحزاب وأصحاب المصالح والنفوذ المالي استغلال الفراغ وتعدّد مراكز النفوذ، أن تخترق الأندية، وتعمل على تحقيق مصالح سياسية ومالية، سواء بشكل مفضوح أو مستتر. وفي هذا السياق، كثر الحديث عن تفشّي الفساد والمحسوبية. لهذا عندما انفرد رئيس الدولة قيس سعيّد بسلطة مطلقة، وأصبح صاحب القرار الوحيد في كل المجالات، قرّر أن ينتهج سياسة “التطهير” وفق العبارة المستعملة رسمياً. ومما لاحظه أن المجال الرياضي متداخل مع المجالين المالي والسياسي بشكل واسع. وعندما قرّر استعمال سياسة العصا الغليظة، وجّه ضربات قوية إلى ما يصفها بـ “اللوبيات” داخل هذه القطاعات. ومن بين الشخصية المحورية التي جرى التركيز عليها الرئيس السابق للجامعة التونسية لكرة القدم، وديع الجريء، الذي ينقسم بشأنه، منذ اعتقاله والحكم عليه، الرأي العام الرياضي والسياسي. يرى بعضهم فيه أحد أركان الفساد، في حين يعتبره آخرون “من أفضل الرؤساء” الذين تعاقبوا على رئاسة الجامعة. ويبدو أن علاقته السابقة بالرئيس الباجي قايد السبسي ثم برئيس الحكومة يوسف الشاهد خلفت كثيراً من القيل والقال، ليجد نفسه يدفع ضريبة قاسية بعد انتهاء تلك الحقبة التي طرح خلالها اسم الجريء رئيساً محتملاً للحكومة.
أصبح الحال اليوم مختلفاً عما كان عليه. أزمة عميقة داخل جامعة كرة القدم التي تحوّلت إلى سفينة بدون ربّان. توالت الخسائر، ما جعل بعضاً يقترح على الرئيس سعيّد التدخل شخصياً لإنقاذ القارب بمن فيه. وطرحت مسألة البحث عن تعيين مدرّب للفريق، فاجتهد الرجل في حدود خبرته، واشترط أن يكون حاملاً الجنسية التونسية في سياق دفاعه عن السيادة الوطنية. وقدم له صبري اللموشي الحامل للجنسية الفرنسية. رحب به، وشجعه كثيراً، وذلك رغم خسارة المنتخب 5 مقابل 0 أمام بلجيكا. لكن هذا لم يحل دون الهزيمة الرهيبة التي هزّت تونس في العمق. وهنا توالت القرارات المتناقضة مع التوجهات الرسمية. إقالة اللموشي بشكل غير مسبوق، والعودة إلى فكرة الاستعانة بمدرّب أجنبي، والكشف عن وجود أزمة كروية ضخمة أظهرت للعالم أن تونس تعاني أزمات مركّبة.
الرأي العام التونسي مستعد أن يتحمّل غلاء المعيشة، وسقوطاً متتالياً لحكومات فاشلة، واعتقال عشرات من السياسيين والنشطاء والصحافيين ورجال الأعمال. فهو يرى في ذلك كله معارك سياسية قد تبدو له مسائل ثانوية، لكن التونسيين، عندما يتعرّضون لفضيحة كروية من هذا الحجم، قد يدفعهم الغضب إلى سحب الثقة من أي شخص يعتقدون أنه “المسؤول”.
المصدر: العربي الجديد






