سعيٌ محموم لاستدراج سورية إلى لبنان

   محمود الريماوي

                              

منذ أزيد من عام، ترتفع أصوات في لبنان، عبر منصات الميديا، تحذّر مما تسمّيها محاولة “اجتياح سوري” للبلد الجار، وقد تزامنت هذه التصريحات مع توطيد الحكم الجديد ركائزه في دمشق وفي عموم الأراضي السورية، باستثناء مناطق في الجنوب تشهد تدخلات إسرائيلية لإحداث واقع انفصالي هناك، إضافة إلى مناطق حدودية تعرف توغّلات بطيئة، لكنها مطردة للاحتلال الإسرائيلي. وكان واضحاً وما زال أن تلك الأصوات تحذّر مما لا وجود له ولا قرائن عليه، وأن الهدف منها هو التشويش على الحكم الجديد، ومحاولة تشتيت انتباهه وصرف اهتمامه عن أولوياته القائمة على السير في طريق العدالة الانتقالية، ومطاردة تنظيم داعش وفلول النظام السابق، ومكافحة إنتاج المخدرات وتهريبها، وتعزيز خطوات التعافي الاقتصادي، وتحسين العلاقات مع الدول الشقيقة ابتداء بدول الجوار: الأردن ولبنان والعراق والسلطة الفلسطينية، وقد قُطعت خطوات على هذا الطريق. غير أن ما يسترعي الاهتمام في هذه الآونة أن الأصوات التي تهوّل على النظام الجديد في دمشق وجدت مساحة من التلاقي الموضوعي مع أطراف عديدة تجد لها مصلحة في هذا التهويل، القائم أساساً على الاختلاق، فقد خرج الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على هامش قمة الدول السبع، ليقول إنه يُفضّل ترك أمر حزب الله في لبنان للنظام السوري، بدل أن تتولى إسرائيل مهمة تحجيم الحزب وإضعافه. وهذا استخلاصٌ يثير العجب. إذ لم يسبق للحكم في دمشق أن أبدى رغبة أو استعداداً أو حتى ميلاً للقيام بمهمّات خارج الحدود. وفي حين قال مسؤولون في العاصمة السورية إن مشكلة كبرى كانت لديهم مع الحزب في سنوات دعمه نظام آل الأسد، وتجريده حرباً على السوريين في وطنهم، إلا أن هذه المشكلة طُويت مع دفع حزب الله إلى خارج الحدود السورية، وأن الخلافات الباقية ذات طابع سياسي، فدمشق تؤيد بسط الدولة اللبنانية ولايتها على جميع الأراضي اللبنانية، بما فيها على الحدود جنوب الليطاني، وأن أمر سلاح حزب الله مسألة لبنانية داخلية، مع تأييد حصر السلاح بيد الدولة هناك. وإذا كانت هناك من أولوية سياسية لسورية على صعيد السيادة الوطنية، فتتمثل في وقف التعدّيات الإسرائيلية، وفي انسحاب قوات الاحتلال من نقاط احتلتها، ومنها قمّة جبل الشيخ، ووقف التدخلات الإسرائيلية في الجنوب، وبالذات في محافظة السويداء، وحيث بلغ الوضع درجة إعلان انفصال المحافظة استقواءً بدعم الاحتلال.

في واقع الحال، هذا أحد أبرز التحدّيات أمام القيادة السياسية في دمشق، غير أن ترامب يتجاهل هذا الواقع الشاذّ، وبينما يعلن، بصيغ مختلفة وفي مناسبات شتى، دعمه قيادة الرئيس أحمد الشرع، فإن ترامب يقفز، رغم وزنه الثقيل، عن واقع الاختراقات الإسرائيلية التي بدأت ولم تتوقف منذ انهيار نظام الأسد. وبدلاً من هذا، يتمنى سيّد البيت الأبيض أن ينغمس الحكم الجديد في دمشق بنزاع خارج الحدود وداخل لبنان، وحسن أن دمشق قد كرّرت غير مرّة أن التسريبات والتأليفات حول دخول سوري إلى لبنان عارية عن الصحة.

الاحتلال الإسرائيلي سوف يكون سعيداً بأي انزلاق سوري، لا سمح الله، في الرمال اللبنانية الساخنة

وثمّة أطرافٌ أخرى تسعى إلى دفع الحكم السوري إلى التحرّك داخل الحدود اللبنانية، ومنها فلول النظام السابق ومن كان يدور في فلكه، على أمل تشتيت الجيش السوري الجديد على رقعةٍ جغرافيةٍ واسعة، وخلف أهداف سياسية مضطربة، بحيث تتاح الفرصة لفلول النظام ولخلاياه شبه النائمة وشبه المستيقظة التحرّك لملء أي فراغ، وإعلان تمرّدات هنا وهناك، مع الأخذ في الاعتبار أن حملة مطاردة هذه الفلول تحقّق نتائج إيجابية مطّردة، وأن رموزاً عسكرية وأمنية سابقة تسقط تباعاً في أيدي وزارة الداخلية السورية.

يضاف إلى هؤلاء النظام الإيراني الذي خسر فرصة احتلال الوطن السوري، والعبث بمقدّراته والتنكيل بشعبه، وخرج مع عشرات من مليشياته من الأرض السورية، مع انتصار الإرادة الشعبية في 8 ديسمبر (2024). ويتمنّى هذا النظام أن يخطئ النظام الجديد في دمشق، ويشتّت أنظاره بين الداخل والخارج، وأن ينتهج نهج نظام آل الأسد بالتدخّل في شؤون لبنان وإثارة النقمة عليه، وتتصل بالنظام الإيراني بعض فصائل الحشد الشعبي في العراق التي سبق أن خاضت في دماء الشعب السوري وقامت بالتأليب الطائفي، والتي تجد في النظام الجديد في دمشق غريماً لها، ويساورها أملٌ غشوم بأن ينزلق هذا النظام إلى ارتكاب خطأ جسيم، مثل الانغماس في المنازعات اللبنانية.

وبالرغم من أنه لم تصدر عن حزب الله تعليقات عن مزاعم تدخل سوري في لبنان يستهدفه في المقام الأول، إلا أنه قد يجد في هذا المحذور الذي يتجنّبه النظام السوري، إذا تحقّق (ولن يتحقق إن شاء الله)، فرصة لإعادة بث “بروباغاندا” عن تلاقٍ مزعوم بين الأهداف الإسرائيلية والنظام الجديد في دمشق في إطاحة الحزب، مع خلط الأوراق في لبنان، وتصوير هذا البلد مستهدفاً من أطراف خارجية، منها النظام الجديد في دمشق، مع ما يتصل بهذا من بثّ طائفي مضمر ومعلن، بحيث يقع نظام دمشق في المحذور الذي وقع فيه حزب الله نفسه، حين خاض حرباً ذات صبغة طائفية صارخة في سورية.

تتلاقى عرضياً أطراف متباعدة عند هدف إضعاف سورية وتشتيت أنظار شعبها وقيادتها

يضاف إلى ما تقدّم أن الاحتلال الإسرائيلي سوف يكون سعيداً بأي انزلاق سوري، لا سمح الله، في الرمال اللبنانية الساخنة أو ما سمّاه الرئيس الشرع “حقل ألغام”، بحيث ينصرف الحكم في دمشق عن منح الأولوية لوقف التعدّيات الإسرائيلية، ويستنزف الجيش الجديد في مواجهاتٍ لا طائل منها ولا شأن له بها. وفي ذلك ما يحقّق مصلحة إضعاف هذا الجيش والتأثير السلبي في مناعته.

هكذا تتلاقى عرضياً أطراف متباعدة عند هدف إضعاف سورية وتشتيت أنظار شعبها وقيادتها، غير أنه يبقى بعدئذ أن الأشد سوءاً ويحمل نذراً محفوفة بالمخاطر ما يصدر عن واشنطن من دعوات غريبة متكرّرة إلى دمشق للتدخل ضد حزب الله، ومحاولة ربط العلاقات الأميركية بسورية الجديدة، بما يمكن أن تفعله دمشق على هذا الصعيد، دمشق التي سبق أن شدّدت أنها لا تجد لها مهمة أو دوراً خارج الحدود السورية، باستثناء علاقات التعاون مع الدول الشقيقة والصديقة، وفي مقدمها لبنان، وأن البلدين يسيران على طريق التعاون في مجالات شتى، بما يعود بالنفع على بلديهما وشعبيهما، وفي إطار من احترام سيادة كل منهما.

ومع زيارة مرتقبة للشرع إلى واشنطن، الحاجة ماسّة للتمسّك بموقف حازم يرفض استدراجه للانغماس في منازعات لدى البلد الجار، ذلك أن جهود سورية تتركّز على بناء جيشها الجديد للدفاع عن الحدود والسيادة، واستكمال عملية دمج “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) الكردية ضمن الجيش، وأن دمشق تنتظر من واشنطن، وبحكم علاقة الصداقة الناشئة، موقفاً بنّاءً يرفض التعديات الإسرائيلية والتدخلات الفظة من قبيل التدخّل في محافظة السويداء.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى