
“الحدّ الأدنى للسياسة” مقولة قد تعبّر موضوعياً عن حالة المغرب اليوم من الناحية السياسية، ويمكن أن يوصف بها وضع البلد منذ الاستقلال، إذ ظلّت المملكة الشريفة تنزع دوماً إلى عدم إرخاء حبل السياسة على عواهنه، وعدم فتح الباب أمام المفاجآت والمصادفات، وكل ما هو خارج عن التوقّعات، بمعنى أنّ السياسة، مهما انتعشت، فلا ينبغي لها أن تخرج عن سياق التوقّعات الكُبرى للبلد وسياساته العامّة، وحسب ما تقتضيه سياقات كلّ مرحلة. أمّا صاحب هذه المقولة، فهو السياسي والباحث والوزير الاشتراكي السابق عبد الله ساعف الذي كان شاهداً على الانتقال الديمقراطي الذي لم يتجاوز مكانه (أي حكومة الانتقال الديمقراطي مع عبد الرحمن اليوسفي).
وإذا ما ربطنا بين فكرة الحدّ الأدنى للسياسة ومستقبل المغرب السياسي، خصوصاً وهو مقبل على انتخابات تشريعية، ذات حساسية بالغة، ومقبل أيضاً على تنظيم كأس العالم في 2030 الذي دفع البلاد إلى الانخراط في مشاريع كُبرى، لا بدّ لها أن تتمّ بوتيرة سريعة تتناسب مع تحدّي هذه التظاهرة العالمية، وفتح ورشاً أخرى لا تنفصل عن كرة القدم، سواء في المجال الحقوقي أو التنموي أو الاقتصادي، بالإضافة إلى البنى التحتية وغير ذلك (راجع مقال الكاتب “المغرب ومحكّ (فيفا) الحقوقي والتنموي“، “العربي الجديد”، 30/8/2024)، ذلك أنّ هذا المحكّ العالمي يقتضي منح انفراجة سياسية وحقوقية جديدة، ويقتضي أيضاً نَفَساً سياسياً يُضَخّ في جسم الأحزاب المغربية.
الخيار الأقلّ كلفةً حسب ما هو بادٍ للعيان هو خيار الأحزاب التاريخية، أو ما بقي منها
المقلق في الأمر ما آلت إليه وضعية الأحزاب المغربية اليوم، فكما هو بادٍ، لم تعرف تغييراً يذكر، فلا تزال حكومة رجال الأعمال والتجّار والتكنوقراط، ونقصد هنا حزب التجمّع الوطني للأحرار، ذات جاذبية كُبرى بالنسبة إلى الدولة المغربية، فالمراهنة على هذا الحزب، أو من يقاربه من أحزاب الدولة المعروفة، وتحديداً حزب الأصالة والمعاصرة، لا تزال حاضرةً، نظراً إلى ما يحظون به من ثقة في علاقتهم بمجالي المال والأعمال. ولهذا، الحكومة الحالية، وإن كانت الأسوأ على مستوى التسيير الاجتماعي في تاريخ المغرب السياسي، فإنّها في المقابل قامت بدور سلس في تصريف الأعمال، ولا يمكن لأيّ كان أن لا يعتبرها جزءاً من حكومة كأس العالم، غير أنّ ما قد يشوّش على استمرارها، أو استمرار مَن كان على شاكلتها، رصيدها الاجتماعي الفاشل، وإدارتها الكارثية قطاعات جدّ حسّاسة مثل التعليم والصحّة، بالإضافة إلى التجاوزات الصارخة على المستوى التدبيري (تضارب مصالح غير مسبوق في حكومات المغرب)، كما حصل في قطاع تحلية المياه أو قطاع المحروقات الذي بات عبئاً ثقيلاً على رقاب المغاربة، أو فضيحة الدعم المتعلّق بمربّي المواشي (صارت تُنعت بفضيحة “الفراقشية”، والمتعلّقة بدعم بلغ 13 مليار درهم مغربي، أي 1.41 مليار دولار)، ومن دون أن ننسى الفشل الذريع لمشروع المخطّط الأخضر الذي تبيّن حجم تأثيره الضار في مستقبل الاكتفاء الغذائي والمائي للمغاربة (راجع مقال الكاتب “مشاريع (خضراء) في المغرب”، “العربي الجديد”، 02/6/2023).
هل يمكن، والحالة هذه، المراهنة على شِبه حكومة كأس العالم الحالية، رغم هذا الثقل السياسي البائس الذي تجرّه معها. يبقى سؤال يمكن التكهّن بجزء بسيط من جوابه، أنّ المراهنة الصرفة على الحزبَين، آنفي الذكر، تبقى خياراً صعباً، خصوصاً عندما نراقب ما آلت إليه القطاعات المذكورة من أزمة غير مسبوقة، بالإضافة إلى عدم امتلاك الحزبين سجّلاً سياسياً تاريخياً وشعبياً كبيراً، بمعنى أنّ مشروعيتهم ستظلّ دائماً على المحكّ أمام أنظار العالم، ومن دون أن ننسى ما تعرّضوا له من نقد قاسٍ من حراك جيل زد، الذي أوغل في التعريض بوزراء الحزبَين حدوداً أربكت حسابات الجميع، وهي إشارة سياسية إلى أنّ صلاحية الحزبَين ربّما انتهت، وانتهت معه مؤقّتاً الحاجة إليهما.
إذن، المعادلة المفترضة الآن أنّ البلاد تحتاج إلى “حكومة كأس العالم” ذات الوجه العالمي، أي التي تتوافر على نصيب لا بأس به (حتى لا نقول مثالياً) من ناحية المشروعية السياسية، ونصيب لا بأس به من نظافة اليد، ومن القدرة على التواصل والتمثيل السياسي، وهي كلّها مؤشّرات يظهر أنّها غير متوافرة في هذَين الحزبَين، على الرغم من أنّ تكهّنات السياسة اليوم، كلعب النرد، لا يخضع الربح فيه لمنطق أو نظام. … فما الوجهة المُفترَضة لقارب السياسة المغربي هنا، أو ما الخيارات المتاحة للمرور بسلام من هذه الظرفية الحرجة؟ ونعتقد أنّ الخيار الأقلّ كلفةً حسب ما هو بادٍ للعيان هو خيار الأحزاب التاريخية، أو ما بقي منها، ويأتي في مقدّمتها، بحسب الأهمية والراهنية، حزب الاستقلال بقيادة نزار بركة حفيد العالم والمناضل الكبير علال الفاسي (سرّب أخيراً، لغرض ما، خبر شرائه عقاراً بثمن كبير جدّاً)، يليه حزب الحركة الشعبية بقيادة محمّد أوزين (وإن كان لا مجال للمقارنة بين الاستقلال وهذا الحزب من حيث الشرعية السياسية)، ثمّ يليه بدرجة أخفّ بكثير حزب المناضل، الراحل علي يعتة، التقدّم والاشتراكية تحت قيادة نبيل بنعبد الله (الوزير السابق) الذي اكتسب صورةً سياسيةً لا بأس بها في ظلّ حكومة الإسلاميين السابقة. فالخلطة الممكنة بين هؤلاء قد تمنح الدولة حكومةً تتمتّع ببعض المشروعية السياسية، إلى جانب عدم صعوبة التعامل معها في سياق إتمام تصريف الأعمال الخاصّ بمشاريع كأس العالم وما قد يرتبط به من مستجدّات، غير أنّ الجمع بين هؤلاء قد تشوّش عليه إضافة حزب الاتحاد الاشتراكي، بالخصوص مع قيادة إدريس لشكر الذي أوصل الحزب إلى أدنى الدرجات التي يمكن لهذا الحزب أن يصل إليها، وأهانه بشكل يكاد يمحو من أذهان المغاربة الحضور السياسي والتاريخي الكبير لهذا الحزب في سياق الاستقلال وتأسيس الدولة المغربية الحديثة. ومع هذا، تبقى قاعدة سيولة هذه التكهّنات سيّدةَ الموقف دوماً.
يعني الحدّ الأدنى للسياسة أنّها مهما انتعشت فلا ينبغي لها أن تخرج عن سياق التوقّعات الكُبرى للبلد وسياساته العامّة
بقي حزب العدالة والتنمية، الذي استطاع أمينه العام عبد الإله بنكيران الحفاظ على توازنه واستمراره ووحدة صفّه خياراً آخر يمكن أن يكون جزءاً من الخلطة السابقة، من دون أن تتضمّن حزب الاتحاد الاشتراكي (رفض بنكيران سابقاً التحالف معه)، لكنّه هو الآخر، افتراض تُنبئ كثير من الإشارات بعدم صلاحه لهذه المرحلة المقبلة. أولاً، لأنّ الحزب قد قبل نتائج الانتخابات السابقة (ولا خيار له غير هذا) التي وضعته في مراتب جدّ متدنّية تفصح عن انتهاء مدّة مقبولية وجوده في دائرة التنفيذ السياسية. وثانياً، لأنّه خيار أكثر فائدةً اليوم لصورة الحكومة المقبلة والبلد إن كان في دائرة المعارضة التي يمكنه أن يلعب فيها دوراً توازنياً جيّداً، إذا ما اتُّجه نحو “حكومة كأس عالم” ذات نفس سياسي (في الحدّ الأدنى للسياسة طبعاً)، أو غير ذلك، فيبقى، حسب وجهة نظر كاتب هذه السطور، بعيد المنال، رغم تحرّكات الحزب أخيراً، وما بذله نسبياً في المعارضة (كان يتوقّع منه ما هو أكثر نظراً لفراغ الساحة سياسياً)، لكنّه ظلّ من الناحية الاقتراحية والفعل السياسي ضعيفاً جدّاً، ومرتهناً في مساراته كلّها بخيارات أمينه العام في المعارك التي يخوضها مع خصومه في وسائل التواصل الاجتماعي.
وفي المحصّلة، يجدر القول إنّ هذه التوقّعات كلّها، تبقى فرضيات سياسية، الجامع بينها أنّها لا تتجاوز سقف قاعدة الحدّ الأدنى للسياسة التي لا تزال سيّدة الموقف المتحكّمة في دائرة الفعل السياسية المغربية حتّى هذه اللحظة.
المصدر: العربي الجديد






