النفط يعيد وصل دمشق وبغداد

  بشير البكر

                                       

يعود النفط العراقي إلى سورية من طريق الصهاريج، بعد توقّف استمرّ عقوداً. ومنذ إبريل/ نيسان الماضي، بات الطريق مزدحماً، من الحدود ومعابرها، وحتّى ميناء بانياس على البحر الأبيض المتوسّط. وهناك تقديرات متفاوتة لكمّية النفط العراقي المصدّر إلى الخارج بعد أن حالت الحرب على إيران دون استخدام مضيق هرمز. وتفيد المصادر الرسمية أنّها في ارتفاع مستمرّ، لكنّها مرتبطة بطاقة التخزين وسرعة التفريغ في البواخر، وقد تمتدّ رحلة الصهريج الواحد إلى أربعة أيّام قبل أن تفرغ الحمولة ويعود إلى العراق.

يؤكّد الطرفان أنّ العملية تجري في إطار تبادل المصالح الاقتصادية بين سورية والعراق، بدأً بتفعيل حركة العبور التجاري، وتعزيز تدفّق الطاقة في رحلة ترانزيت عبر الأراضي السورية. وبحسب وكالات الأنباء، أبرمت شركة تسويق النفط العراقية الحكومية عقوداً لتوريد زيت الوقود، ليُنقل برّاً عبر سورية، ووُضعت الخطوة في سياق التحوّل الجديد في سورية، والحرب على إيران. وبالنسبة إلى العراق، هذا هو الخيار الأفضل الآن، على الرغم من أنّه أكثر كلفة.

تشكّل الخطوة مؤشّراً مهمّاً على تنشيط الحركة التجارية بين البلدَين، وقد مرّت هذه الحركة بمراحل من الاضطراب منذ سبعينيّات القرن الماضي بسبب خلافات نظامَي “البعث” في دمشق وبغداد، لكنّ الطرف الذي تسبّب في ذلك هو الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد، حينما اختار الوقوف إلى جانب إيران في حربها مع العراق في 1980، وفي إثرها أوقفت بغداد كلّ أشكال التعاون مع دمشق، وعلى نحو خاصّ تصدير النفط العراقي من حقول كركوك إلى الساحل السوري بمعدل 300 ألف برميل يومياً.

في الجانب السوري، لا تتوقّف أهمية عبور الصهاريج العراقية نحو بانياس السورية على العوائد المادية في هذه المرحلة الصعبة فحسب، بل في الرسالة التي يبعثها هذا التطوّر إلى الأسواق والشركاء الإقليميين والدوليين، ومفادها بأنّ الأراضي السورية باتت مطروحة مجدّداً جزءاً من الحلّ، ما يعني أنّ الممرّات البرّية في أوقات الاضطراب البحري تكتسب وزناً استثنائياً، لأنّ البديل لا يقاس بالتكلفة المالية فحسب، بل أيضاً بالأخطار الجيوسياسية. وحسب تقديرات وزارة الطاقة السورية، سيبلغ حجم تدفّق النفط العراقي إلى مصفاة بانياس نحو 500 ألف طن متري شهرياً، مؤكّدةً أنّ هذه خطوة تؤشّر إلى انطلاق مرحلة جديدة من تفعيل حركة ترانزيت الطاقة عبر سورية، وتعزيز دورها الحيوي في الربط بين الأسواق الإقليمية، واستعادة موقعها الاستراتيجي بوصفها ممرّاً آمناً وموثوقاً.

يبدو تحويل سورية إلى ممرّ لتصدير النفط العراقي أكثر واقعية في ظلّ قلّة الخيارات المتاحة للعراق، وقد ترافق هذا مع مخاوف من أنّ المسألة قد تواجه صعوبات أمنية، قبل تحقيق الاستقرار الأمني، وخصوصاً في البادية السورية، إذ يمكن أن تتعرّض قوافل الشاحنات إلى هجمات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، إلّا أنّه مرّ شهران على العملية، ولم يحصل ما يعكّر صفوها، وبالتالي، يمكن احتساب ذلك مرحلةً تجريبيةً قابلة لاستخلاص الدروس، وأوّلها أنّ مجرى النفط بين سورية والعراق يمكن أن يكون فاتحة تعاون أوسع، زراعي وصناعي وأمني.

التقارب الاقتصادي بين البلدَين فعل تفرضه شؤون القرابة بين الشعبَين، وتحتّمه المصالح القائمة على قوانين التاريخ والجغرافيا، وما يحصل هو مقدّمة لتصحيح أخطاء الماضي التي أدّت إلى قطيعة بين دمشق وبغداد، واستفادت منها دول أخرى. وقد أكّدت الحرب على إيران أنّ اللحظة حانت كي تتجاوز سورية والعراق خلافات الماضي، وأن تعملا معاً من أجل مستقبل الشعبَين والبلدَين اللذَين يشتركان في قواسم تجمعهما، أكثر من التي تفرّقهما.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى