
ليس مستغرباً أن يصحو المجتمع المصري على دوي انقسام، وجدل صاخب امتد من مؤسّسات طبية إلى وسائل الإعلام ومنصّات التواصل الاجتماعي، موضوعه الصحة والمرض والغذاء، وربما يكون الأوسع منذ فترة طويلة. نقاش تجاوز العاصمة، وامتد إلى قرى الريف، وتصل أصداؤه إلى دول عربية، ليبيا وتونس والمغرب وحتى بلدات في الضفة الغربية، متّخذاً خنادق متقابلة تعكس، في جوهرها، اهتزاز الثقة بالنظم الصحية، وعجز الإنسان عن مواجهة مشاق المرض وشعوره بأنه وحيد في رحلة التعافي.
تضمن السجال علاقة المواطن بالطب والدولة والغذاء وسوق الدواء، ولم يكن مجرّد ترويج أو هجوم على نظام غذائي يحمل اسم “الطيّبات”، وما يتضمنه من قائمة ممنوعات ومسموحات، ربطها صاحبه الطبيب المصري ضياء العوضي بالصحة والمرض وبقدرة الجسد على التشافي الذاتي، فألغى أهمية الدواء، في طرحٍ يخالف ما قدّمه من نصائح مقبولة قبل خمس سنوات في فيديوهات تناولت تأثير الغذاء على الجسد وسلامة الطعام وبعض الأمراض، وهو أمر معروف ومحلّ سؤال طبي شائع عند الكشف من المرضي، وأشار إليه مختصون في التغذية منذ عقود.
مع ذيوع صيته، وهو المتخصص في الرعاية المركزة والتخدير، ثم انتقاله إلى التغذية، وبناء جمهور واسع عبر وسائل التواصل واستضافته تلفزيونياً، قدّم العوضي نفسه صاحب نظرية متكاملة للعلاج، اختزل فيها أسباب الأمراض وسبل الشفاء في الطعام. ولم يكتفِ بهذا، بل أنكر علاج أمراضٍ كالسكري والسرطان، وقلّل من أهمية الأدوية والتطعيمات، مستدعياً خطاب المؤامرة من إنكار فيروس كورونا إلى اتهام المؤسّسات الصحية الدولية والمحلية، ومنظّمة الصحة العالمية وهيئة الدواء، بالاتجار بصحة البشر ودفعهم إلى استهلاك الأدوية بلا ضرورة. كما اتهم الأطباء، في التعميم، بالخضوع لمنطق الربح عبر شركات الدواء ومراكز التحاليل، في اتهامات تعمّق أزمة المصدقية، والتفّ حوله قطاع من الغاضبين والمرهقين من كلفة العلاج.
اهتزاز الثقة بالنظم الصحية، وعجز الإنسان عن مواجهة مشاق المرض وشعوره بأنه وحيد في رحلة التعافي
وبعد فصله من الجامعة ومنعه من ممارسة المهنة وإغلاق عيادته، بدا أكثر غضباً وتعالياً، مقدّماً نفسه “طبيب الضرورة”، والمنقذ الذي لا ينبغي للناس أن يسمعوا سواه، ومستحضراً موقع النذير لقريةٍ سيهلك أهلها. وهي صورة تشبه نموذج “المخلص” في السياسة أيضاً، بسمت (وعنف) خطابٍ سلطوي، يجمع بين ادّعاء الحماية وفرض القواعد، ويخلط بين العلم والخرافة والدين، مقدّماً الطبيب في صورة الزعيم والفيلسوف ومالك الحقيقة الوحيدة.
ولكن اختزال المشهد، الذي استمر الجدل فيه نحو شهرين وامتد عربياً، بوصفه مجرّد خلطة من الدجل والخرافة، أو ما سمي “شعبنة الطب”، يغفل البيئة التي سمحت بانتشاره. فالمشهد يكشف مأزقاً في الوعي، لكنه يعكس أيضاً اختلالاتٍ هيكلية في المنظومتين، الصحية والاقتصادية، وقطاعات من المرضى تئن تحت وطأة العلاج المكلف وسوء التغذية وتراجع الثقة في سلامة الطعام وربما الدواء، إلى جانب ممارسات استغلال داخل سوق العلاج ومنظومته. وهنا يتحول الخطاب إلى “زفرة المتعبين” وعزاء للفقراء وراحة مؤقتة لمرهقي الأمراض المزمنة، حتى بين ميسوري الحال، ممن دفعتهم مسارات العلاج الطويلة إلى التعلق بحلول سهلة وسريعة، خصوصاً حين تُغلّف بنصوص دينية وحالات استثنائية تُعمم باعتبارها برهاناً.
ولذلك لم يكن انتشار هذا النمط من التفكير مرتبطاً بالمسالة الاقتصادية وحدها، بل أيضاً بالغضب من السياسات الصحية والشعور بأن المواطنين تُركوا لسوق الدواء والغذاء بلا رقابة كافية. ومن هنا تمدّدت الظاهرة عربياً داخل جغرافيا متشابهة من الأزمات، حيث يبحث مرهقون عن خلاصٍ بسيطٍ يتجاوز تعقيدات العلم وتكاليف العلاج، فخرجوا عن المنظومة التقليدية عبر نفيها وإيجاد بدائل متوهمة، من التداوي بالطعام إلى سردياتٍ قريبة من الطب الشعبي.
في هذا السياق، استطاع هذا الخطاب (وقبله حالات شبيهة) أن يجد جمهوراً، محوّلاً نصائح غذائية إلى بروتوكول علاجي محمل بيقين “أيديولوجي” أشبه بالدرويشة في محراب الأزمة. فقد ألغى الحاجة للدواء وأنكر أمراضاً، ولم تعد المسألة نظاماً غذائياً، بل رؤية شاملة للحياة والمرض والمجتمع، ما دفع وزارة الصحة التونسية إلى التحذير من مخاطر “الطيبات” على أصحاب الأمراض المزمنة.
لعب الرجل على أوتار حساسة تمزج بين رفض هيمنة شركات الدواء وتوظيف نصوص دينية مجتزأة، منتقلاً من نقد المؤسّسات الطبية إلى أدوار المصلح الاجتماعي، متحدّثاً في السياسة والحرب والعلاقات الاجتماعية والرجولة والقوامة، ومفسراً ذلك كله عبر النظام الغذائي. فسأل مثلاً كيف تحارب الجيوش وهي تأكل الدجاج “المسبّب للكوابيس”، وفسّر شجاعة الإيرانيين في مواجهة أميركا بامتناعهم عنه. وفي الوقت نفسه، قدّم وصفة مختزلة: “أنت ما تأكل”. اختصر المرض والعلاج في الطعام، ملغياً الوراثة والعوامل البيئية وتعقيدات الطب، ونافياً أهمية التحاليل. ومن هنا جاءت مفارقاته؛ إذ منع الخضراوات والبقوليات بدعوى المبيدات وصعوبة الهضم، وقلّل من مخاطر قلة النوم، واعتبر شرب المياه غير ضروري، بينما سمح بالسكر والحلويات والعصائر الصناعية بلا حدود رغم إضافاتها الحافظة. ورغم هذا التناقض، وجد الخطاب استجابة لدى قطاع من الناس أرهقته رحلات العلاج أو يعاني أمراضاً مزمنة كالسكر والفشل الكلوي والسرطان. ورغم أن تذكرة الكشف في عيادته تقارب مئة دولار، ظل يُقدَّم باعتباره “طبيب الغلابة” الذي يحارب “مافيا الأدوية”، في مفارقة لا تُفهم إلا في اطار الرغبة في تصديق “المنقذ”، كما في صعود خطابات سياسية رفعت نفسها بوصفها خلاصاً في لحظات الإحباط العام.
هذه البنية الثقافية والسياسية شاركت فيها السلطة، حين ألبست الوهم ثوب الإنجاز، كما في واقعة “جهاز الكفتة” لعلاج فيروس سي والسرطان، قدّمه فني قيل إنه لواء طبيب، في مشهد دعائي تلحّف بالوهم وكشف بنية ثقافية وسياسية تروج الخرافة ضمن دعاية سياسية، قبل أن تعود وزارة الصحة إلى مسار علمي عبر حملات مكافحة فيروس سي والأنيميا والسمنة، والتعاون مع هيئات دولية وتوسيع العلاج. كما حملات سابقة لمواجهة شلل الأطفال والحصبة والدرن حتى أصبحت نادرة بفضل التطعيمات.
المسألة لا تتعلق فقط بتراجع العلم أو ضغوط الاقتصاد، بل بأزمات متشابكة: ثقل المرض، والضغط المعيشي، وتراجع الخدمات
بعد إغلاق عيادته ومنعه من ممارسة المهنة، اتجه العوضي إلى خطاب أكثر هجومية، مقدّماً نفسه “ضحية” للمنظومة، ومستثمراً الغضب الشعبي تجاه قطاع الصحة. ومع وفاته في الإمارات، لم تُغلق القصة، بل انزلقت إلى سيكولوجيا المؤامرة، حيث راجت روايات عن “اغتيال” تورّطت فيه شبكات الأدوية بل والموساد، في امتداد لخطاب يقوم على الشك وغياب التفسير العقلاني. ومع تصاعد الجدل حول “الطيبات” والدعوات إلى استبدال الطعام بالدواء في أمراض مزمنة، أطلقت وزارة الصحة ومعهد التغذية حملات توعوية، لكن التفاعل كشف مجدّداً فجوة الثقة، إذ تساءل قطاع من الجمهور عن تأخر هذه الحملات، وطالب بملفات أوسع تتعلق بسلامة الغذاء ودعم الزراعة وضبط الأسواق وتوفير الدواء وزيادة الإنفاق الصحي.
يتجلى هنا جوهر الخلل؛ فالقضية ليست نصيحة طبية، بل فجوة في علاقة بين المواطن ومؤسّساته. وعندما يهاجم إعلام السلطة ظاهرة ما، يندفع قطاع إلى التشكيك أو معاندة الخطاب، خصوصاً حين تأتي الحملات مرتبكة ومؤطّرة بتفسير سياسي يختزل المشهد في “تيارات سياسية” أو “مؤامرات”، متجاهلة أن جوهرها أعمق، ويتعلق بنظرة قطاع من المصريين إلى الصحة والدواء والدولة والقطاع الخاص. أما حالة صحّة المصريين فهي حلقات تبدأ من الغذاء المنتج في المصانع أو الأرض الزراعية، وما يتطلبه من دعم للفلاح والإرشاد الزراعي، حول نوع المحاصيل والمبيدات، وتمتد إلى النظام الصحي: الدواء وتوفّره، وكفاءة المؤسّسات، وأوضاع العاملين، والرقابة، ونصيب القطاع من الموازنة، وما يزال أقل من المقرّرات الدستورية واحتياجات مجتمع يزداد عدداً وفقراً. ولا ينفصل هذا عن الغذاء الذي يُفترض أنه يتصف بالسلامة، لكنه لا يغني عن العلاج والتقدم الطبي والتطعيمات، باعتباره من أعظم منجزات البشرية في تخفيف الالم.
إجمالاً، تكشف ظاهرة “الطيبات” عن هشاشة بنية صحية واجتماعية تتسرّب منها الخرافة. فالمسألة لا تتعلق فقط بتراجع العلم أو ضغوط الاقتصاد، بل بأزمات متشابكة: ثقل المرض، والضغط المعيشي، وتراجع الخدمات، بما يجعل الأمل الزائف أكثر جاذبية من الحقائق المعقدة. لذلك، لا تتحقّق حماية صحة المصريين بالتخويف أو السخرية أو التسييس، بل بإعادة بناء الثقة في المنظومة الصحية، ورفع مخصّصات الصحة، وضمان أمن غذائي حقيقي من الحقل إلى المائدة. من دون ذلك سيظل المجتمع مهيأً لاستقبال “منقذ” جديد كل عدّة أعوام، يلتف حوله آلاف وربما ملايين الباحثين عن خلاص سريع لأزمات مركّبة.
المصدر: العربي الجديد






