
يوثق كتاب “لتحيا الجمهورية: تونس 1957-2017” وقد صدر عام 2018 تحت إشراف الحقوقي التونسي كمال جندوبي، ويضم مقالات وشهادات وصوراً أرشيفية، لحظات فارقة في عمر تونس منذ إعلان الجمهورية في يوليو/ تموز1957 وصولاً إلى الجمهورية الجديدة بعد ثورة 2011، وما تلاها من مخاض سياسي ودستوري حمل الكثير من مواطن الإلهام عربياً ودولياً. تذكّرت الكتاب، ومررت على صفحاته بالتزامن مع الأزمة الحالية التي تمر بها الحركة الجمعياتية والحقوقية التونسية جرّاء إجراءاتٍ وقراراتٍ اتخذتها السلطات التونسية لتجميد عمل عدة منظمات حقوقية وطنية، منها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، المنظمة الأقدم في تونس والعالم العربي، والتي يعد تاريخها مرآة لمسيرة الجمهورية في تونس. وقد شمل الإيقاف أيضاً الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وجمعية منامتي المعنية بمناهضة التمييز العنصري. وقد تواكبت مع هذه القرارات خطواتٌ تعكس نية الحكومة تعديل المرسوم عدد 88 لسنة 2011 الخاص بالجمعيات الأهلية، لوضع قيود تهدّد حركة عمل هذه الجمعيات واستقلاليتها، ليقترب من النهج السلطوي في إدارة المجتمع المدني والمتبع في معظم البلدان العربية منذ الاستقلالات عن الاستعمار الأجنبي.
لعبت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان أدواراً استثنائية في مناسبات عدة في دعم التوافق الوطن
وقد شكل قانون الجمعيات منذ صدور لحظة استثنائية في مسار تونس بعد ثورة 2011، وفي المنطقة العربية، حيث شهدت تونس طفرة نوعية وكمية في نشاط الجمعيات الحقوقية والأهلية بشكل غير مسبوق في أي دولة عربية أخرى. ومن أهم ما يميز المشهد والثقافة الجمعياتية في تونس تاريخياً تأسيس المنظمات واسعة العضوية، التي تقوم أساساً على الانخراط والنضال التطوعي. تميز المجتمع المدني في تونس بهذا التقليد تأثراً بتراث الحركة النقابية التونسية، والتي تستمر ممثلة في الاتحاد التونسي للشغل، وأيضاً بالنموذج الفرنسي، على نمط رابطة حقوق الإنسان في فرنسا والتي تأسست نهاية القرن التاسع عشر، وتضم في عضويتها مئات آلاف من الفرنسيين.
يشكل تاريخ الرابطة التونسية مرآة لمحطات مهمة في التاريخ السياسي لتونس. تأسّست عام 1976، بمبادرة من سياسيين ومحامين ومثقفين تونسيين بارزين، وناضلت من أجل الحصول على الاعتراف القانوني، ومواصلة عملها رغم ما أصابها من حصار وتنكيل في حقب مختلفة خلال حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي. لا ينفصل تأسيس الرابطة في تلك الفترة عن تحليل قدمه المؤرّخ الأميركي صمويل موين في كتابه “اليوتوبيا الأخيرة: حقوق الإنسان في التاريخ” (2010)، لصعود حركة حقوق الإنسان عالمياً في حقبة السبعينيات، نتيجة تحوّلات سياسية دولية وفي الدول الغربية كان لها الأثر في تحول لغة حقوق الإنسان من لغة قانونية في إعلانات واتفاقيات دولية، لكي تصبح حركة اجتماعية ومؤسسات مدنية تقوم على التعبئة السياسية والاجتماعية محلياً ودولياً، مثل منظمة العفو الدولية. وقد شكل صعود خطاب حقوق الإنسان في تلك الحقبة بديلاً عن يوتوبيات سياسية أخرى فقدت هيمنتها ورمزيتها، مثل الشيوعية والقومية العربية. تعد المنظمة العربية لحقوق الإنسان المنظمة الإقليمية الأولى، وقد تأسّست عام 1983 في قبرص بعد أن رفضت الدول العربية استضافة مؤتمر عن الديمقراطية في الوطن العربي، والذي انتهى بالإعلان عن تأسيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان، لكن الجمعيات الحقوقية بدأت في الظهور في تونس ودول شمال أفريقيا وفي فلسطين منذ السبعينيات.
التراجع في تونس على مستوى التقاليد الدستورية والحقوقية لن يطول
لعبت الرابطة التونسية أدواراً استثنائية في مناسبات عدة في دعم التوافق الوطني. كانت لقيادي الرابطة مساهمة في الاعتصام والإضراب عن الطعام الشهير الذي بدأ داخل تونس في 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2005 ضد اعتداء نظام بن علي على الحرّيات الديمقراطية، وانتهى بتأسيس هيئة 18 أكتوبر، والتي لعبت دور حوار ووساطة أجرى في المهجر بين القوى السياسية والحقوقية للتوصل لوفاق وطني وسياسي حول توافق الحد الأدنى للمبادئ الحقوقية والدستورية الحاكمة للجمهورية في تونس، والذي ساهم لاحقاً في تهيئة مسار وترتيبات الانتقال بعد الثورة. وعاد دور الرابطة وأعضائها إلى الصدارة في 2013 عبر رعايتها حواراً وطنيّاً إلى جانب الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة، ونقابة المحامين، أنهى استقطاباً حادّاً كان يهدّد بسقوط تجربة التحول الديمقراطي في تونس، وانتهت هذه الوساطة بالتوافق على الدستور التونسي الصادر في يناير/ كانون الثاني 2014. وقد نالت المنظمات الراعية الأربع جائزة نوبل للسلام تقديراً لهذا الدور التاريخي.
ورغم معاناة هذه الجمهورية الديمقراطية الوليدة فيما بعد من إجراءات دستورية استثنائية تحت ولاية الرئيس الحالي قيس سعيد، فإن قناعة كاتب هذه السطور أن التراجع الحالي في تونس على مستوى التقاليد الدستورية والحقوقية لن يطول، وأن تونس ستعود إلى طريق الديمقراطية. ولا تنطلق هذه القناعة من إفراط في التفاؤل، إنما من واقع التاريخ، وثراء الثقافة والنخب المدنية لهذا البلد، خصوصاً في شقها الحقوقي والجمعياتي والنقابي، والذي لعب دوراً مركزياً في الانتقالات السياسية الأهم في تونس منذ استقلالها.
المصدر: العربي الجديد






