
لم يكن العراق بمعزل عمّا جرى من حرب إسرائيلية أميركية على إيران، بل وجد نفسه في عين العاصفة؛ إذ تحوّل العراق منذ اللحظة الأولى لتلك الحرب إلى جبهة إسناد ودعم لطهران. ربّما صدم هذا التحوّل كثيرين، لكنّه لم يفاجئ من كان يتابع بدقّة حيثيات المشهد العراقي 23 عاماً أعقبت الغزو الأميركي (2003- 2026)، وكيف تحوّلت البلاد تدريجياً إلى “حديقة خلفية” لإيران، تماهى فيها الفاعل الرسمي مع غير الرسمي في دولة تلاشت فيها الحدود الفاصلة بين سلطة القانون واللاقانون. وقبل أيّام، أعلنت الأجهزة الأمنية التركية اعتقال العراقي محمّد باقر السعدي، القيادي في كتائب حزب الله العراقي، والمقرّب من الحرس الثوري الإيراني، وقد كان ينشط في جبهات المعارك التي خاضها “الحرس” وأذرعه في العراق وسورية على مدى أكثر من عقد ونصف عقد.
مهمّة الزيدي معقّدة ومزدوجة، فالدعم الأميركي الواضح له ولحكومته يبقى مشروطاً بقدرته الفعلية على فكّ الارتباط بين الدولة واللادولة، ونزع سلاح الفصائل
جاء الاعتقال، بحسب المُعلَن، بناءً على طلب من واشنطن، إذ نُقل السعدي إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهم عديدة، من أبرزها التخطيط لنحو 20 هجوماً في أوروبا، ودعم تنظيمات مصنّفةً إرهابيةً مدعومة من إيران، وتقديم الدعم المالي لكتائب حزب الله والحرس الثوري، فضلاً عن التخطيط لاستهداف أميركيين ويهود في لوس أنجليس ونيويورك. ورغم أنّ بعض التفاصيل المحيطة بعملية الاعتقال قد تفتقر إلى الدقّة، مؤكّد أنّ العملية تمت في الأراضي التركية بطلب أميركي، ومؤكّد أيضاً أنّ السعدي كان له نشاط بارز في منصّات التواصل الاجتماعي، مستغلّاً إياها لنشر أفكار عملياتية ومخطّطات هجومية، ناهيك عن تهديداته المستمرّة، والموثّقة، لناشطين عراقيين عديدين.
ما يستدعي التوقّف عنده مليّاً أنّ السعدي يحمل جواز سفر دبلوماسياً، ما يثير الريبة، فالرجل لم يتقلّد أيَّ منصب رسمي في الدولة العراقية منذ عام 2003، ولم يُسجّل له أيُّ قيد وظيفي في المؤسّسات الحكومية. فمن أين حصل على وثيقة دبلوماسية تخوّله التنقّل بحرّية من دون تأشيرة بين البلدان؟ هنا الكارثة الحقيقية، إذ ستفتح هذه الحادثة الباب أمام تساؤلات حتمية من القنوات الدبلوماسية الدولية حول معايير منح الجوازات الدبلوماسية في العراق، بعد أن تبيّن أنّها تُمنح لشخصيات ملاحقة دولياً مثل السعدي وغيره.
يشكّل هذا التماهي بين الرسمي وغير الرسمي المعضلة الأبرز في عراق ما بعد 2003. فقد انهارت مؤسّسات الدولة عقب الغزو بفعل قرارات أميركية بدت للوهلة الأولى ارتجاليةً، إلّا أنّ الوقائع أثبتت أنّها كانت مدروسةً لإبقاء العراق ضعيفاً ومسلوبَ السيادة، وعلى أنقاض تلك الفوضى “الخلّاقة” التي خلّفها الاحتلال، أُعيد تشكيل المؤسّسات العراقية وفق نسق مشوّه.
وفي غمرة هذا المناخ، كان لأذرع إيران (نبتت في كنف الحرس الثوري) اليد الطولى في عملية إعادة التأسيس، مستفيدةً من أنّها السبّاقة في التعاون مع قوى الغزو، فتحوّل الجندي الهارب من الجيش العراقي (واحتضنته طهران لاحقاً، ودرّبته) في الثمانينيّات، إبّان الحرب العراقية الإيرانية، إلى وزير وضابط ومسؤول رفيع، والأسماء هنا أكثر من أن تُحصى.
كانت إعادة تشكيل مشوّهة، عرفت إيران كيف تستثمرها بدقّة، بينما تعامت عنها واشنطن لحاجتها إلى كبح جماح المقاومة العراقية المتنامية آنذاك. ونتيجة لذلك، تضخّمت “الدولة غير الرسمية” (دولة المليشيات) لتصبح هي الواجهة الفعلية للعراق في العديد من المحافل، والمتحدّث الأساس باسمه، حتّى غدا الخطّ الفاصل بين منطق الدولة واللادولة شبه منعدم.
وفي الحرب أخيراً، انخرطت فصائل ومليشيات مسلّحة تحظى بغطاء رسمي (في مفارقة غريبة لدولة تملك مليشياتها الخاصة) في عمليات قصف واستهداف لدول الخليج العربي والأردن إسناداً لإيران. وبينما كانت الحكومة تنفي رسمياً تلك الهجمات، كانت هذه الفصائل تبثّ لقطات حيّة لعمليات الإطلاق متبنّيةً إيّاها علناً. والمفارقة الأشدّ مرارةً، أنّ الحكومة لم تقع في حرج حقيقي، بل إنّ بعض الناطقين باسمها انبروا للدفاع عن وجهة نظر تلك الفصائل بذريعة الارتباط العَقَدي، وهو ما يوضّح عمق الكارثة البنيوية التي تعيشها البلاد.
أمام هذا الواقع، يبدو رئيس الوزراء علي الزيدي (نالت حكومته ثقة البرلمان قبل أيّام منقوصةً منها تسع وزارات بسبب المحاصصة وخلافات الكتل السياسية) أمام مهمّة معقّدة ومزدوجة، فالدعم الأميركي الواضح له ولحكومته يبقى مشروطاً بقدرته الفعلية على فكّ الارتباط بين الدولة واللادولة، ونزع سلاح الفصائل، وحصر السلاح بيد المؤسّسة العسكرية النظامية.
على أنقاض الفوضى “الخلّاقة” التي خلّفها الاحتلال، أُعيد تشكيل المؤسّسات العراقية وفق نسق مشوّه
في المقابل، ستواجه هذه الاشتراطات الأميركية بمحاولات التواء وتمويه من القوى السياسية النافذة التي تمتلك أجنحةً مسلّحةً؛ فيجري الحديث الآن عن دمج هذه الفصائل وسلاحها تحت مظلّة “الحشد الشعبي”. ومعلوم أنّ هذه المؤسّسة (على الرغم من صفتها الرسمية) تضمّ ألويةً تابعةً للغالبية العظمى من المليشيات التي تورّطت في قصف دول الجوار، ممّا يعني الدوران في حلقة مفرغة.
وفي هذا السياق، جاء الخطاب الأوّل لرئيس الحكومة علي الزيدي محملاً بوعود “استعادة هيبة الدولة” والالتزام بـ”منهج السيادة الكاملة”، وهي لغة دغدغت آمال الشارع المُتعَب، لكنّها تبقى مجرّد “إعلان نيّات” مكرّر مع بداية كلّ تشكيل حكومي جديد، ثمّ ما تلبث أن تصطدم بجدار الولاءات العابرة للحدود، التي تتحكّم بمفاصل القوة الحقيقية على الأرض.
ليس السعدي، الذي كان يتنقل بين الدول بجواز سفر دبلوماسي، الوحيد ولن يكون الأخير، بل هو جزء من حلقة كبيرة وممتدّة ابتلعت المؤسّسات الرسمية في العراق، وحوّلتها إلى مجرّد أدوات بيد الفاعل الحقيقي في السلطة: “المليشيات”، ولعلّ فتح ملفّ الجوازات الدبلوماسية في العراق سيفتح ثقباً أسود في منظومة الدولة العراقية التي تشكّلت عقب الغزو الأميركي عام 2003.
هذه الأسباب كلّها، وغيرها كثير، تدفع إلى القول إنّ العراق سيكون في مواجهة حتمية مع المجتمع الدولي؛ فإمّا أن تمتلك حكومته القدرة والفاعلية التي وعدت بها لإعادة تشكيل المؤسّسات الحكومية بعيداً من سطوة مليشيات السلاح والتبعية، أو أن البلاد ستجد نفسها أمام معضلة تصنيف دولي وعزلة خانقة تمنعها من أن تكون جزءاً طبيعياً من المنظومة العالمية، وهو سيناريو يحمل تبعات اقتصادية وسياسية كارثية لا تقوى بغداد على تحمّلها.
المصدر: العربي الجديد






