
ليس ميسوراً، حتى اللحظة، الجزم بمكتسبات يُعتدّ بها حققها الرئيس الأميركي دونالد ترامب من زيارته العاصمة الصينية. ربّما تكون هناك تفاهمات استراتيجية بين الطرفَين لم تُعلَن، قد تظهر تجلّيات لها في الأفق قريباً أو بعد حين. ومما يظهر يمكن القول إنّ اللقاء الأميركي – الصيني لم يكن فاشلاً، ولكن من المبكّر إعلان نجاحه في إحداث اختراقات يُعوّل عليها. صحيحٌ أنّ ترامب أعلن إبرام “اتفاقات تجارية رائعة” مع نظيره الصيني شي جين بينغ، تصبّ في مصلحة البلدَين، لكنّ الطرفين تجنّبا كشف تفاصيل اتفاقات ملموسة.
بدا واضحاً من تركيبة الوفد المرافق لترامب أنّ الغاية الأساسية للقمّة اقتصادية، إذ ضمّ مسؤولين تنفيذيين من شركات أميركية كُبرى، منها تسلا وإنفيديا وبوينغ، بحضور الرئيسَين التنفيذيَّين إيلون ماسك (تسلا)، وجينسن هوانغ (إنفيديا)، ما يعكس رغبةً يمكن وصفها بأنّها “متبادلة” بين الطرفين بالتعاون في قضايا الذكاء الاصطناعي وفي مجال الرقائق الإلكترونية، والتغلّب على حالة الحذر بين أكبر اقتصادين في العالم، شهدنا بينهما حرباً تجارية في السنوات الماضية ما تزال تلقي بظلالها الثقيلة، رغم الهدنة المؤقّتة المتعلّقة بالرسوم الجمركية. لكنّ المفارقة أنّ ترامب نفسه صرّح أنّ الرسوم الجمركية لم تُناقش أساساً في القمّة، على الرغم من أنّها كانت أحد أبرز أسباب التوتّر في العلاقات الثنائية، ويشير مراقبون إلى معضلة واضحة في هذا السياق: فواشنطن تسعى إلى تقييد وصول الصين إلى التقنيات المتقدّمة، خصوصاً في مجال الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية، لكنّها في الوقت ذاته لا تستطيع تجاهل حجم السوق الصينية بالنسبة إلى الشركات الأميركية العملاقة.
لم يتضمّن ما صدر عن القمّة إشارات واضحة إلى الذكاء الاصطناعي، باستثناء تصريح مقتضب لترامب عن مناقشة “ضوابط قياسية” للتعاون المحتمل في هذا المجال، وإعلان البيت الأبيض اتفاقاً لإنشاء “مجلس تجارة” لإدارة العلاقات الاقتصادية بين البلدَين، بما يجنّب العودة المتكرّرة إلى مفاوضات الرسوم الجمركية. ورغم أنّ هذه الخطوة قد تُقرأ بعدّها محاولةً لبناء آلية مؤسّسية أكثر استقراراً، أقرّ مسؤولون أميركيون بأنّ الطريق ما يزال طويلاً قبل ترجمة هذا إلى نتائج عملية.
بالمثل، أعلن ترامب أنّ الصين وافقت على شراء مائتي طائرة بوينغ، مع احتمال شراء 750 طائرة إضافية، إلى جانب تعهّدات بشراء كمّيات ضخمة من فول الصويا الأميركي، غير أنّ بكين امتنعت عن تأكيد هذا، مكتفيةً بالقول إنّ العلاقات الاقتصادية بين البلدَين تقوم على “المنفعة المتبادلة والتعاون المربح للطرفَين”.
يمكن القول، في حدود ما يُستشفّ ممّا هو مُعلَن، إنّ ترامب عاد من بكين بإعلان تفاهمات تجارية أوليّة، وتمديد مناخ التهدئة مع الصين، وفتح الباب أمام استمرار الحوار عبر آلية جديدة مثل “مجلس التجارة”، وهو مكسبٌ مهمّ في ظلّ هشاشة العلاقة بين البلدَين، مع إبقاء الملفّات الخلافية تحت السيطرة، لكنّه لم يحصل على اختراق حاسم في ملفّات الرسوم الجمركية أو التكنولوجيا أو تايوان، حتى لو نجح في منع انفجار هذه الملفّات حالياً.
السؤال الأكثر أهمّيةً في لحظتنا الراهنة يتّصل بما دار بين الزعيمين في ملفّ إيران ومضيق هرمز، إذ سبقت القمّة بينهما ترجيحات بأنّ ترامب سيسعى إلى استدراج الصين إلى لعب دور ضاغط على طهران لضمان استقرار الملاحة واحتواء تداعيات الحرب. وهنا أيضاً يظلّ الأمر غامضاً إلى حدٍّ ما. ثمّة إشارات صينية إيجابية لكنّها لا تبدو ملزِمة، وبحسب تصريحات ترامب، أبدى شي جين بينغ رغبةً في بقاء مضيق هرمز مفتوحاً، وهذا منطقي، لأنّ الصين تعتمد بشدّة على نفط الخليج، وأيّ تعطيل للمضيق يضرّ اقتصادها. وفيما يتّصل بملفّ الحرب نفسها وتسوية النزاع، بدا أنّ الموقف الصيني اقتصر على الدعوة إلى وقف إطلاق نارٍ شامل وإعادة فتح الممرّات الملاحية، وهي صياغة دبلوماسية عامّة لا تعني اصطفافاً مع واشنطن، بل تعكس حرص بكين على الاستقرار الإقليمي وحماية مصالحها التجارية، فيما كانت رغبة ترامب تأدية بكين دوراً أقوى في الضغط على إيران.
عاد ترامب من بكين بتهدئة مؤقّتة، ووعود اقتصادية، وصور دبلوماسية جيّدة، أكثر من عودته باتفاق تاريخي مكتمل.
المصدر: العربي الجديد






