
يمثّل اغتيال حكومة نتنياهو القيادي في حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، عز الدين الحداد، جزءاً رئيساً من الاستراتيجية الإسرائيلية التي نضجت بعد “7 أكتوبر” (2023) لولادة إسرائيل الجديدة داخلياً وإقليمياً، وإذا كانت الحرب الأميركية ـ الإيرانية قد توقّفت مؤقّتاً، فلن يغيّر هذا شيئاً أو يُعيد عقارب الساعة إلى الوراء. يلعب نتنياهو مع ترامب لعبة مختلفة، يبدي له أنّه يوافقه في بعض التفاصيل، لكنّ الخطة الرئيسة لم تتغيّر، لا في غزّة ولا في الضفّة الغربية ولا في لبنان أو حتى في سورية، فضلاً عن إيران. يجرّ معه إدارة ترامب الساذجة لشؤون المنطقة إلى ما يريده فعلاً.
ما الذي يريده نتنياهو؟ تغيير كامل في قواعد اللعبة. ليس متردّداً مثل ترامب. ويريد تكريس نظرية أو عقيدة جديدة تقوم على التفوّق الكامل في المنطقة، ولا يريد أنصاف خطوات مثل ترامب، لكنّه في الوقت نفسه لا يريد أن يبدو في مواجهة معه. في لبنان، وافق على الهدنة والدخول في مفاوضات مع الحكومة اللبنانية، لكنّه يمضي في تكريس واقع جديد يقوم على إنهاء أيّ مصدر تهديد من حزب الله. ولديه قناعةٌ بأنّ الحكومة اللبنانية لا تمتلك الأدوات ولا القدرة على نزع سلاح الحزب، وبالتالي، يريد وضع خطوط جغرافية وعسكرية جديدة تنهي حزب الله، ولن يتوقّف قبل ذلك. والحال نفسها بالنسبة إلى علاقته مع الحكومة السورية الجديدة التي لا يثق بها، لذلك يُظهر التزاماً ظاهراً بأجندة أميركا في سورية ظاهرياً، لكنّه عملياً ينفّذ خطّةً بعيدة المدى لتحويل الجنوب السوري إلى منطقة ضعيفة، مع اللعب بورقتي السويداء والشيخ حكمت الهجري، وبناء نفوذ إسرائيلي هناك.
وفي غزّة، وافق على “مجلس السلام” الخاصّ بترامب والهدنة، لكنّه عملياً يوسّع منطقة “الخطّ الأصفر”، ويحدِث حالةً من البؤس والفوضى في غزّة، ولم يتوقّف، بل يخطّط للبقاء في غزّة واحتلال جزء كبير منها، ويراهن على فشل خطط ترامب هناك. أمّا الجائزة الكُبرى فهي في الضفة الغربية وإنهاء السلطة الوطنية الفلسطينية واتفاق أوسلو (1993). لا توجد خطّة أميركية بديلة، بل “فيتو” أميركي بائس ضدّ ضمّ الضفة، بينما يمضي الضمّ بصوره كلّها، وهناك خطّة كاملة لتفريغ الضفّة من السكّان على المدى القريب والمتوسّط.
يرسم نتنياهو خطوطاً صفراء في المنطقة كلّها، ويريد إعادة تشكيلها وبناء موازين قوى جديدة، وإذا كان مسار طهران قد تعطّل مؤقّتاً، فهو بالنسبة إليه هدف لا بدّ من تحقيقه من أجل الهيمنة الإقليمية. طبعاً، يحاول ترامب حماية نتنياهو من نفسه، لأنّه في الوقت الذي يهاجم فيه أعداءه هنا وهناك، يصنع أعداءً جدداً ومحاور أخرى تخشى من لعبته الاستراتيجيه التي لن تؤدّي إلى أمن إسرائيل، بل إلى توريطها في مزيد من التوتّرات والمشكلات. لكنّه لا يحمل رؤية أخرى غير الحروب والصراعات بوصفها الضامنة الوحيدة التي يؤمن بها لأمن إسرائيل ومستقبلها.
يقول التاريخ في المنطقة شيئاً مختلفاً تماماً، فالقوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها إنتاج استقرار دائم، ولا يمكن لأيّ مشروع قائم على الإقصاء والتفوّق المطلق وإعادة تشكيل المجتمعات بالقوة أن يضمن الأمن على المدى الطويل؛ وما يفعله نتنياهو اليوم قد يمنح إسرائيل تفوّقاً مؤقّتاً، إلّا أنّه، في الوقت نفسه، يزرع بذور موجات جديدة من الصراعات والتوتّرات والانفجارات الإقليمية التي قد تكون أكثر خطورةً وتعقيداً من كلّ ما شهدته المنطقة خلال العقود الماضية.
لهذا كلّه، ليست الرسالة الحقيقية التي يحملها اغتيال عزّ الدين الحداد أمنية فقط، بل سياسية واستراتيجية بامتياز… بالنسبة إلى نتنياهو، المهمّة لم تُنجز بعد.
المصدر: العربي الجديد






