موسم الهجرة إلى دمشق       

 حسان الأسود

 

تُعاني دمشق من ضغط هائل في الانزياح السكاني. لم يكن هذا الأمر نشازاً عن سيرة التطور العمراني في سورية منذ تأسيسها دولة وطنية منتصف القرن الماضي بعد جلاء المستعمر الفرنسي. لعبت المركزية الشديدة في أنظمة الحكم المتعاقبة دوراً جوهريّاً في تشكيل الديمغرافيا السورية. كان السكّان ينتقلون إلى حيث فرص الحياة الأفضل، وهذه الفرص كانت متاحة في العاصمة ومراكز المدن الكبرى، مثل حلب وحمص بدرجة أقل. ميزة العاصمة، أو مثلبها، أنّها مركز وجود السلطات الرئيسة في الدولة، ففيها رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء والبرلمان والوزارات جميعها والمؤسّسات والشركات الكبرى وغيرها من مواقع اتخاذ القرار. ليس هذا فحسب، بل لعبت المركزية دوراً في تثبيت خدمات بعينها للمواطنين لا يمكنهم الحصول عليها إلا في العاصمة.

كانت هجرة الريف إلى المدينة في سورية أحد أشكال التأقلم مع نقص الخدمات

كان مرضى السرطان من جميع أنحاء الدولة مضطرّين للسفر إلى مشفى البيروني، وهو المستشفى الحكومي الوحيد المتخصص في معالجة هذه الأمراض. لنا أن نتخيّل معاناة أهالي القامشلي ودير الزور وإدلب في سبيل الوصول إلى أبسط خدماتٍ متوقعة في مجال الصحّة!
أخّرت سياسة التقسيم التي انتهجتها سلطات الانتداب الفرنسي هذه المركزية عندما قسمت سورية إلى أربع دويلات عمّر بعضها 16 سنة. والمفارقة العجيبة أنّ الآباء السوريين المؤسسين كانوا قد اختاروا نظاماً لا مركزيّاً موسّعاً وحتى شبه اتحادي في دستورهم العتيد الذي أقرّه المؤتمر السوري الأول عام 1920. لكنّ التحوّل نحو المركزية الشديدة أتى من خلفية نفسية عميقة تجذّرت في نفوس السوريين بعد الاستقلال. كانت المركزية من أشكال التعبير عن رفض التقسيم والانفصال. فبعد الصدمة الأولى التي تلقاها السوريون جرّاء اقتطاع لبنان وفلسطين والأردن من الجسد الأم، وبعد محاولة تفتيت المتبقي من سورية الحالية، بات الحديث عن اللامركزية كفراً بواحاً مرتكزاً في خبايا الضمير الوطني السوري. لم يأت هذا من تجربة فاشلة للإدارة لا مركزية نُهجت فعلاً وأثبتت عدم نجاعتها بالتجربة، بل من متعلقات لصقت بالابتعاد عن العاصمة فأصبحت وصمة وجدانية وخطراً يهدد وحدة البلاد المفترضة.
راكمت الانقلابات العسكرية المتلاحقة هذا الشعور نفسيّاً وهذا السلوك عملياً في الحياة السورية. منذ انقلاب حسني الزعيم عام 1949 وحتى مؤتمر إعلان النصر بعد سقوط الأسد في 29 ديسمبر/ كانون الأول 2024 تكرّست المركزية في الحياة السياسية والإدارة والاقتصادية السورية. كانت لكل مرحلة مبرّرات اعتماد المركزية الشديدة، وجميعها اشتركت في ضرورات السيطرة والضبط من الجماعة المسيطرة على السلطة السياسية، رغم اختلاف بعض التفاصيل هنا وهناك. المرحلة الراهنة، وبعد 14 سنة من الصراع، أعادت مؤشّرات المركزية إلى الصدارة، وتكرّس هذا في الإعلان الدستوري الذي ربط كل شيء بمنصب رئيس الدولة في المرحلة الانتقالية المحدّدة بخمسة أعوام. في الواقع، يبدو الأمر مختلفاً جزئيّاً، فكثير من القوى الفاعلة لم تتخلّ عن امتيازاتها، بحكم أنّها لم تفقد عناصر قوتها من خلال الدمج القسري أو الاندماج الطوعي التدريجي في مؤسّسات الدولة. يصلح على بعض ما يجري في سورية اليوم وصفٌ أطلقه أحد خبراء الحوكمة بالقول: إنّه عصر الإقطاع الحر، وكأننا عدنا إلى نظام التيمار أو الالتزام العثماني، وفي بعض الأحيان نظام الخواص الهمايوني!
رتّب هذا كلّه شكلاً من التغيير الديمغرافي الطوعي ظاهريّاً والقسري فعليّاً. كانت هجرة الريف إلى المدينة أحد أشكال التأقلم مع نقص الخدمات. كذلك شكّلت العاصمة ومراكز المدن الكبرى عناصر جذب للكفاءات وأصحاب التميّز والطموح. صارت العاصمة مع الزمن مهوى أفئدة الشعراء والفنانين والتكنوقراط ورجال الأعمال والمستثمرين وكبار الموظفين، كما أصبحت أطرافها تجمعاتٍ للعشوائيات التي عمّرها أبناء الريف القادمين للالتحاق بوظائفهم أو لمحاولة الحصول على فرصٍ أفضل للحياة. ساهمت هزائمنا أمام إسرائيل بتهجير أهالي الجولان ومدينته الرئيسة القنيطرة، وسكن المهجرون من العرب والشركس في أطراف دمشق، فكانت العشوائيات ومدن الصفيح الصفة الملازمة لهذا التهجير. لعب انقلاب البعث دوراً مركزيّاً في 1963 في هذا التغيير الديمقراطي. أُحلّ الأقارب والأصدقاء والمعارف والحاضنة الموثوقة للضباط الانقلابيين في دمشق وأطرافها. عزّز “البعث” أولاً ومن ثم حافظ الأسد هذا التغيير الديمغرافي من خلال التشريعات الاستثنائية في مجالات الاستملاك والإيجار وغيرها. أصبح سكّان العاصمة من الدمشقيين محاصرين من كل صوب بحلف عقدته نخبتهم الاقتصادية وقيادتهم الدينية مع العسكر. اضطرّت عوائل كثيرة للخروج من دمشق إلى مدن الريف، مثل دوما وحرستا وغيرهما.

نشهد مركزية تكرّس حالة أدمنت عليها البلاد حتى أصبح موسم الهجرة إلى دمشق مواسم متكرّرة متلاحقة لا انقطاع فيها

الشيء نفسه يتكرّر اليوم في العاصمة دمشق، وقد يكون في حلب وحمص بدرجة أقل ولأسباب مختلفة. يضاف أنّ العائدين من السوريين المقتدرين نوعاً ما، يفكّرون بالاستقرار في دمشق بالدرجة الأولى لأسبابٍ كثيرة. أولها توفر الخدمات والأمان النسبي وفرص الاستثمار والتطوّر. يسبب هذا ضغطاً مضاعفاً على المدينة وعلى سكانها من أهلها ومن القادمين إليها سابقاً وحاليّاً على المستوى نفسه. الموضوع دائرة مغلقة تتفاعل جدليّاً بما يكرّرها ويعيدها فيكرّسها حتى تنتقل من مستوى المشكلة إلى مستوى المعضلة. يؤدي هذا، بشكل أو بآخر، إلى ارتفاع الطلب على المساكن ومحلات التجارة والعقارات، كما يشكل ضغطاً على البنى التحتية وعلى المؤسّسات الخدمية. لولا أنّ الهطولات المطرية الشتاء الماضي كانت فوق المعتاد منذ آخر جفاف ضرب البلاد عام 2007، لكنّا شهدنا أزمة حقيقية في مياه الشرب في العاصمة دمشق خصوصاً.
ورغم أنّ نظام “الإقطاع الحر” يمارس فعله في كل جهات الدولة، إلا أنّ تمركز نتائجه يكون في العاصمة أيضاً. هذا العامل يلعب دوراً رئيساً في تكريس المعاناة. تبدو المفارقة واضحة للعيان، ليس بين مركز العاصمة وأطرافها، بل بين أحياء المركز نفسه. لا يحتاج المرء أكثر من شارع يقطعه لينتقل رأساً على عقب بين قعر الفقر وقمّة البذخ. هكذا تعيش الشام اليوم مأساتها بين ضرورات البناء وإعادة الإعمار والحاجة إلى الاستثمار، وبين معوقات الاستيعاب القادرة على تلبية احتياجات الساكنين فيها والقادمين إليها. هكذا نشهد مركزية تكرّس حالة أدمنت عليها البلاد حتى أصبح موسم الهجرة إلى دمشق مواسم متكرّرة متلاحقة لا انقطاع فيها. أمّا الحل، فيكمن في بعض ما يكمن، بلا مركزية حقيقة موسّعة تنتج أطرافاً قوية مرتبطة بمركز قوي، وغير هذا سنبقى مع سيزيف في صراع الجاذبية والصخرة.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى