لبنان في حقيقة مواقفه… الطائفية

عصام سحمراني

عند كلّ مفترق، وأمام كلّ قضية، وفي قلب الأزمات جميعاً، ومنها العدوان الإسرائيلي الحالي على لبنان، تبرز الطائفية محرّكاً أساسياً. يؤجّج سياسيون هذا المحرّك، وتتلقّفه جماهير جاهزة تجد منافذ عدّة مفتوحةً لها كي تشتم، وتحرّض، وتغالي في “مثاليتها” مقابل كلّ “موبقات” غيرها. ولعلّ الطائفية الأسوأ هي التي ترضى بنوع من الوطنية تكون فيها غلبة لطائفة على بقية الطوائف، أو بتحالف طائفتَين على حساب الطوائف الأخرى، وهو ما يمكّن زعماء الطوائف من الحكم وإبراز هذه البنية المهترئة في الخارج على أنّها دولة فقط لأنّ أصوات بقية الطوائف غير مسموعة. ويلاحَظ تبادل الأدوار والمصالح بين الطوائف الكُبرى تاريخياً.
قد تكون المصيبة في أنّ معظم الناس عاجزون عن الخروج من طائفيتهم المفروضة عليهم، بل أكثرهم لا يريدون الخروج أساساً، إذ يدافعون عن بقاء الوضع كما هو، وهو ما يؤسّس لازدواجية غريبة لدى كلّ فرد، تجعل له خطاباً داخلياً متمايزاً تماماً من الخطاب الخارجي. لكن، في المفترقات، عندما تشتعل الأزمة (كما الحال اليوم)، ونحن نتلقّى الصواريخ الإسرائيلية، وتنشأ أزمة تهجير خطيرة، وتتفاوض الحكومة مع العدو، يبادر الزعماء إلى شدّ العصب، فيطغى الخطاب الداخلي على الخارجي، ويخرج خطاب الطوائف الحقيقي وفوقيتها وتمييزها وتمنينها وتهديدها وتخوينها… وكلّ ما يجعل أبناءها يقدّمون طائفتهم على وطنهم في التعريف بهُويّتهم: “أنا ابن الطائفة الفلانية”، وليس “أنا لبناني”.

الطائفية ابنة البيت قبل أن تكون ابنة المدرسة، وكثيرٌ من التربية يأخذ أبعاداً طائفية، ليمتدّ ذلك إلى التنشئة الاجتماعية

المسألة تربوية، فالتربية تأتي قبل التعليم، والطائفية ابنة البيت قبل أن تكون ابنة المدرسة، وكثيرٌ من التربية يأخذ أبعاداً طائفية، ليمتدّ ذلك إلى التنشئة الاجتماعية. ومهما كانت الوجبة التربوية المقدّمة من المدرسة إلى جانب الوجبة التعليمية، يتلقّى الفرد تنشئةً موازية تحافظ في الغالب على “النسيج الطائفي”، لا يختلط فيها مع “دخلاء” و”غرباء” في الحيّ والنادي والمركز الديني، بل حتى في القناة التلفزيونية الغالبة في منزل العائلة، ونشرة أخبارها المسائية الموجّهة. في مرحلة لاحقة، ما بعد مدرسية، قد يتعصّب الفرد لطائفته أو يغلّب طائفيته على وطنيته، تبعاً للخطاب الداخلي الغالب لديه. وفي لبنان يُجبَر الذين يريدون أن يتقدّموا في حياتهم من الخرّيجين الثانويين والجامعيين على الدخول في لعبة المحاصصة الطائفية للتنافس على الوظائف العامّة، رغم أنّ هؤلاء بالذات، ولا سيّما الجامعيين، أكثر قدرةً على التفكير النقدي من أقرانهم من المتسرّبين مدرسياً في مراحل سابقة، وإلّا فما نفع كلّ ما تعلّموه إن لم يتعلّموا الانفتاح على جميع الآراء والنظريات وعدم التعصّب لمقولة واحدة بعدّها الحقيقة الكونية المطلقة؟ لكنّهم أيضاً (حتى من تعلّموا التفكير النقدي) يدركون، من منطلق براغماتي، أنّ الطائفة قبل أيّ كفاءة في هذا البلد. ومفتاح الوظيفة العامّة، وربّما الخاصّة في أحيانٍ كثيرة، ومعها التلزيمات والمناقصات والمزايدات، هو زعيم الطائفة وحصّته التي يراد لها بالتأكيد أن تتحوّل إلى تأييدات له ممَّن عيّنهم ووكّلهم ومن عائلاتهم، وهو ما يظهر في الشراكات بالأرباح، وفي الانتخابات، والتظاهرات، وصولاً إلى المعارك ذات الصبغة الطائفية، فالمثل ذو الدلالة السوسيولوجية واضح حين قال: “اللّي بياكل من خبز السلطان بيضرب بسيفه”.
هكذا تحكم البنية التقليدية، في الغالب، ولا تؤسّس دولةً لم يبلغها لبنان بعد 105 أعوام على تأسيسه، و82 عاماً على استقلاله، و80 عاماً على مشاركته في تأسيس الأمم المتحدة والانضمام إليها. تلك البنية هي التي تحرّك الجماهير في اتجاهات مختلفة لكنّها في الوقت نفسه متآلفة في جعلهم مدافعين شرسين عن تقليديّتها، وإلّا فكيف تبقى العائلات الحاكمة هي نفسها عقوداً؟ وكيف يستمرّ أصحاب المناصب في مناصبهم إلى أن يموتوا؟

بتقديم المحرّك الطائفي على كلّ ما عداه، يمكن أن تقاس مواقف اللبنانيين وانحيازاتهم من أيّ قضية

وفي المقابل، كيف يُستبعد كثيرون رغم كفاءتهم ولا يبرزون إلّا خارج لبنان؟ وكيف لم نشهد إنجازاتٍ كبيرةً في الداخل اللبناني؛ من فتوحات علمية وابتكارات واختراعات وأرقام قياسية، فيما نحتفي دائماً بلبناني حقّق إنجازاً ولم يكن في لبنان منذ ثلاثين عاماً وأكثر؛ بل يمثّل ويحمل جنسية بلد آخر، والأسماء كثيرة طوال تلك العقود، وفيما لا إنجازات لدينا ممّا ترعاه تلك البنية التقليدية وتروّجه، غير أكبر “صحن تبّولة” وأكبر “كوب ليموناضة” وأطول “سندويش لبنة”، وتفاهات من هذا القبيل! هناك أمثلة بالتأكيد لأشخاص عملوا بجهد وتعبوا وحقّقوا إنجازات عدّة لها قيمتها المعتدّ بها في مجالاتهم، لكنّ هؤلاء للمصادفة أو ربّما بطبيعة الحال، هم (في معظمهم) ممَّن تمكّنوا من كسر حاجز البنية التقليدية والخروج إلى عالم أرحب يتجاوز الوطنية، إلى الإنسانية عموماً، ولو من دون ضجيج.
وبذلك، يترسّخ واقع أنّ “الأمان الوظيفي/ الاقتصادي” و”الأمان المجتمعي” يتجسّدان في البنية التقليدية، ولعلّها أسهل الطرق للفرد لتحقيق ذاته، سواء أأدرك ذلك أم لم يدركه، فيما الخروج من هذه البنية هو خروج عن قيد الزعيم الطائفي، إلى المواطَنة “الحاف”، وليتحمّل الخارجون اختيارهم، إذ لن يجدوا من يناصرهم في ذلك إلّا كذباً وركوباً لموجة، يوفّران مصلحةً آنيةً، أو يرسّخان زعامةً طائفيةً، كما شهدنا في تحرّكات حقوقية عدّة في السنوات الماضية.
بتقديم المحرّك الطائفي ذاك على كلّ ما عداه، يمكن أن تقاس مواقف اللبنانيين وانحيازاتهم من أيّ قضية، وأهمها اليوم قضية العدوان الإسرائيلي.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى