هل باتت الانتخابات المبكّرة حتميةً في تركيا؟

ماجد عزام

                  

خاض زعيم المعارضة في تركيا، رئيس حزب الشعب الجمهوري أوزغور أوزال، في الأشهر الماضية، حملةً سياسيةً وإعلاميةً وجماهيريةً من أجل إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكّرة، قبل موعدها المقرّر ربيع عام 2028. وجاءت هذه الدعوة على خلفية الوضع الاقتصادي المأزوم والضاغط، واستمرار نسبة التضخّم المرتفعة رغم تراجعها النسبي، والاعتقالات والتحقيقات بتهم الفساد وإساءة استخدام السلطة في بلديات يحكمها ويديرها الحزب، باعتبارها كيديةً وسياسيةً. في المقابل، رفض حزب العدالة والتنمية وتحالف الشعب الحاكم الفكرة، بحجّة عدم وجود مسوّغات دستورية وسياسية تحتّم إجراءها في هذا الظرف الإقليمي العاصف، مع عدم امتلاك المعارضة الإمكانات والقدرات المناسبة لتمرير ذلك عبر المؤسّسات المعنية لا عبر الشارع.
وقد فهمت المعارضة من هذا أنّ لا فرصةً أبداً لإجراء انتخابات مبكّرة هذا العام، بينما فهم التحالف الحاكم استحالة تجاهل الوضع الراهن، والضغوط السياسية والإعلامية، وحالة الاحتقان الشعبي، مع الانفتاح مبدئياً على فكرة الانتخابات المبكّرة، وامتلاك التحالف الحاكم أصلاً خطّةً معدّةً مسبقاً لإجرائها في نهاية العام المقبل (2027)، بالتزامن مع اكتمال نجاح البرنامج الاقتصادي المعمول به منذ ثلاث سنوات بقيادة وزير المالية محمّد شيمشك، والعودة إلى النموذج التقليدي الأرثوذكسي لإبقاء الباب مفتوحاً أمام ترشّح الرئيس رجب طيّب أردوغان مرّة أخرى، وفق ما يسمح به الدستور في حال عدم إكمال ولايته إلى 2028.

لا يزال أوزال منتعشاً من نتائج الانتخابات، ويروّج سردية أنّ حملة الاعتقالات تسعى إلى سلب الانتصار الديمقراطي لحزبه وحلفاؤه

كان لافتاً انطلاق الحملة في مارس/ آذار الماضي، بالتزامن مع بدء محاكمة من يوصف بالزعيم الفعلي للحزب، وعرّاب وصول أوزال نفسه إلى قيادته، رئيس بلدية إسطنبول الكُبرى أكرم إمام أوغلو، مع مئات من مرؤوسيه ومساعديه، بتهم فساد ورشوة وإساءة استخدام السلطة في البلدية. واشتدّت الحملة مع تصاعد عمليات التحقيق والاعتقالات في بلديات كبرى، مثل أنقرة وإزمير وأنطاليا وبورصة، يديرها الحزب، مع الانتباه إلى أنّها تطاول كذلك بلديات يديرها حزب العدالة الحاكم وحلفاؤه. وفي أسباب حملة الانتخابات المبكرة يمكن الإشارة إلى حزمة شخصية وحزبية وسياسية، إذ يسعى أوزال إلى فرض هيبته وشخصيته وجداراته بقيادة الحزب والمعارضة عموماً. وهنا، وبصورة تكاد تكون سرياليةً، يستغلّ أوزال ما يصفه بـ”مظلومية إمام أوغلو وزملائه المعتقلين”، وشعبيّته الواسعة حزبياً ووطنياً، لفرض قبضته على الحزب، والخروج من عباءة إمام أوغلو، حتى لو كان الأخير عرّاب وصوله إلى قيادة الحزب.
كما استثمر أوزال في الحملة الوضع الاقتصادي السيئ، رغم تحسّنه بشكل تدريجي وبطيء، مع عدم انخفاض نسبة التضخّم بصورة لافتة، إذ لا تزال تراوح عند 30%، والأرقام (الصادمة) المتعلّقة بخطّ الفقر ومتوسّط كلفة المعيشة الكريمة للعائلة في إسطنبول نحو 3000 دولار تقريباً، باعتبارها عاصمة البلاد الفعلية والمؤشّر إلى أحواله السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وسعت دعوة الانتخابات المبكّرة إلى الاستفادة من استطلاعات الرأي التي تميل جزئياً لمصلحة حزب الشعب وحلفائه في المعارضة، بينما جاءت إشارات، مع نهاية الأسبوع الأوّل من مايو/ أيار الجاري، تلحظ تقدّم حزب العدالة والتنمية على خلفية التطوّر في الصناعات الدفاعية، وحضور تركيا وسيطاً في جهود إنهاء الحرب ضدّ إيران، باعتبارها واحة استقرار وسط أمواج المنطقة الهادرة.
وفي ما يخصّ البلديات، لا يزال أوزال منتعشاً من نتائج الانتخابات أخيراً، ويروّج سردية أنّ حملة الاعتقالات تسعى إلى سلب الانتصار الديمقراطي الذي حقّقه الحزب وحلفاؤه في آخر استحقاق عام 2024، وبالتالي، لا بدّ من الاحتكام إلى الشعب للحسم مرّة أخرى. وفكّر زعيم حزب الشعب في تقديم استقالة جماعية (120 نائباً، أي خُمس أعضاء البرلمان) لإجبار الحكومة على الذهاب إلى انتخابات فرعية سريعة تُظهر المزاج العام والدعم الجارف للمعارضة، ما يكفل تعجيل سيرورة الذهاب إلى انتخابات عامّة مبكّرة.
في مقابل هذه الحملة، رفض حزب العدالة والتنمية والتحالف الحاكم الفكرة رفضاً قاطعاً، وأبدى تصميماً قوياً على عدم التعاطي معها، والإصرار على المرور الحتمي عبر الآليات الدستورية والإجراءات الدستورية المرعية التي تستلزم موافقة 360 نائباً (لا تملك المعارضة ذلك العدد من الأصوات)، ويملك التحالف الحاكم 320 نائباً، ويحتاج إلى 40 مقعداً إضافياً لتعديل الدستور برمّته عبر استفتاء عامّ أو 80 مقعداً لتعديله في البرلمان. وهذا كان أحد أسباب تراجع أوزغور أوزال عن فكرة الانتخابات الفرعية. ويرى الحزب والتحالف الحاكم كذلك أنّ الوضع العام مستقرّ سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وأمنياً، ولا حاجة إلى انتخابات غير مبرمجة في هذه الأجواء الإقليمية العاصفة، وحالة التوتّر وعدم الاستقرار التي تعيشها المنطقة.
وفي رفض مسوّغات أوزال، جادل الحزب الحاكم بأنّ الوضع الاقتصادي يتحسّن بشكل تدريجي ومتواصل، وأنّ التضخّم يتراجع رغم بقائه عند نسبة مرتفعة تراوح حول 30%، بينما تلحظ الخطط الاقتصادية الموضوعة تخفيضه إلى حدود 20% في نهاية العام، والرقم الأحادي نهاية العام المقبل.
ركّزت السردية الحكومية بشكل أساس على فكرة أنّ البلاد، رغم أزماتها ومشكلاتها الداخلية، خصوصاً الاقتصادية، تشهد علامات تفاؤل وثقة، بارتفاع الصادرات والسياحة والأسس الاقتصادية المتينة، بما في ذلك سوق الاستهلاك الداخلية الواسعة، وانتظار مردود الاتفاقات الاقتصادية الاستراتيجية المُوقَّعة أخيراً مع دول الجوار وآثارها، والتي ستظهر ثمارها في المدى القريب، أي في السنتَين المقبلتَين.
وتشمل هذه الخطط التعاون مع سورية الجديدة والدول العربية، خاصّة الخليجية، وإحياء خطّ سكة حديد الحجاز التاريخي لنقل الأشخاص والبضائع، وخلق بدائل لمضيق هرمز، واستحضار خطّة البحار الأربعة (الأسود والمتوسّط والعربي وقزوين) التي يحمل حقوقها الحصرية الرئيس السابق عبد الله غول. وفي الأسبوع الأوّل من هذا الشهر، اتّضحت المعالم العامّة للمشهد بوصول المعارضة إلى القناعة باستحالة إجراء الانتخابات هذا العام، والانفتاح على إجرائها في ربيع العام المقبل، مع اقتراحات بإجرائها قبل الصيف، وفي حدّ أقصى هو أكتوبر/ تشرين الأوّل 2027.

كان لافتاً انطلاق تزامن دعوة المعارضة إلى انتخابات مبكّرة مع بدء محاكمة رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو

وبدا أوزغور أوزال، بحسب مصادر مطّلعة، مقتنعاً تماماً بالواقع الراهن، ويقول في مجالسه الخاصّة إنّ الانتخابات ستُجرى حتى أكتوبر 2027، رغم استمرار الحملة لإجرائها مبكّراً، بهدف شدّ العصب وإثبات هيبته وزعامته وقيادته، ولفت الانتباه بعيداً من فضائح البلديات التي يديرها الحزب، وتردّي الخدمات فيها. أمّا التحالف الحاكم، فمنفتح أصلاً على إجراء الانتخابات في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام المقبل، وقد يقبل بنهاية أكتوبر، ويملك خططاً موضوعةً مسبقاً، مع المراهنة على اكتمال البرنامج الاقتصادي، وتراجع التضخّم، وثمار التعاون الاقتصادي والمشاريع العملاقة مع دول الجوار.
وبالنسبة إلى خريطة الترشّح، فقد اتضحت بصورة عامة داخل حزب الشعب في غياب قسري للمعتقل إمام أوغلو، وتراجع فرص رئيس بلدية أنقرة السبعيني منصور يواش، الذي سيبلغ 72 سنة العام المقبل، بينما بات ترشيح أوزغور أوزال حتمياً، ويمضي شخصياً في هذا الاتجاه. وقال (السبت 9 مايو) لقناة الحزب إنّه “واثق من الفوز، بل اختار فعلاً تشكيلته الوزارية الأولى”. في المقابل، لم تتضح الصورة داخل الحزب الحاكم، لأنّه يرى الأمر مبكّراً جدّاً، ولا يجري نقاشاً حوله أصلاً، ونظرياً كل الخيارات مفتوحة، سواء ترشَّح أردوغان أم وُجد شابٌّ جديد، مثل هاكان فيدان أو خلوق بيرقدار، يستكمل المسيرة وفق الخطابات والأدبيات المتداولة.
وفي الأخير، ثمّة ترقّب عربي مستحَقّ للجدل حول الانتخابات في تركيا، واهتمام لافت بها كما في المرّات السابقة، وتحسّب من تغيير كبير في حال انتصار المعارضة، إلا أنّ الأمر ليس حتمياً بالتأكيد، أقلّه خارجياً، لأنّ الصورة تُرى من هنا (السلطة) غير ما تُرى من هناك (المعارضة)، كما قال مرّة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون. وما كان صحيحاً ومستمرّاً، ومستنداً إلى المصالح الراسخة تجاه قبرص وباكستان وأذربيجان وآسيا الوسطى، قد يكون صحيحاً كذلك في سورية وليبيا والخليج العربي والقرن الأفريقي.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى