إيران بين المُحافظين والإصلاحييّن

    أحمد طه

راج خلال العقود الماضية الحديث عن ثنائيّة المحافظين والإصلاحيين داخل نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بيْد أن عدّة مشاهد وقعت في أثناء المعركة الحربية الطاحنة التي استمرّت 40 يوماً بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وهي مشاهد جديرة بالتوقّف عندها، وتكشف عن مركز الثقل الحقيقي داخل النظام الإيراني.

كان المشهد الأوّل في الأيّام الأولى من الحرب، عندما أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان اعتذاره لدول الجوار عن تعرّض بلادهم لهجمات إيرانيّة، واعداً بعدم مهاجمة إيران لهم مجدّداً، إلّا إذا هُوجمت بلاده من قواعد موجودة في تلك الدول. وبمجرّد أن أصدر بزشكيان اعتذاره، لم يتوانَ الحرس الثوري عن إصدار بيان علني، حمل لهجةً غاضبةً تجاه الاعتذار، وتعرّض الرئيس لحملة انتقادات لاذعة من غلاة المحافظين، فوصفه رجل الدين والبرلماني المحافظ حميد رسائي في مواقع التواصل الاجتماعي: “موقفك ضعيف، وغير احترافي، وغير مقبول”. وانضمّ إليه رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني، فقال إن بلاده ستواصل مهاجمة ما زعم إنّها “نقاط العدوان” في دول الجوار، ما دفع بزشكيان إلى التراجع جزئياً عن اعتذاره بقوله: “إنّ أميركا حرّفت اعتذاره إلى استسلام في محاولة لزرع الفتنة”، بحسب تعبيره.

بعد نحو شهر، تكرّر المشهد مجدّداً، على خلفية تصريحات بزشكيان في اتصاله الهاتفي مع رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، أنّ لدى بلاده الإرادة لوقف الحرب في حال حصولها على “ضمانات بعدم تكرار الهجمات”، فقد انبرى له مجدّداً حميد رسائي الذي اعتبر أنّ تصريحات بزشكيان منحت “فسحة جديدة لأعداء إيران” على حدّ وصفه، وأضاف إنّ تداعيات اعتذار بزشكيان لدول المنطقة “لم تُعالَج بعد”، وتمادى رسائي في انتقاده الرئيس الإيراني بقوله: “كانت لبزشكيان مواقف مُقدَّرة خلال الحرب ويُشكَر عليها”، غير أنّ له مواقف أخرى تستدعي الأسف، وصفها رسائي بأنّها بمثابة “عود ثقاب قد يحرق غابة”. أمّا المشهد الثاني فكان بطله وزير الخارجيّة الإيراني السابق محمد جواد ظريف الذي نشر مقالاً في مجلّة فورين أفيرز الأميركية، مطلع الشهر الماضي (إبريل/ نيسان)، تحت عنوان “كيف يُمكن لإيران أن تُنهي الحرب؟”، دعا فيه إلى ضرورة إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة التي وصفها بـ”التحدّي الوجودي” للنظام الإيراني، موضحاً أنّ على الدولتَين أن تغتنما هذه الكارثة فرصةً لإنهاء عداءٍ استمرّ 47 عاماً.

طرح ظريف في مقاله رؤيةً لإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة، تقوم على أنّ إيران ليست في موقع ضعف، بل تمتلك أوراق قوّة تُمكّنها من الانتقال من الميدان العسكري إلى التسوية السياسية مع أميركا بشروط أفضل، واقترح إطاراً للتسوية يتضمّن استعداداً إيرانياً للقبول بقيود على برنامجها النووي، وخفض مستويات التخصيب، والتعهّد بإعادة فتح مضيق هرمز، وضمان أمن الملاحة، مقابل رفع شامل للعقوبات الأميركية، وضمانات أمنيّة، وإعادة دمج إيران في الاقتصاد العالمي.

مرّ النظام الإيراني بعدّة مراحل طوال عقود أربعة مضت، شهدت تحوّلات كبيرة في بِنيَته، وغيّرت تركيبته التي نشأ عليها

أثار مقال ظريف عاصفةً مدويّةً، واستياءً شديداً داخل النظام الإيراني، إلى درجة دفعت جهةً وازنةً إلى توجيه توبيخٍ إلى ظريف، فقد أفادت وكالة فارس الإيرانيّة بأنّ ظريف تلقّى توبيخاً من جهةٍ لم تُسمّها. واعتبرت حيثيّات التوبيخ أنّ مضمون المقال “يتعارض مع الأمن القومي الإيراني والسياسات الرسميّة للجمهورية الإسلامية”، وأضافت الوكالة أنّه في السياق نفسه “شدّد مكتب الادّعاء العام في تحذير وجّهه إلى الشخصيات السياسية وأصحاب المنصّات العامّة على أنّه خلال هذه الحرب المفروضة، يتعيّن على الشخصيّات العامّة، ومن يمتلكون منابر إعلامية، الامتناع عن إبداء آراء أو نشر موادّ تتعارض مع المصالح الوطنية ووحدة البلاد والتماسك الاجتماعي، أو تتجاوز حدود صلاحياتهم”.

وشنّ التيّار المحافظ هجوماً كاسحاً على ظريف، وصل إلى الطعن في وطنيّته، فقد اتهمه سعيد حداديان أحد أنصار المرشد الراحل علي خامنئي، بأنّه “جاسوس”، بينما وصف حسين شريعتمداري (رئيس تحرير صحيفة كيهان، والمُقرَّب من مكتب المُرشد) مُقترحات ظريف بأنّها لون من “الخضوع للأعداء”، داعياً إلى محاسبة ظريف قضائياً.

لسنا هنا إزاء شخصيات ثانوية داخل النظام الإيراني، فبزشكيان رئيس الدولة، وظريف أحد أبرز الوجوه الدبلوماسية الإيرانيّة في العقود الماضية، الذي تعتبره الأوساط الإيرانيّة مهندس الاتفاق النووي عام 2015، ولا يحتاج المشهد تحليلاتٍ مُعمَّقةً كي نعرف الجهة التي انتقدت بزشكيان، ووبّخت ظريف بصورة علنية سافرة، وتُعتبر مركز الثقل الوازن داخل النظام الإيراني، ألا وهي مؤسّسة الحرس الثوري.

أكّدت الحرب أخيراً أنّ الحرس الثوري الإيراني هو صاحب الكلمة العليا والقول الفصل في الداخل والخارج

تعيد هذه المشاهد إلى الأذهان مشهد التسجيل الصوتي المُسرَّب لجواد ظريف في إبريل/ نيسان 2021، الذي امتدّ نحو ثلاث ساعات، عندما كان وزيراً للخارجيّة، وأثار آنذاك جدلاً واسعاً. أكّد ظريف في التسجيل أنّ نفوذه في السياسة الخارجيّة الإيرانيّة “صفر”، وأنّه لم يتمكّن مطلقاً من مطالبة أيّ قائد عسكري بفعل شيء ما من أجل مساعدة الجهود الدبلوماسية، وأبدى ظريف استياءً شديداً من النفوذ الواسع الذي يمارسه الحرس الثوري على السياسة الخارجية، والملفّ النووي لبلاده، مُشددِّاً على أنّه في كلّ مرّة تقريباً كان يذهب فيها للتفاوض، كان القائد الراحل لفيْلَق القدس التابع للحرس الثوري، قاسم سليماني، يفرض شروطه، ويوجّه إلى أن تُؤخَذ نقاط بعينها في الاعتبار. ولمّح ظريف إلى أنّ سليماني حاول إفساد الاتفاق النووي عام 2015 بالتواطؤ مع روسيا، عندما وقعت أحداث ضدّ الاتفاق، بدأت بسفر سليماني إلى موسكو، وانتهت باحتجاز سفينة أميركية، والهجوم على السفارة السعودية في طهران، وأقرّ ظريف بأنّه ضحّى بالدبلوماسية كثيراً لصالح “ساحة المعركة”، مؤكّداً أنّه لم يتمكّن يوماً من إقناع سليماني بطلباته.

اختلف المراقبون طوال العقود الماضية في توصيف النظام الإيراني الذي دشّنه الخُميني عقب نجاح الثورة الإسلاميّة عام 1979، هل هو نظام ديني/ سياسي يقوده المُحافظون من رجال الدين مع مشاركة محدودة لجناح سياسي من الإصلاحيين؟ أم هو نظام ديني/ عسكري يقوده المُحافظون بدعم من الحرس الثوري؟ ومرّ النظام الإيراني بعدّة مراحل طوال عقود أربعة مضت، شهدت تحوّلات كبيرة في بِنيَته، وغيّرت تركيبته التي نشأ عليها، لكن الحرب أخيراً أكّدت أنّ الحرس الثوري الإيراني هو صاحب الكلمة العليا والقول الفصل في الداخل والخارج، بعدما تمدّد دوره، وتغوّل نفوذه، وتعاظمت سطوته بصورة لا تُخطئها عين، وتحوّلت وظيفته من جناح عسكري لحماية النظام إلى اللاعب الأوّل، والفاعل الرئيس، في المشهد الإيراني بصورة كادت أن تسحق الجناح السياسي.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى