مبادرة امتحان الشهادة الثانوية الموحد في الحرب… نبل بلا بركة

عبد الله علي إبراهيم 

على أهمية مبادرة استدراك طلاب دارفور وكردفان للامتحان مع زملائهم في بقية السودان العابرة لأطراف الحرب، إلا أنها لم تصِب هدفها وحسب، بل صارت مضغة لتحشيد معارض لا غناء فيه. وكان الخطأ في تصميمها جعلها من النبل استراتيجية. وما هو كذلك. فأرادت أن تلحق طلاب الإقليمين بامتحان الشهادة الثانوية فإذا بها تنتهي إلى مطلب مستحيل جاءت به في الساعة الـ23 لإرجاء امتحان وشيك الانعقاد أنفقت حكومة السودان وثلث مليون أسرة وطالب عاماً يستعدون له. ولم تتحسب لأن الذي لا يدرك كله لا يترك جله.

للمرة الأولى منذ بدء حرب الـ15 من أبريل (نيسان) عام 2023، تنشأ منظمة عابرة لأطراف الحرب لحلحلة معضلة من معضلاتها وأرادت حمل هذه الأطراف على أن تتنزل عند مساومة للمصلحة العامة. فنشأت في الـ13 من مارس (آذار) الماضي، المبادرة القومية لدعم امتحان الشهادة الثانوية التي أسستها مجموعة من المهتمين بشأن التعليم والمعلمين والأكاديميين والفاعلين في المجتمع المدني في فبراير (شباط) الماضي. وما حفز أهل المبادرة عليها هو استدراك نحو 280 طالباً من إقليمي كردفان ودارفور، الواقع غالبهما تحت سلطة قوات “الدعم السريع“، من دون أن ينحرموا من امتحانات الشهادة السودانية التي قررت حكومة السودان الجلوس لها في منتصف أبريل الماضي مثل ما انحرموا منها منذ بدء الحرب في أبريل 2023. وأجرت المبادرة بعد قيامها باتصالات مع “حكومة الأمل” ببورتسودان و”حكومة تأسيس” بنيالا. ولم تستجِب “حكومة الأمل”، وردت “تأسيس” أولياً ولم يأتِ منها جديد حتى صدور بيان للمبادرة في الـ12 من أبريل الماضي.

ومع نبل المحاولة، إلا أنه صحّ مع ذلك أن النبل ليس استراتيجية. فسرعان ما نشأت المبادرة في أبريل، وتقرر الـ15 منه موعداً للامتحان في “حكومة الأمل”، حتى بدا من المبادرة هزالها. فسلمت لضيق الوقت بأنه من الصعوبة بمكان تأجيل امتحان “حكومة الأمل”، “لصعوبة التواصل مع الجهات المختلفة” التي رتبوا أن يتصلوا بها منذ فبراير الماضي والحصول على موافقتها على موعد موحد للامتحان. فاتُفق لهم بعد تعثرهم أن المقترح العملي هو إجراء امتحان بديل في أقرب فرصة ممكنة للطلاب الذين لم يتمكنوا من الجلوس في مناطقهم.

يقول السودانيون لمن أتى متأخراً ليتلافى أمراً “علوق الشدة” وهو أن تعلف الدابة قبيل ركوبها. وهذا ما أخذه الخبير التربوي عمر عنان على المبادرة، فقال إن حرمان طلاب كردفان ودارفور كان متوقعاً، مما استدعى “تحركاً جاداً لإيجاد ترتيبات استثنائية تراعي الظرف الوطني”.

مطلب التأجيل

كان مطلب المبادرة، على مجيئها متأخرة لاستدراك تلافي تعذر امتحان طلاب كردفان ودارفور، هو أن تعطل “حكومة الأمل” امتحاناتها لموعد لاحق حتى يلحق بها أولئك الطلاب. فخاطبت السودانيين بمذكرة دعت فيها إلى التريث في عقد امتحانات الشهادة السودانية لهذا العام، والبحث عن حلول عملية لإلحاق الطالبات والطلاب الذين حرموا من الجلوس في الامتحانات السابقة بسبب الحرب. وصار هذا المطلب ديدناً. فتعاور على تزكيته الصحافيون مثل فيصل محمد صالح، ولم يرَ الشفيع خضر، الرمز السياسي المعروف، غضاضة فيه لدى ذكره له في عرضه لأدوار المبادرة. بينما دعا أكرم علي التوم، وزير الصحة في الحكومة الانتقالية بعد ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، في سياق تأجيل الامتحان إلى تحديد موعد جديد مناسب للامتحان في المنطقتين ينهض به فريق عمل من كوادر تربويين قدامى وقادة قبائل ورجال أعمال من مناطق حكومتي “أمل” و”تأسيس” مقبول لدى الأطراف.

منع نبل مقصد المبادرة من الوقوف على أن “حكومة تأسيس” كانت قد استعدت للامتحان أصلاً ليقع التنسيق مع “حكومة الأمل” بأية صورة من الصور. فكان على المبادرة أن تتأكد من سلامة قوام “تأسيس” التعليمي لا مجرد توقيت جلوس طلابها للامتحان الموحد. وكان حرياً بالمبادرة مما يرد عن هذا القوام ألا تطلق الدعوة إلى الامتحان المشترك ليختلف الناس جراءه بلا ضرورة. فإذا أردت أن تُطاع، فاطلب المستطاع.

فوصف أحدهم حال مجتمع دارفور بأنه لم يعُد يحتمل “ترف” التفكير في التعليم مع تشرد كياناته ونزوح أسره وطلابه وأساتذتهم وهجران مدارسه. فتحدث مدير مدرسة في المجلد بولاية غرب كردفان، إلى مراسل مجلة “أتر” عن اضطراب كبير في العملية التعليمية بسبب الحرب والنزوح تكدّست به دفعات أعوام 2023 و2024 و2025 داخل المدارس بصورة متقطعة في غياب التوجيهات الرسمية، على رغم إعلان حكومة “تأسيس” عن قيام الامتحانات في يونيو (حزيران) المقبل، ناهيك عن التحدي القاتل لـ”تأسيس” حيال الامتحانات أنه لا جهة، في قول الخبير التربوي الإمام عبدالباقي، ستعترف بشهاداتها لأن صحة الشهادة السودانية لا تكون إلا بختم لجنة امتحانات السودان.

“رمز لوحدة الدولة ومؤسساتها التعليمية”

ولا يعرف المرء إن كان استنقاذ طلاب دارفور من تفويتهم الامتحان دبارة لاحتواء وضع مقلق أو قضية معارضة للنضال المؤزر من أجلها ضد “حكومة الأمل” بصورة خاصة كما رأت بعض الدوائر. كلفت ما كلفت. وصارت المسألة عندهم “ذريعة” لإنهاء الحرب بأكثر مما هي خطة واقعية لإسعاف طلاب لمواصلة دراستهم، توقفت الحرب أو لم تقف.

فمن رأي لجنة المعلمين التي لها سابقة معارضة بلقاء لانعقاد الامتحان نفسه لدورة 2025، أن الأزمة الوطنية أخذت بالامتحان منحى أكثر خطورة “مع إصرار سلطات الأمر الواقع في بورتسودان على تنظيم الامتحانات وفق مناطق السيطرة، بدلاً من البحث عن صيغة قومية موحدة”. وزادت أن ما يجري حالياً، في ظل التنافس بين حكومة بورتسودان وحكومة نيالا، ومحاولة كل طرف تثبيت موقعه كسلطة كاملة الصلاحيات داخل مناطق سيطرته عبر بوابة امتحانات الشهادة الثانوية، يعكس المخاوف التي نبهت إليها منذ وقت مبكر. فالشهادة الثانوية السودانية ليست مجرد إجراء إداري محلي، بل إنها استحقاق قومي وسيادي يمثل رمزاً لوحدة الدولة ومؤسساتها التعليمية.

وجاءت تلك الهيئات المتنادية لدعم المبادرة محتقنة بالحق بما جرد غيرها منه. فكثيراً ما كانت هذه الهيئات ضد الحرب، أو تزعم ذلك، فهي حليف الوطنية السودانية والإنسانية الرؤوف بالطلاب، بينما غيرها في الدرك من حب الذات. فهي تدعو إلى “تحييد التعليم” و”التعامل مع الامتحانات كقضية إنسانية”، بينما من بيدهم أمر الامتحانات هم من يغامرون بها في شعاب السياسة.

فحذّر “حزب المؤتمر الشعبي”، من فوق منصة التخمة بالحق، من “انهيار غير مسبوق في قطاع التعليم”. وطالب بـ”تحييده عن النزاع” والوقف الفوري لاستهداف المؤسسات التعليمية، ​وضمان وصول جميع الطلاب في أنحاء السودان كافة إلى مراكز الامتحانات في ظروف آمنة وعادلة. كذلك شدد “حزب البعث العربي” على ضرورة إيجاد صيغة للامتحانات الموحدة للشهادة السودانية في الولايات كافة، محذراً من أن “إهمال قضية التعليم وغيرها من القضايا الملحة سيعزز من واقع تشطير الوطن”. فاستقرار العملية التعليمية، في قول “البعث”، يمثل ركيزة للأمن القومي، داعياً إلى الاستجابة لمطالب المعلمين وأساتذة الجامعات العادلة، ووقف الاعتقالات بحقهم. ونادى أيضاً بتضامن نقابات السودان، مجهول الكنه، بامتحانات موحدة لكل السودان، لرفضه أية محاولة لاستغلال امتحانات الشهادة لتقسيم البلاد عسكرياً وإنسانياً وعاطفياً، مما يؤثر سلباً في قومية البلاد ووحدتها.

وأيدت هيئة محامي دارفور ضمن بيان لها في الـ26 من مارس (آذار) الماضي المبادرة لتُصلي الحكومتين ناراً. فقالت إنها تقف وبشدة ضد محاولات سلطة الأمر الواقع بنيالا إقامة امتحانات موازية للشهادة السودانية بصورة منفردة وترى في ذلك محاولة لشرعنة انفصال البلاد وتقسيمها. وتدين في الوقت ذاته تشدد حكومة الأمر الواقع الأخرى ببورتسودان ورفضها إيجاد حلول ومقترحات تمكن طلابنا من الجلوس للامتحانات وعدم اتخاذهم وقوداً لحرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

من جهة أخرى اكتسبت مسألة تخلف دارفور وكردفان عن امتحان الشهادة السودانية صورة القضية المطلبية التي للهامش على المركز. فلا يعرف المرء كيف ربط الأكاديمي صديق أمبده، صاحب المباحث القيمة عن الغبن التنموي لفجاج السودان، بين تعذر قيام الامتحانات الشاملة للسودان في يومنا وقضية الهامش على المركز. فوصف تأخر طلاب دارفور وكردفان عن التعليم بسبب الحرب بأنه “استمرار لمظالم تاريخية وفجوات تعليمية هيكلية”. واستدعى إحصاءات وثيقة تعود لمنتصف الثمانينيات تظهر تفاوت نسب الاستيعاب بين أقاليم السودان، محذراً من أن “حرمان طلاب دارفور وكردفان من الامتحانات اليوم سيعيد إنتاج المظالم ذاتها ويغذي جذور الصراع المستقبلي”. ولا يعرف المرء كيف فات على صديق أنه لم تقُم هذه الحرب التي قال إنها ستفاقم الفجوة التعليمية في الإقليمين، إلا لسدها بالقضاء على “دولة 56” التي غبنت الهامش تنموياً وقيام السودان الجديد. فهي حرب ضرورة نهض بها من قالوا إنهم يريدون اجتثاث نفس دورة “إنتاج ذات المظالم” التي قال صديق إنها ستغذي الصراع مستقبلاً. فهي حرب المستقبل، بل هي المستقبل.

وعلى أهمية مبادرة استدراك طلاب دارفور وكردفان للامتحان مع زملائهم في بقية السودان العابرة لأطراف الحرب، إلا أنها لم تصِب هدفها وحسب، بل صارت مضغة لتحشيد معارض لا غناء فيه. وكان الخطأ في تصميمها جعلها من النبل استراتيجية. وما هو كذلك. فأرادت أن تلحق طلاب الإقليمين بامتحان الشهادة الثانوية، فإذا بها تنتهي إلى مطلب مستحيل جاءت به في الساعة الـ23 لإرجاء امتحان وشيك الانعقاد أنفقت حكومة السودان وثلث مليون أسرة وطالب عاماً يستعدون له. ولم تتحسب لأن الذي لا يُدرك كله لا يُترك جله.

قال عبدالله الطيب، الناقد الحداثي المفرد لتعليم الاستعمار فينا، إن التعليم المأثور عن الاستعمار بلا بركة، ولم يفصّل قوله. ولا يملك المرء إلا وصف المبادرة موضوعنا هنا بأنها، وقد باءت بخسران متعدد الوجوه، بأنها بلا بركة.

المصدر: أندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى