
بعد نحو عام ونصف تقريباً على تحرير سورية من نظام الأسد، لم تعد الصورة أحادية كما بدت في أيامها الأولى. فبين نشوة الخلاص من قبضة أمنية طالما خنقت أنفاس السوريين، وبين تحديات الواقع المعيشي والإداري، تتشكل ملامح مرحلة انتقالية معقدة، لا يمكن اختزالها بالشعارات أو الأمنيات.
من أبرز التحولات التي يلمسها السوريون في الداخل هو تراجع سطوة الأجهزة الأمنية التي كانت تتحكم بتفاصيل الحياة اليومية، وهو تحول لا يمكن التقليل من أهميته. كما شهدت بعض الخدمات تحسناً نسبياً، وعلى رأسها الكهرباء، رغم ما رافق ذلك من قرارات حكومية رفعت الأسعار بشكل غير مدروس، قبل أن يجري التراجع عنها لاحقاً تحت ضغط الواقع.
لكن، وعلى الضفة الأخرى، يقف المواطن السوري أمام معاناة اقتصادية خانقة. فالغلاء بلغ مستويات غير مسبوقة مقارنة بالدخل، ما جعل تأمين أساسيات الحياة تحدياً يومياً. ويزداد القلق مع حديث متكرر عن تفشي الرشوة، بمعدلات يرى كثيرون أنها لا تقل عما كانت عليه في السابق، إن لم تتجاوزها في بعض القطاعات.
إدارياً، تبدو المشكلة أكثر عمقاً. إذ يشير كثير من السوريين إلى أن الاعتماد على الولاء بدلاً من الكفاءة في تسليم مفاصل الدولة، أدى إلى ضعف الأداء وتعثر المؤسسات، وهو ما ينعكس مباشرة على حياة الناس وخدماتهم. وفي حين ما يزال بعض السوريين يعيشون نشوة سقوط النظام السابق ويتغاضون عن هذه الاختلالات، بدأ آخرون يدقون ناقوس الخطر، محذرين من استمرار النهج ذاته بوجوه جديدة.
لا شك أن الظروف الإقليمية والدولية الضاغطة تشكل عبئاً كبيراً على أي سلطة جديدة، وقد تفسر جانباً من التعثر في تلبية طموحات المواطنين. لكن هذا لا يمكن أن يكون مبرراً كافياً لتكريس إدارة أحادية اللون، أو لتهميش فئات واسعة من السوريين في عملية بناء الدولة.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في إسقاط نظام قديم، بل في القدرة على بناء نموذج مختلف: دولة تتسع لجميع أبنائها، تقوم على الكفاءة لا الولاء، وتضمن الحرية والكرامة، وتفتح المجال أمام النقد والمساءلة.
فإما أن تتحول لحظة التحرير إلى نقطة انطلاق نحو دولة عادلة جامعة، أو أن تتآكل تلك اللحظة تدريجياً، لتفسح المجال لخيبة أمل جديدة، قد لا تقل قسوة عن سابقتها.
المصدر: كل العرب






