خطر الحرب الإيرانية على تركيا

    أصلي أيدن طاشباش

تركيا تحاول التزام الحياد في حرب إيران، لكنها تواجه تداعيات خطرة تهدد توازنها الإقليمي وعلاقاتها الدولية. بين أخطار تصاعد نفوذ إسرائيل، واضطراب الملف الكردي، واحتمالات الفوضى الإيرانية، تجد أنقرة نفسها مضطرة إلى اعتماد سياسة أكثر فاعلية لحماية مصالحها وتعزيز موقعها في نظام ما بعد الحرب.

بذلت تركيا قصارى جهدها للنأي بنفسها عن الحرب مع إيران، وحرصت على التزام الحياد. ويشهد تاريخها على سوابق مماثلة، إذ تستشهد أجيال من صانعي السياسة الأتراك بـ”التوازن الدقيق” الذي نجحت أنقرة في تحقيقه خلال الحرب العالمية الثانية، باعتباره أحد الفصول اللامعة في تاريخ الدبلوماسية التركية. في ذلك الوقت، كان قادة تركيا يدركون أيما إدراك حقيقة العزلة الجيوسياسية لجمهوريتهم الفتية وضعفها من الناحية العسكرية، وكانوا عازمين على عدم تكرار خطأ أسلافهم العثمانيين، الذين اختاروا الانحياز إلى الطرف الخاطئ في الحرب العالمية السابقة، مما أدى إلى انهيار الإمبراطورية. وبينما كانت الحرب تستعر على حدودها، أجرت تركيا مفاوضات مع كل من الحلفاء وألمانيا، وكان إنجازها الأكبر هو الحفاظ على حيادها على رغم الضغوط التي مارستها عليها الدول المتناحرة المحيطة بها.

وقد اقتضت الحرب في إيران إجراء حسابات مماثلة، خلافاً لحالها في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، تسعى تركيا اليوم إلى لعب دور أكبر على الساحة العالمية. وقد بدا أن سقوط الرئيس السوري بشار الأسد على يد جماعات مسلحة مدعومة من تركيا وفصائل أخرى في أواخر عام 2024 منح أنقرة ثقة بأنها في طريقها لتصبح قوة إقليمية ذات نفوذ أكبر، لكن تركيا لا تمتلك حتى الآن القوة الاقتصادية أو العسكرية اللازمة لرسم الأحداث وفق شروطها الخاصة. وتربطها مع اللاعبين الرئيسين في المنطقة علاقات لا يمكن وصفها بأحسن الأحوال إلا كونها حساسة، فهي لا تزال في المراحل الأولى من إعادة ضبط علاقاتها مع الولايات المتحدة، فيما تدهورت علاقاتها مع إسرائيل بصورة كبيرة في السنوات الأخيرة. ولا تزال تركيا تعتمد على الآخرين للدفاع عن أراضيها أيضاً، إذ أدى شراؤها عام 2019 لنظام الدفاع الصاروخي الروسي “إس-400″، الذي تسبب في فرض عقوبات أميركية عليها واستبعادها من برامج أساسية تابعة لحلف “الناتو”، إلى زيادة صعوبة صيانة بعض معداتها العسكرية المتطورة، فهي لم تفعل نظام “إس-400” وتفتقر إلى القدرات الدفاعية الجوية اللازمة لحماية نفسها بصورة كاملة من الصواريخ الباليستية الإيرانية التي بدأت تخترق المجال الجوي التركي في شهر مارس (آذار) الماضي. وكانت صواريخ اعتراضية تابعة لحلف “الناتو”، وليس الأسلحة التركية، هي التي أسقطت الصواريخ الإيرانية الأربعة التي استهدفت نظام رادار تابع لحلف “الناتو” وقاعدة إنجرليك الجوية في جنوب تركيا، حيث تتمركز القوات الأميركية.

ومع ذلك، حرصت تركيا على البقاء بعيداً من الصراع، فهي لم تدعم الحملة العسكرية الأميركية -الإسرائيلية، ولم تسمح للولايات المتحدة أو إسرائيل باستخدام مجالها الجوي لشن غارات ضد إيران. والسبب في ذلك هو أن تركيا تربطها بإيران علاقة معقدة إنما مستقرة منذ مئات السنين، وعلى رغم أن إيران تعد منافساً تاريخياً لها، فلم ترغب أنقرة أبداً في اندلاع هذه الحرب، وقضت الأشهر الأولى من عام 2026 وهي تساعد في قيادة الجهود الإقليمية لإقناع طهران وإدارة ترمب بإعطاء المفاوضات النووية فرصة أخرى. ففي النهاية، قد تؤدي الحرب التي تدور عبر الحدود في إيران إلى تدفق اللاجئين إلى تركيا، وتعطيل اقتصاد البلاد، وإثارة الاضطرابات على الصعيد السياسي الداخلي.

لكن الولايات المتحدة وإسرائيل شنتا في النهاية هجوماً على إيران، مما أثار استياء تركيا الشديد. وتبذل أنقرة الآن قصارى جهدها لتجنب الانجرار إلى دوامة الحرب، لكن من غير المرجح أن يحميها موقفها الحيادي من التداعيات السلبية للحرب. فهذا الصراع يهدد أنقرة من نواح عدة، إذ من شأنه أن يخل بالتوازن الهش في علاقتها مع طهران، ويعطل عملية السلام التي تجري حالياً مع الأكراد في الداخل، ويزيد من هيمنة إسرائيل، أكبر خصم استراتيجي لتركيا، في المنطقة أكثر من ذي قبل. لا تستطيع أنقرة التحكم في مسار الحرب، لكن الاكتفاء بتجنب الصراع لم يعد أفضل وسيلة لتعزيز مصالحها في منطقة غير مستقرة. ولا داعي لدخولها الحرب، لكن عليها التحرك بصورة استباقية على جبهات عدة لضمان خروجها من الدوامة الحالية ليس سالمة فحسب، بل في موقع أقوى أيضاً.

صداقة لدودة تضرب عميقاً في التاريخ

كثيراً ما فضلت تركيا إدارة خلافاتها مع إيران التي تزداد نفوذاً بدلاً من مواجهة جارتها، لا يمكن وصف العلاقة بين البلدين بأنها صداقة أو عداوة واضحة، بل قد يصح اعتبارها صورة من صور التعايش التنافسي. ويعود تاريخ هذه العلاقة لما قبل تأسيس الجمهوريتين الحديثتين. فعلى مدى قرون، ساد التنافس على النفوذ الإقليمي العلاقة بين الإمبراطوريتين العثمانية والصفوية، إذ كانت الأولى المقر التاريخي للسلطة الإمبراطورية السنية، بينما كانت الثانية مركز الحكم الشيعي الأبرز. وبعد ما يزيد على قرن من الحروب المتقطعة، توصلتا إلى صيغة للتعايش من خلال معاهدة قصر شيرين الموقعة عام 1639، التي رسمت الحدود على طول جبال زاغروس ورسخت تفاهماً لا يزال يحكم العلاقات الإيرانية – التركية: أي عدم شن حرب مباشرة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر.

واليوم، تتسم العلاقات بين تركيا وإيران بقدر كبير من انعدام الثقة المتبادل، وقد دعمت كل منهما أطرافاً متحاربة في الحروب والنزاعات السياسية الدائرة في العراق وسوريا وجنوب القوقاز. ومع ذلك، لا ترغب تركيا في تعرض إيران إلى هزيمة ساحقة. فعلى رغم قلقها الدائم من برامج إيران النووية والصاروخية الباليستية، ومن أنها لا ترغب بالتأكيد في أن تصبح إيران أقوى، إلا أن تركيا تخشى أيضاً من أن تتفكك إيران أو تنزلق إلى حالة من الفوضى. فمن شأن انهيار إيران أن يؤدي إلى تدفق اللاجئين إلى تركيا، ويؤجج الدعوات إلى الانفصال بين الجماعات الكردية في جميع أنحاء المنطقة، ويجعل الجوار الشرقي لتركيا بصورة عامة أكثر اشتعالاً، وترى أنقرة في هذه الفوضى خطراً أكبر عليها من بقاء نظام إيراني عدائي.

لذلك توخت تركيا الحذر في شأن دعم الحرب أو التورط في الاضطرابات الأخيرة التي شهدتها إيران، عندما اندلعت الاحتجاجات في الشوارع الإيرانية في يناير (كانون الثاني) الماضي، امتنع القادة الأتراك بصورة واضحة عن انتقاد قمع النظام للمظاهرات ولم يعربوا علناً عن تأييدهم لمطالب المتظاهرين. وبمجرد اندلاع الحرب في نهاية فبراير (شباط) الماضي حث المسؤولون الأتراك الولايات المتحدة على إيجاد مخرج، قبل أن تنهار الدولة الإيرانية.

في هذه المرحلة، من المرجح أن تكون تركيا سعيدة بعدم تحقق أسوأ مخاوفها، أي انهيار الدولة في إيران. ولا شك أنها غير مستاءة من الضربات التي تلقاها برنامج إيران النووي وقدراتها الصاروخية وشبكة وكلائها جراء القصف الأميركي – الإسرائيلي المستمر، لكن أنقرة لا تزال تملك أسباباً وجيهة تدفعها للقلق: فقد أصبح نظام الجمهورية الإسلامية المتبقي أكثر تشدداً وأكثر خضوعاً لسيطرة الحرس الثوري، فيما تقلص المجال المتاح للبراغماتية الدينية والمرونة السياسية مقارنة بالسابق.

ما تفضله تركيا في هذه المرحلة هو أن تكون إيران مستقرة ولكن مقيدة، وخاضعة لاتفاق مستدام من النوع الذي كثيراً ما فضلته تركيا – أي ترتيب أقرب في الروح والمضمون إلى الاتفاق النووي الإيراني المبرم عام 2015 منه إلى الدبلوماسية الارتجالية والمتقلبة التي يتبعها الرئيس الأميركي دونالد ترمب – مع فرض قيود قابلة للتحقق على برنامج إيران النووي ونفوذها الإقليمي. ومن شأن مثل هذه النتيجة أن تخدم أولويات تركيا بصورة أفضل: إذ تمنع تجدد الحرب، وتحد من النفوذ الإيراني في القوقاز، وتفتح مجالاً أوسع للتجارة عبر جنوب القوقاز وصولاً إلى آسيا الوسطى. كما أن أي تخفيف تدريجي للعقوبات المفروضة على طهران سيعزز مكانة تركيا كشريك تجاري رئيس لإيران، وكمحرك اقتصادي للمنطقة.

الجبهة الكردية

من ناحية أخرى، سلطت الحرب في إيران الضوء على هشاشة عملية السلام التي تقودها أنقرة مع “حزب العمال الكردستاني”، الجماعة المسلحة التي خاضت تمرداً على مدى عقود ضد الدولة التركية. وستفضي تلك العملية، التي اكتسبت زخماً عام 2025 بعد دعوة الزعيم الكردي المسجون عبدالله أوجلان إلى وقف إطلاق النار، إلى حل حزب العمال الكردستاني في النهاية. لكن هذا الأمر ليس مؤكداً، في ظل بطء أنقرة في تنفيذ الإصلاحات القانونية الضرورية، وفي ظل الاضطرابات التي تعصف بالمنطقة. ولا تزال جميع الأطراف جالسة إلى طاولة المفاوضات من أجل منع تجدد الصراع المفتوح بين حزب العمال الكردستاني والدولة التركية، كما أن الهدوء على الجبهة الكردية يمثل ضرورة سياسية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان: فقد بلغت ولايته الدستورية حدها الأقصى، وهو بحاجة إلى دعم الحزب المؤيد للأكراد في البرلمان إذا أراد تعديل القانون كي يحق له الترشح مرة أخرى في الانتخابات التركية المقبلة.

لكن الحرب على الحدود الشرقية لتركيا قد تقوض كل هذه الجهود، وقد قلقت أنقرة عندما طرح ترمب لبعض الوقت، عقب أولى الضربات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل، فكرة استخدام القوات الكردية الإيرانية للمساعدة في إشعال انتفاضة داخل إيران. ورأت تركيا في ذلك خطوة قد تقود إلى قيام حكم ذاتي للأكراد، وقد تعيد العلاقات الأميركية – التركية إلى مرحلة الخلافات الحادة التي سادت قبل نحو عقد من الزمن، عندما قامت واشنطن بتسليح القوات الكردية السورية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني وأرسلت قوات أميركية لتقاتل إلى جانبها ضد تنظيم “داعش” في سوريا. وفي الجلسات المغلقة، أعرب المسؤولون الأتراك عن قلقهم من أن تؤدي أية محاولة خارجية لتسليح الأكراد الإيرانيين، بمن فيهم أولئك المرتبطون بحزب العمال الكردستاني، إلى إضعاف رغبة الحركة برمتها في إلقاء السلاح والتوصل إلى اتفاق شامل مع تركيا. ومن شأن تحالف جديد بين الولايات المتحدة والأكراد أن يشجع الأكراد في جميع أنحاء المنطقة على الحلم بالاستقلال، مما يعرقل مسار السلام الهش مع حزب العمال الكردستاني ويعقد العملية الصعبة المتمثلة في دمج الأكراد السوريين في النظام السوري الجديد. وقد يؤدي ذلك، في أسوأ الاحتمالات، إلى قيام دويلة تابعة لحزب العمال الكردستاني مدعومة من الولايات المتحدة على الحدود التركية.

في الوقت الحالي، خفتت حدة هذه المخاوف. فقد تراجع ترمب عن فكرة فتح جبهة كردية داخل إيران، وأخبرني مسؤول تركي رفيع المستوى أن “الأكراد اتخذوا خياراً استراتيجياً” بعدم الدخول في الحرب. اختارت جماعة تابعة لحزب العمال الكردستاني في إيران، وهي أيضاً أقوى فصيل كردي داخل البلاد، عدم حمل السلاح ورفض الدعم الأميركي والإسرائيلي. ومع ذلك، كشفت هذه الحادثة عن ضعف تركيا: فمن الممكن لقوى خارجة عن سيطرة أنقرة أن تعيد فتح الملف الكردي بسرعة، والوسيلة الوحيدة الموثوقة للتحوط ضد هذا الخطر هي التوصل إلى تسوية دائمة مع حزب العمال الكردستاني.

اختلال ميزان القوى

كما تشعر أنقرة بالقلق إزاء توسع الدور الإقليمي لإسرائيل ونفوذها في واشنطن، فقد جمعت علاقة شراكة وثيقة بين تركيا وإسرائيل في تسعينيات القرن الماضي وأوائل الألفية الجديدة، إذ كانتا تتبادلان المعلومات الاستخبارية وتجريان مناورات عسكرية مشتركة، كما اشترت تركيا أسلحة إسرائيلية لتطوير جيشها. أما الآن، فقد أصبحتا تتصادمان بصورة علنية وترى كل منهما في الأخرى تهديداً بصورة متزايدة. فقد ولدت الحرب في غزة، التي عارضتها تركيا بشدة، شرخاً لا يمكن إنكاره وأدت إلى تعليق العلاقات التجارية. لكن قلق تركيا اشتد بصورة خاصة مع قيام إسرائيل باستعراضات قوة متكررة في لبنان وسوريا بعد سقوط نظام الأسد، لترسخ مكانتها كقوة عسكرية مهيمنة في المنطقة.

ولا ترى أنقرة في الحرب الإسرائيلية ضد إيران حملة عسكرية منعزلة، بل تعتبرها جزءاً من مخطط أوسع لإعادة تشكيل المنطقة بالقوة. ويرى عدد من المعلقين والسياسيين في تركيا الآن أن هذه الاستراتيجية، في جزء منها في الأقل، محاولة لتطويق تركيا واحتوائها. فقد قصفت إسرائيل قواعد جوية في سوريا كانت تركيا تدرس إمكان استخدامها، كما عمقت تعاونها في مجال الدفاع مع اليونان وقبرص بطرق تهدف صراحة إلى تحدي تركيا. وأصبح المعلقون الإسرائيليون يصفون تركيا بصورة متزايدة بأنها تهديد طويل الأمد، مما أثار حفيظة المراقبين الأتراك. ويخشى المسؤولون الأتراك من أنه إذا أفضت الحرب إلى تقوية إسرائيل وزيادة جرأتها وإضعاف إيران إلى حد كبير، فقد تجد تركيا نفسها محاصرة، وتقل فرصها في تشكيل النظام الجديد في سوريا، كما يتضاءل نفوذها في شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث تشتد المنافسة على موارد الطاقة، وتتضاءل فرصها في إعادة بناء العلاقات مع واشنطن.

وقد وضعت كل هذه العوامل أردوغان في موقف صعب، فلا تريد أنقرة أن تهيمن إيران على المنطقة، لكنها لا تريد أيضاً نشوء نظام في فترة ما بعد الحرب يقوم على الهيمنة الإسرائيلية والتقلبات الأميركية التي لا يمكن التنبؤ بها. من خلال بقائها خارج الحرب، تكتسب تركيا بعض الوقت لاستخدام الدبلوماسية في محاولة إقناع واشنطن بالالتزام بتسوية تفاوضية تقيد برامج إيران النووية والصاروخية من دون أن تؤدي إلى انهيار الدولة الإيرانية. تحاول أنقرة أيضاً إقناع الولايات المتحدة بأن أجندة إسرائيل الإقليمية التي تسعى إلى توسيع نفوذها في سوريا ولبنان قد تضر بمصالح الولايات المتحدة وتخاطر بجرها إلى صراعات طويلة الأمد، وقد دعمت تركيا الوساطة الباكستانية في المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة.

وأنشأ كل من تركيا وإسرائيل الآن قناة اتصال في سوريا، بوساطة من الولايات المتحدة، للحد من خطر الاشتباكات العرضية في ظل توسيع كلا الجانبين لوجودهما العسكري هناك، لكن هذه المحادثات تتسم بطابع تقني صريح ولا تمثل خطوة نحو التطبيع. في ظل حكم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وأردوغان، من المستبعد للغاية حدوث مثل هذا التغيير، لا سيما في عام انتخابي في إسرائيل. وحتى لو انتهت الحرب مع إيران، فإن التنافس الإسرائيلي – التركي لن يتوقف، وستستمر العداوة الاستراتيجية على المدى البعيد.

حرب تأسيسية ثالثة

في الماضي، تغير شكل الدولة التركية بفعل الحروب الكبرى بين القوى العظمى وحلفائها الإقليميين، فقد تسببت الحرب العالمية الأولى بانهيار الإمبراطورية العثمانية، وتجريدها من معظم أراضيها في الشرق الأوسط، وأسهمت بولادة الجمهورية التركية الحديثة. وساعد الحياد التركي في الحرب العالمية الثانية في إدامة الحكم الاستبدادي في الداخل، لكن الحرب ربطت تركيا في النهاية بالغرب المنتصر، مما وضعها على مسار الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي. قد تسفر الحرب الأخيرة عن نتائج مماثلة: فقد تؤدي إلى نشوء نظام إقليمي تكون فيه تركيا إما أكثر أماناً، أو أكثر عرضة للخطر من ذي قبل.

ومن هذا المنطلق، قد يقود الجمود إلى كارثة: فلتجاوز مرحلة الاضطراب الراهنة، لا يكفي أن تعتمد أنقرة على موازنة تكتيكية. صحيح أنها قد لا تكون قادرة على التحكم في الاضطرابات الإقليمية، لكنها تستطيع الحد من الأخطار التي تهددها. أولاً، ستحتاج إلى التقدم في عملية السلام مع الأكراد، وهي مفاوضات تخلف تداعيات على مناطق النزاع في تركيا، وكذلك في العراق وسوريا. إن تسوية القضية الكردية ستعني أنه لا يمكن لأي صراع خارجي أن يعيد فتح أخطر شرخ داخلي في تركيا، يمكن للبرلمان التركي أن يبدأ بتمرير قانون طال النقاش حوله، يسمح لأعضاء حزب العمال الكردستاني بإلقاء السلاح والعودة لتركيا. ويمكن لأنقرة توسيع الحيز المتاح للأكراد بالسماح لأوجلان بالانخراط في الحياة السياسية التركية بصفته طرفاً شرعياً، ونقل صلاحيات وبعض المسؤوليات إلى البلديات الكردية، وإطلاق سراح السجناء السياسيين. ستمثل جميع هذه الخطوات إشارة إلى أن عملية السلام مستمرة، بغض النظر عما يحدث في المنطقة.

كما يتعين على تركيا أن تعمل على إحلال الاستقرار في المناطق التي تتمتع فيها بنفوذ، وأن تبذل مساعي دبلوماسية حيثما أمكن ذلك، وعليها أن تبذل كل ما في وسعها لمساعدة حكومتي العراق وسوريا في تجاوز الأزمات الحالية. وما يعنيه ذلك في سوريا، هو دعم الجهود الرامية إلى إعادة دمج “قوات سوريا الديمقراطية” التي يقودها الأكراد في الدولة الجديدة، ومساعدة دمشق في إدارة شؤون الحكم في مرحلة ما بعد الحرب، وإبقاء قنوات الاتصال مع إسرائيل مفتوحة كي لا تتحول سوريا إلى ساحة اشتباكات مباشرة بين القوات التركية والإسرائيلية. وفي العراق، يعني ذلك تعميق التنسيق الأمني مع بغداد ضد تنظيم “داعش”، ومنافسة إيران على النفوذ السياسي في البلاد، وحماية طرق التجارة والطاقة والعبور التي تربط تركيا بالخليج. ومن شأن استقرار العراق وسوريا أن يهدئ المناطق الحدودية التركية ويعزز موقف أنقرة في أي نظام إقليمي ينشأ بعد الحرب. وفي نهاية المطاف، سيتعين على أنقرة فتح حوار مع إسرائيل لمناقشة الأمن الإقليمي والتفاوض في شأن مستقبل سوريا.

أسوأ مخاوف تركيا هو انهيار الدولة في إيران

يمكن أن يؤدي فتح الحدود مع أرمينيا إلى تعزيز ما يسمى بالممر الأوسط عبر جنوب القوقاز وآسيا الوسطى، ومن شأن مثل هذه الخطوة أن تقلل من اعتماد أنقرة على طرق التجارة الجنوبية الأكثر اضطراباً، في وقت يشهد فيه الإقليم اختلالات حادة في قطاعي الطاقة والشحن. ويمكن أن يساعد إرساء الاستقرار على حدودها المباشرة في جعل تركيا مركزاً تجارياً مهماً، وتعزيز مكانتها في نظام ما بعد الحرب القائم على التجارة والروابط، وليس على الأزمات الدائمة.

ومن الناحية النظرية، فإن حل الخلافات العالقة بين تركيا والولايات المتحدة من شأنه أن يساعد أيضاً عن طريق تخفيف العقوبات وإعادة فتح الباب أمام التعاون الدفاعي. والخلافات الأساسية معروفة للجميع: وهي العقوبات الأميركية بسبب شراء تركيا لمنظومة “إس-400” من روسيا، وخصوصاً من بينها استبعاد تركيا من برنامج مقاتلات “إف-35” التابع لحلف “الناتو”، فضلاً عن العداء التركي المتزايد تجاه إسرائيل، الحليف الرئيس للولايات المتحدة. ولكن بالنظر إلى ميل ترمب إلى قطع وعود كبيرة ثم التقاعس عن بذل الجهد الدؤوب والمستمر اللازم لتنفيذها، قد لا يكون التطبيع الكامل مع الولايات المتحدة وارداً في الوقت الحالي. وقد يكون المسار الأكثر حكمة هو أن تعتمد تركيا بصورة أكبر على حلف “الناتو” وأوروبا، مع تعزيز دفاعاتها الجوية والصاروخية. وعلى المدى الطويل، ليس أمام تركيا من خيار سوى الاعتماد على نفسها في سياسة الصناعة الدفاعية.

باختصار، تحتاج تركيا إلى استراتيجية محكمة تمكنها من الحفاظ على الاستقرار الداخلي مع الأكراد، وتأمين حدودها، والبروز كمركز ربط إقليمي في مجالي الطاقة والتجارة. وهذا يعني التعامل مع تقلبات الحرب والتنافس بين القوى العظمى، من دون الاكتفاء بتحسين العلاقات مع واشنطن وحدها. قد يبدو التزام الحياد في أي نزاع هو القرار الصائب لبلد في وضع تركيا، ولكن إذا أرادت تركيا أن تخرج من فترة الاضطرابات الإقليمية وهي أكثر أماناً وليس أكثر ضعفاً، فلا يمكنها أن تظل في موقف المتفرج تماماً.

 

أصلي أيدن طاشباش هي زميلة في معهد بروكينغز، ومديرة مشروع تركيا التابع للمعهد.

مترجم عن “فورين أفيرز”، 27 أبريل (نيسان) 2026

المصدر: أندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى