
احتفلت إسرائيل هذه السنة بسنويتها الثامنة والسبعين في 22 الجاري، الذي يتطابق في التقويم اليهودي مع 14 أيار/ مايو. وبهذه المناسبة جرى توزيع الجوائز السنوية التي تمنح للمبرزين في مختلف المجالات العلمية والاقتصادية والفنية والاجتماعية. الجائزة هي الأرفع في إسرائيل، ويتم توزيعها في احتفال يحضره جميع رجالات الدولة والوجوه الأدبية والفنية والاجتماعية البارزة في المجتمع الإسرائيلي. والمفاجأة تمثلت هذه السنة في منح الجائزة للرئيس الأميركي دونالد ترامب تقديراً “لمساهمته المميزة” في خدمة مصالح الشعب اليهودي.
إسرائيل، دولة السؤال الدائم عن مصير وجودها، ركنت إلى تعهد ترامب دعم كل ما يخدم أمنها ووجودها، كما لم تركن إلى أي رئيس أميركي آخر. ولم تكن أرفع جوائز إسرائيل التي منحت له، سوى قمة جبل الجليد من طقوس العرفان بالجميل. فخلال الفترة المنصرمة من رئاسة ترامب الثانية سجل نتنياهو رقماً قياسياً في عدد زيارت الاستدعاء إلى البيت الأبيض. وخلال هذه المدة، لم يسجل نتنياهو وحكومته اعتراضاً علنياً واحداً على اقتراحات ترامب وخططه المتعلقة بإسرائيل ومصالحها في المنطقة. هذا على الرغم من أن الكثير منها كان يثير غضباً مكتوماً لدى نتنياهو ووزرائه، بدءاً من خطة “سلام غزة” وانتهاءً بوقف إطلاق النار الأخير مع إيران وحزب الله وإلزامه بالتفاوض مع السلطة اللبنانية التي لا يكن لها سوى الغضب من عجزها على تجريد حزب الله من سلاحه.
المعارضة الإسرائيلية (لم يعد أحد يأتي على ذكر يسار في إسرائيل) ترى في علاقة ترامب بإسرائيل ونتنياهو تبعية تكاد تفقد إسرائيل سيادتها وحرية قرارها. ونشر إعلامها الكثير من النصوص التي طرحت فيها السؤال مباشرة: من يحكم إسرائيل نتنياهو أم ترامب. ويلاحظ في النصوص التي نشرت بمناسبة السنوية 78 لإسرائيل التركيز على مسألة السيادة بشكل واضح. وذهب أحدهم إلى التذكير بأن أهم ما في الصهيونية هو التركيز على سيادة الدولة اليهودية، وإمساك اليهود بمصيرهم بيدهم. ورأى أن ما يجري في إسرائيل الآن في ظل حكومة نتنياهو، هو خروج على الصهيونية وخيانه لها.
ويشار إلى أن المعارضة نظمت في تل أبيب احتفالاً “ليبرالياً ديمقراطياً” بالمناسبة بديلاً عن الحفل الرسمي، وشارك فيه الآلاف. وشهد الحفل انتقادات لاذعة للسلطات، حيث طالب المشاركون بالتحقيق في أحداث 7 أكتوبر/ تشرين الأول، ودعوا إلى المساءلة السياسية، حسب الإعلام الإسرائيلي الناطق بالروسية.
معظم النصوص التي نشرت في الإعلام الإسرائيلي الناطق بالروسية تشير إلى أن الاحتفالات جرت في ظل الانقسام الداخلي وأجواء الحرب السائدة. وهي المرة الأولى منذ العام 2023 التي تجري فعاليات الاحتفال بحضور الجمهور. ويشار إلى أن جميع فعاليات الاحتفال الذي جرى على جبل هرتزل في القدس قد تم تصويرها على شريط فيديو، تحسباً لعرض الاحتفال على شاشات التلفزة ومن دون حضور الجمهور، وذلك تخوفاً من أي مسيّرة أو صاروخ يستهدف الاحتفال.
كانت قليلة النصوص التي كررت لهجة نتنياهو المتباهية بانتصارات إسرائيل على كل الجبهات، وأن إسرائيل الآن غيرها من قبل، وأن نتنياهو غير الشرق الأوسط وإلخ.
لكن، مع ذلك، ظهرت مثل هذه النصوص وعلى صفحات مواقع واسعة الانتشار، مثل موقع walla. فقد نقل عنه في 21 الجاري موقع zahav الإسرائيلي الناطق بالروسية نصاً عنونه بالقول: “لقد ولى زمن طهران: الإنقلاب في الشرق الأوسط”.
يشير موقع walla إلى أنه كانت توجد في طهران ساعة تحتسب الوقت المتبقي حتى تزول إسرائيل. وقد توقفت الساعة عن الاحتساب بعد هجوم حماس في 7 أكتوبر، وليس لأن إيران اعتبرت أن ساعة زوال إسرائيل قد حلت، بل لأنها اعتبرت أن المعركة الحاسمة لإزالة إسرائيل قد بدأت. ويقول بأن الهجوم قد أظهر أن محور المقاومة موجود كقوة ملموسة ضد إسرائيل. لكن ما لحق بإيران وأذرعها من دمار وخراب في الحرب الإسرائيلية الأميركية جعل الوقت بالنسبة لإيران يتحول من رصيد لها إلى قيد عليها.
يقول الموقع إنه على خلفية هذه “التغيرات الكبيرة” تحتفل إسرائيل بالسنوية الثامنة والسبعين لاستقلالها. ومن منظور تاريخي، يكاد يكون من المستحيل تصور ذلك: دولة صغيرة، محاطة بالأعداء، وكانت تُوصف عادة بأنها “ظاهرة مؤقتة”، تُظهر تفوقاً تكنولوجياً وعسكرياً وتطرح نفسها كقوة إقليمية مركزية.
وبعد أن يستعرض عناصر قوة إسرائيل وتفوقها، يقول إن إسرائيل قبل 7 أكتوبر ليست كما بعده. فقد أصبحت أقل اعتماداً على رد الفعل وأكثر مبادرة إستباقية، وتعتمد بشكل أقل على الردع الحالي وأكثر على إعادة تشكيله من خلال العمل المتواصل والعمق الاستراتيجي والمرونة العملياتية. وهذا لا يقلل من التحديات، بل على العكس، فقد أصبحت أكثر حدة وتعقيداً. ولكن الانتقال من مجرد الحفاظ على الوجود إلى الإدارة الاستباقية للواقع قد أصبح أكثر جلاءً ووضوحاً.
المواقع الأخرى التي تسنى الإطلاع عليها، كانت تشغلها مسألة السيادة أكثر من الحديث عن الانتصارات ودروسها. فقد نشر موقع يديعوت أحرونوت الناطق بالروسية vesty في 23 الجاري نصاً تحدث فيه عن ما حصلت عليه إسرائيل تحت غطاء النصر.
استهل الموقع نصه بالإشارة إلى تبجحات الحرس الثوري بالانتصارات الوهمية التي حققتها إيران. لكنه يقول إن ثمة نصراً حقيقياً قد أحرزوه لكنهم لا يدركونه. ويرى أن هذا النصر يتمثل في أن إسرائيل قد فقدت استقلالها في مجال أمنها الخاص على الرغم من النجاحات العسكرية الواضحة والمذهلة. لقد فقدت إسرائيل السيادة في هذا الحقل الهام من بنية الدولة، وذلك بوضعها حق اتخاذ القرار في أيادي غريبة (أميركية).
ويرى أن هذا هو انهيار لفكرة الصهيونية نفسها، والتي يتلخص جوهرها في أن لا يكون المرء هدفاً للقانون الدولي، بل فاعلاً يحدد مصيره بنفسه. وفي ألا يعتمد على رحمة الشعوب المحيطة، أو على نوايا حكام القوى الأخرى، سواء كانت حسنة أم سيئة، أو على تعاطفهم أو أهوائهم واصطفافاتهم.
صحيفة تايمز أوف إسرائيل قارنت في نص نشرته في 22 الجاري بين إسرائيل في سنويتها الثامنة والسبعين والولايات المتحدة في سنويتها المئتين والخمسين، وما تكشفه السنويتان بالنسبة لمسألة السيادة.
ترى الصحيفة أن السيادة هي قوة وليست نصباً تذكارياً. وتقول بأن لحظة تأسيس إسرائيل العام 1948 ولحظة تأسيس الولايات المتحدة العام 1776 كانت لحظة مفصلية حاسمة، لكنها لم تكن نهائية. وما تلاها، وما زال، هو المهمة الأصعب: الحفاظ على السيادة في ظل ظروف متغيرة. بالنسبة لإسرائيل، تطلّب ذلك مواجهة تهديدات أمنية مستمرة، وضغوط دبلوماسية، ونقاشات سياسية داخلية، مع الحفاظ على المؤسسات الديمقراطية. لقد تحوّلت “معجزة” تأسيسها إلى شيء أكثر ديمومة.
موقع STMEGI الإسرائيلي الناطق بالروسية رأى في نص نشره في 21 الجاري أن إسرائيل، وهي تبدأ عامها التاسع والسبعين، تقف أمام مفترق طرق. فهي يمكن أن تتحول إلى دولة قومية يهودية دينية بمستوى من البنية التحتية والناتج المحلي الإجمالي يضاهي دول العالم الثالث، أو يمكنها العودة إلى المسار الصهيوني وتصبح نموذجاً للجمع بين القيم الليبرالية والتقاليد القديمة. والخيار يبقى لنا. فإذا لم نُحدث تغييراً جذرياً في المسار، فإن السيناريو الأول هو المرجح. لكن الأغلبية الصهيونية هي من سيتعين عليها تغيير مسار السفينة ومنعها من الاصطدام بجبل الجليد الذي تتجه نحوه الآن.
المصدر: المدن






