
أُعلِن رسميًّا أنّ اجتماعًا ثانيًا سيُعقَد يوم الخميس في مقرّ وزارة الخارجيّة الأميركيّة في واشنطن، بين سفيرَي لبنان وإسرائيل، استكمالًا للاجتماع الأوّل الذي تناول التهدئة في الجنوب. وبحسب ما تمّ الاتّفاق عليه، سيتركّز الاجتماع الجديد على بحث تمديد فترة وقف إطلاق النّار في لبنان، والتحضير لعقد جلسة مفاوضات على مستوى وفدٍ موسّع، يترأّسه من الجانب اللّبنانيّ السّفير السّابق سيمون كرم.
مسار تفاوضيّ برعاية أميركيّة
في موازاة هذا المسار، أكّد رئيس الجمهوريّة جوزاف عون أنّ “المفاوضات الثّنائيّة سيتولاها لبنان من خلال وفدٍ يترأّسه السّفير سيمون كرم، ولن يشارك أحد لبنان في هذه المهمّة أو يحلّ مكانه”، في موقفٍ يعكس تمسّك بيروت بإدارة التّفاوض ضمن سقفٍ سياديّ واضح.
وتحدّثت معلومات عن اتّصالٍ ثانٍ مرتقب بين عون والرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب، في وقتٍ بات فيه من المستبعد عقد لقاء في البيت الأبيض يجمع عون برئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، نظرًا إلى ما قد يخلّفه مثل هذا اللّقاء من انعكاسات خطيرة على الدّاخل اللّبنانيّ، رغم وجود أصواتٍ داخليّة تشجّع على هذه الخطوة. وفي هذا السّياق، رأى رئيس حزب “القوّات اللّبنانيّة” سمير جعجع أنّ لقاءً من هذا النّوع يجب أن يحصل، معتبرًا أنّه يمثّل الحلّ الأنجح لأزمة لبنان الحاليّة.
تصعيد ميدانيّ ورسائل بالنّار
ميدانيًّا، أعلن المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ، في بيان، تعرّض قوّات الجيش في بلدة “ربّ ثلاثين” جنوبيّ لبنان لعدّة قذائف صاروخيّة قال إنّ “حزب الله” أطلقها باتّجاهها. كما أشار إلى اعتراض مسيّرة أُطلِقت من لبنان نحو منطقة إصبع الجليل، وهو ما أدّى إلى تفعيل صفّارات الإنذار التي كان قد وُصِف بعضها سابقًا بأنّه “تشخيص خاطئ”.
ولاحقًا، أعلن الجيش الإسرائيليّ تدمير المنصّة التي أُطلِقت منها الصّواريخ، مؤكّدًا أنّ ما جرى يُشكّل “خرقًا صارخًا” للاتّفاق المبرَم.
وكانت صفّارات الإنذار قد دوّت، مساء الثّلاثاء، في بلدتين إسرائيليّتين حدوديّتين في منطقة كريات شمونة، قبل أن يُعلن الجيش الإسرائيليّ بدايةً أنّ الأمر ناتج من “تشخيص خاطئ”، ثمّ يتراجع عن هذا التّوصيف، ويُقِرّ بإطلاق “حزب الله” قذائف نحو قوّاته في بلدة ربّ ثلاثين، إلى جانب مسيّرة قال إنّه اعترضها قبل تسلّلها إلى المنطقة.
كذلك أعلن الجيش الإسرائيليّ مقتل لبنانيَّين، مساء الإثنين والثّلاثاء، بذريعة عبورهما “الخطّ الأصفر” واقترابهما من قوّاته بما يُشكّل خطرًا عليها، وفق ادّعائه.
هدنة هشّة وخروقات يوميّة
في المقابل، ارتفعت حصيلة ضحايا الحرب الإسرائيليّة على لبنان منذ 2 آذار/مارس الماضي إلى 2454 شهيدًا و7658 جريحًا، وسط استمرار عمليّات انتشال جثامين الشّهداء من تحت ركام مبانٍ تعرّضت لغارات إسرائيليّة.
وتتواصل، في الوقت نفسه، خروقات الاحتلال للهدنة الهشّة بوتيرةٍ شبه يوميّة، عبر نسف المنازل، والقصف المدفعيّ، وتحليق المسيّرات في الأجواء اللّبنانيّة، فضلًا عن إنذارات متكرّرة للنازحين بعدم العودة إلى مناطق سكنهم.
وفي هذا السّياق، استهدفت مسيّرة إسرائيليّة منطقة اللّيطاني، ما أدّى إلى سقوط ستّة جرحى، فيما واصلت إسرائيل سعيها إلى فرض منطقة أمنيّة قسّمتها إلى ثلاث فئات، وعملت على تفريغها من سكّانها بفعل الإنذارات المتكرّرة والتّدمير المنهجيّ للمنازل.
“الخطّ الأصفر” يفاقم التّوتّر
وأعلن جيش الاحتلال الإسرائيليّ رسم “خطٍّ أصفر” جديد في جنوب لبنان، على غرار ما فعله سابقًا في قطاع غزّة، عبر إقامة منطقةٍ عازلة جديدة تتطلّب إخلاء 55 قرية من سكّانها، في خطوةٍ توحي بعملٍ عسكريّ واسع على الأرض.
وذكرت صحيفة “هآرتس” أنّ المخطّط الإسرائيليّ يستند إلى استراتيجيّة تدميرٍ شامل للمرافق الحيويّة ومقوّمات الحياة، تحت مسمّى “عمليّات تطهير وتنظيف”، باستخدام معدّات وشركات مقاولات سبق أن شاركت في عمليّات مشابهة داخل قطاع غزّة.
وضمن هذه السّياسة، استهدفت إسرائيل الحارات القديمة في بلدة ميس الجبل الجنوبيّة، ما غيّر معالم البلدة بصورةٍ كبيرة، فيما أظهرت صورٌ متداولة حجم الدّمار الذي حوّل منازلها إلى أثرٍ بعد عين.
مواقف لبنانيّة بين التّفاوض والمقاومة
سياسيًّا، أكّد رئيس مجلس النّوّاب نبيه برّي أنّه لا يعارض التّفاوض مع إسرائيل، شرط أن يكون غير مباشر، رافضًا القبول بأيّ “خطٍّ أصفر” في جنوب لبنان، ومشدّدًا على مواجهة الاحتلال “بالمقاومة” إذا أصرّ على البقاء، مع دعوة النّازحين إلى التّريّث في العودة.
من جهته، قال النّائب في كتلة “الوفاء للمقاومة” حسن فضل الله إنّ “هذا الخطّ الأصفر سنُسقطه بالمقاومة، بإصرارنا على حقّنا في الدّفاع المشروع عن أنفسنا وعن بلدنا”، معتبرًا أنّ الدّولة اللّبنانيّة معنيّة، عبر دبلوماسيّتها، بأن “تتحرّك في هذا المجال، لا أن تذهب إلى مفاوضات مباشرة” مع إسرائيل.
وأضاف، في تصريحاتٍ لوكالة الصّحافة الفرنسيّة، أنّه “عندما يكون هناك احتلال، لن يستطيع أحد أن يأتي إلى المقاومة ليقول لها إنّ هناك قرارات بحصريّة السّلاح أو ما شابه”، واصفًا الخطوات الإسرائيليّة بأنّها “غبيّة”، ومن شأنها أن “تكرّس حقّنا في المقاومة”.
دعم قطريّ وحراك فرنسيّ
إقليميًّا، برز موقفٌ قطريّ داعم للبنان، إذ قال المتحدّث باسم الخارجيّة القطريّة ماجد الأنصاري إنّ “دولة قطر تدعم التهدئة في لبنان على مختلف الأصعدة”.
وفي موازاة ذلك، بدأ رئيس الحكومة نواف سلام زيارةً إلى باريس للقاء مسؤولين فرنسيّين، في مقدّمهم الرّئيس إيمانويل ماكرون. وتأتي الزّيارة في أعقاب مقتل جنديّ فرنسيّ من قوّات “اليونيفيل” في جنوب لبنان، واتهام باريس “حزب الله” بالمسؤوليّة عن مقتله، في مقابل نفي الحزب لهذه الاتّهامات.
وتسعى فرنسا، بحسب المعطيات، إلى الحفاظ على وجود قوّاتها في الجنوب بعد انتهاء مهلة عمل “اليونيفيل”، كما تتطلّع إلى أداء دورٍ في أيّ تسويةٍ يُجرى الإعداد لها أميركيًّا، بمشاركة السّعوديّة وتركيا ومصر وباكستان. غير أنّ الولايات المتّحدة تُبدي، في المقابل، موقفًا حذرًا من هذا الدّور، وتعمل على الحدّ من حضوره وتأثيره في لبنان والمنطقة.
وبين مسارٍ تفاوضيّ يُستأنف في واشنطن، وتصعيدٍ ميدانيّ يتواصل في الجنوب، يبدو لبنان أمام مرحلةٍ شديدة الحساسيّة، تتقاطع فيها الضّغوط الدّبلوماسيّة مع الوقائع العسكريّة. وفي ظلّ هدنةٍ هشّة، وتباينٍ داخليّ حول شكل المواجهة وحدود التّفاوض، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالاتٍ متعدّدة، تتراوح بين تثبيت التّهدئة والانزلاق مجدّدًا إلى مواجهةٍ أوسع.
المصدر: المدن


