في تغطية الحروب، يظهر حضور المرأة في الإعلام غالباً من موقع محدّد سلفاً. تكون المذيعة على الشاشة، تقدّم نشرات الأخبار وتواكب التطورات، وقد تكون المراسلة في الميدان تنقل تفاصيل النزوح والخسائر اليومية مع بعض المراسلات في الخطوط الأمامية. لكن عندما يبدأ التحليل، ويتحوّل الخبر إلى قراءة سياسية أو عسكرية أو استراتيجية، يتقدم الرجال إلى الواجهة، ويتراجع حضور النساء تدريجياً.
في كثير من التغطيات الحربية، تُسند إلى النساء مهمّة نقل المعاناة الإنسانية وتفاصيل الحياة تحت القصف وفي مراكز الإيواء، فيما يُترك النقاش السياسي والعسكري والاستراتيجي للرجال. والمفارقة أن هذا الحضور الإنساني الكثيف لا يواكبه اهتمام مماثل بحاجات النساء أنفسهن خلال الحرب. فخصوصياتهن الصحية واليومية وتحديات النزوح التي يواجهنها تبقى في معظم الأحيان خارج التغطية الإعلامية.
امرأة تظهر… وأخرى تُخفى
تقول رئيسة ومؤسسة جمعية Equipaths عبير شبارو لـ”المدن” إن الإعلام يفترض أن يكون مرآة المجتمع، “لكنه لا ينقل هذه الصورة كاملة”. وتوضح أن صورة المرأة في الإعلام خلال الحرب ليست واحدة، بل تتبدل بحسب توجه الوسيلة نفسها: “هناك وسائل تُظهر المرأة كضحية، وأخرى تُظهرها مقاومة وقوية، وبالتالي صورة المرأة في الإعلام تختلف مثل المجتمع المختلف”.
وهذا ما تؤكده أيضاً الدكتورة مي عبدالله، الباحثة في علوم الإعلام والتواصل، التي ترى أن هذه الصورة للمرأة لا تنعكس بالكامل في الإعلام اللبناني، إذ ما يزال يتعامل معها ضمن أطر نمطية تختلف من وسيلة إلى أخرى. تقول: “لكل وسيلة إعلامية صورة نمطية معينة للمرأة”، مما يجعل حضورها الإعلامي مرتبطاً غالباً بزوايا محددة سلفاً.
ترتيب الأولويات
لكن المشكلة، حسب شبارو، لا تقف عند حدود الصورة، بل تمتد إلى ترتيب الأولويات نفسها داخل التغطية الإعلامية. تقول: “حسب الأولويات في الحرب، لا أحد يتحدث عن حاجيات النساء، لأن هذا النوع من المواضيع لا يجلب المال ولا نسب مشاهدة للأسف”.
وتشير عبدالله، من زاوية أخرى مكملة، إلى أن دور المرأة خلال الحرب كان أوسع بكثير مما يظهر على الشاشة: “هي ربة منزل تحضن أسرتها وتقويها، وتتحمل الموت وتواجه تحديات كثيرة في الحرب والأزمات”، لافتة إلى أن هذا الدور المركب لا يُضاء عليه بالشكل الكافي إعلامياً.
وترى أن هناك تقصيراً واضحاً في التغطية الإعلامية من جهتين أساسيتين: الأولى تتعلق بعدم إبراز حجم الجهد الذي تبذله النساء خلال الحرب، والثانية ترتبط بضعف الإضاءة على المعاناة التي يواجهنها في المخيمات ومراكز النزوح. وتضيف أن هذا التقصير لا يقتصر على الإعلام اللبناني فقط، بل يمتد أيضاً إلى الإعلام العالمي، حيث “لا توجد إضاءة حقيقية على المعاناة الإنسانية لا للنساء ولا للرجال”.
زوايا إنسانية
في المقابل، تشير المنتجة والمقدمة في قناة “الجديد” ريمان ضو إلى أن تناول قضايا النساء في التغطية الإعلامية جاء غالباً من زاوية النزوح نفسه: امرأة حبلى وصلت إلى مركز إيواء، وأخرى تحمل رضيعاً عمره شهران. لكنها تؤكد أن هناك حدوداً غير مكتوبة لما يمكن تناوله إعلامياً: “تفاصيل الخصوصية النسائية وحاجياتها خلال النزوح لا نتناولها، لأن هذا الموضوع ما زال غير مقبول مجتمعياً”.
بهذا المعنى، تبقى أجزاء أساسية من تجربة النساء خلال الحرب غير مرئية إعلامياً، رغم أنها تشكل جزءاً يومياً من واقع النزوح. ومع ذلك، ترفض ضو فكرة غياب النساء بالكامل عن المشهد التحليلي الإعلامي. تقول: “صحيح أن عدد المحللين الرجال أكثر، لكن كانت هناك دائماً سيدات محللات ونأخذ بآرائهن. لا يعني أن الرجل لديه معلومات أكثر أو أفضل من النساء”. وتضيف أن وسائل الإعلام “استضافت نائبات ومتخصصات ودكاترة وناشطات في العمل الاجتماعي للحديث عن حاجيات الناس وغيرها”.
تعزيز حضور المرأة
كما ترى ريمان ضو أن الحرب الأخيرة عززت حضور المرأة كقوة اجتماعية صامدة، متمسكة بفكرة العودة إلى المنزل، وحاضرة بفاعلية في مراكز الإيواء وحتى في مواقع القرار. “تقوم بكل الواجبات المطلوبة منها رغم صعوبة الظروف”، خصوصاً مع جيل طتهجّر مرتين وتربّى على حربين”.
وتلفت إلى أن شكل وجود امرأة على رأس الوزارة المعنية بالملف الاجتماعي، يمثل اختباراً صعباً في ظل نقص الموارد وضغط النزوح، لكنه “أثبت قدرة المرأة على العمل في ظروف أزمة وبإمكانات محدودة”.
طبيعة الأدوار
غير أن شبارو ترى أن المشكلة لا تتعلق بوجود النساء من عدمه، بل بطبيعة الأدوار التي يُطلب منهن الظهور ضمنها. تقول: “الصورة الظاهرة تبقى صورة المرأة التي تعمل في المبادرات الإنسانية فقط”. وتضيف أن النساء، حتى عندما يظهرن في النقاش السياسي، “لا يُطلب منهن الحديث من منظور استراتيجي، بل من زاوية الاستجابة الإنسانية”.
وتشير شبارو إلى أن وجود النساء كمحللات ليس غائباً تماماً: “أكثرية الرجال لا تعني الكل. هناك نساء محللات، ومن يسأل يجد. لكن الأدوار في رأس الإعلام ما زالت مجندرة: نعطي الأدوار الإنسانية والحنية للمرأة، والحرب والتحليل للرجل”. وتختم بالإشارة إلى أن المشكلة لا ترتبط فقط بالعدد، بل أيضاً بآليات الاختيار نفسها داخل المؤسسات الإعلامية. تقول: “عدد الرجال أكثر، والاختيار منهم أسهل، إذ غالباً يُنتقى من يناسب توجه المؤسسة”.
لكن المشكلة، بحسب شبارو، لا تقف عند حدود الصورة، بل تمتد إلى ترتيب الأولويات نفسها داخل التغطية الإعلامية. تقول: “لا أحد يتحدث عن حاجيات النساء حسب الأولويات في الحرب، لأن هذا النوع من المواضيع لا يجلب المال إلى التلفزيونات ولا نسب مشاهدة للأسف”.
وتشير عبدالله إلى الفكرة نفسها في طريقة التعامل الإعلامي مع صورة المرأة، إذ تقول إن حضورها يُستدعى غالباً عندما يكون الهدف تحريك التعاطف أو دعم حملات المساعدة، “لأنها تؤثر في الرأي العام”.
المصدر: المدن


