
يتعرّض لبنان لابتزاز أميركي إسرائيلي مرفقٍ بالقتل والتدمير، لقبول شروط إسرائيلية أمنية وسياسية، مقابل وقف العدوان الإسرائيلي عليه. ولكن اندفاع الحكومة اللبنانية للدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية لن يضمن انسحاب إسرائيل من الأراضي التي تسيطر عليها في الجنوب، ولا يضمن سيادة البلاد ووحدة أراضيها، فقد تعودنا أن يقبل الراعي الأميركي “استمرار” الاحتلال الإسرائيلي، وحتى الاعتداءات ضمانة لرضوخ أي طرف عربي تستهدفه إسرائيل.
قد يجد بعضهم في هذا الكلام نوعاً من الرفاهية السياسية يقوله من لا يكتوي بآلة التدمير الإسرائيلية على الأرض اللبنانية، لكن التجربة تؤكّد أن إسرائيل لا تكافئ الرضوح بالجنوح الى السلم، إذ إن هذه الفرصة المناسبة لتحقيق ما تريده من لبنان.
ولا يقصُر ذلك على نزع سلاح حزب الله، فهذه ستكون البداية، بل ما تنفذه الحكومة الإسرائيلية وتهدّد به، من إخلاء قرى جنوبية من سكانها بلا رجعة، ربط أمن لبنان بأمن إسرائيل، وذلك لا يزعج أميركا لأنها تعمل على دمج إسرائيل في المنطقة وترسيم هيمنتها عليها. أي إن أميركا تستعمل لبنان جسراً للعبور على أشلاء ضحايا القصف الإسرائيلي لتوسيع المعاهدة الإبراهيمية، التي وقعتها الإمارات وانضمّت إليها البحرين والسودان والمغرب. ولذا، هي لا تضغط جدّياً على إسرائيل للالتزام بوقف نهائي لعمليات القتل المستمرّة، التى تحوّلت إلى مجازر مستمرّة، تماماً كما فعلت إسرائيل وتفعل في غزّة. فالحرب على لبنان، وإنْ تحاول واشنطن ضبط إيقاعها وفقاً لمصالحها، فهي ليست أكثر من وسيلة، فالخسارة البشرية لا تعني واشنطن، فهي معنية بالنتائج. بل إن استمرار الغارات الإسرائيلية على لبنان أيضاً ورقة توظفها واشنطن في المفاوضات مع طهران، أي إنها تعتبر لبنان رهينة للضغط على إيران. فواشنطن التي تعي أنها لم تنتصر على طهران، تريد تحقيق ما لم تنجزه بالحرب من خلال المفاوضات والضغطين، السياسي والاقتصادي، على إيران، فيما تقوم إسرائيل بمهمّة إجبار الحكومة اللبنانية على نزع سلاح حزب الله، والأهم الدخول في مفاوضات سلام بشروط إسرائيلية أميركية. ففي السنوات الماضية، عمل مبعوثو واشنطن وسفراؤها إلى لبنان والمنطقة على فرض تغيير تدريجي في وعي النخب اللبنانية، لتحقيق استجابة تامة، وأحياناً مفاجئة، من هذه النخب، فأصبح معظم هؤلاء، بالرغم من صهيونية بعضهم المعلنة، نجوماً تتسابق بعض النخب اللبنانية على الاحتفاء بها. ولا تتلخّص برفض هذه النخب حزب الله، بل بالتركيبة الاقتصادية الاجتماعية التي أفرزتها النيوليبرالية، أي لبرلة الاقتصاد المنفلتة والمتحرّرة من أي ضوابط للفساد وضمان حد أدنى من العدالة الاجتماعية. ففي العامين الماضين رأينا مشاهد غريبة لتزاوج المال والخنوع، وكأن هذه النخب تحنّ إلى زمن حكم الاستعمار الأبيض المتفوّق، فالكل كان يتسابق على دعوة المبعوثين الأميركيين وتكريمهم وتنظيم حفلات لهم، وحين أعلنت نائبة المبعوث الأميركي الخاص للسلام في الشرق الأوسط مورغان أورتاغوس أن على لبنان التخلي عن كلمة “المقاومة” في خطابه الرسمي، حصل هذا بكل بساطة. بل إن رئيس الحكومة، نواف سلام، وافق بعد تسلمه موقعه دون نقاش يُذكر، وإن كان يعي تماماً، وهو قاضٍ سابق في محكمة العدل الدولية، أن تعبير “المقاومة” نفسه لا يمكن تجريمه، كذلك فإنه في السياق اللبناني كان مرادفاً ليس لحزب الله فحسب، بل أيضاً لحالة عداء وطنية ضد إسرائيل.
لدى إيران فرصة لإثبات ثقلها قوة إقليمية، وفي توصيل رسالة إلى العرب، أنها جارة صديقة، فتفرض شروطاً لوقف الحرب الإسرائيلية على لبنان
لا يمكن إلا الإقرار بأن حزب الله لعب دوراً في استعداء، أو على الأقل إثارة استياء، قطاعات لبنانية واسعة، لتبعيته لإيران، وتدخّله عسكرياً إلى جانب النظام السوري السابق، ما أضعف مكانته في الشارع اللبناني، وحتى بين مؤيديه الذين يميز كثيرون منهم بين تأييدهم مقاومة الحزب إسرائيل ومعارضتهم الشديدة خياراته في الشؤون الداخلية، والامتثال لمصالح إيران نتيجة التزامه بحكم ولاية الفقيه. وعلى رغم كل أخطائه، فإنه حركة مقاومة أثبتت شجاعتها بمواجهة إسرائيل. وهذا كله لا يلغي حقيقة وجود العداء للفعل المقاوم بين أحزاب طائفية، مثل الكتائب وحزب القوات اللبنانية، وأن قيادات هذه الأحزاب كانت دائماً تريد علاقات رسمية مع إسرائيل، لكن هذه الحال لم تعد تقتصر على هذه الأحزاب، بل توسّعت لتشمل فئات سنّية وشيعية. إذ انضمت أصوات وفئات، بغضّ النظر عن طائفتها، إلى ركب تيار التطبيع، الذي أصبح أكثر جرأة بعد الاتفاقيات الإبراهيمية، وإن كان موجوداً قبلها. فالتيار التطبيعي، في جزء منه، يعكس بُعد الإحساس بالهزيمة، وبخاصة بعد كل الاتفاقيات العربية الإسرائيلية، وفشل المقاومة الفلسطينية عقوداً بتحرير ولو جزءاً من فلسطين. لكنه تيار برز في لبنان بقوة، إذ كان اليمين اللبناني دائماً صريحاً برفضه العداء لإسرائيل، بل يعتبر الفلسطينيين عبئاً وغرباء يجب طردهم.
وفي الوقت نفسه، برزت أصوات قوية من الذين قادوا ونشأوا في هذه الأحزاب راجعت نفسها، مثل كريم بقرادوني، وأخيراً وليس آخراً رفض ابنة أحد أهم قادة “الكتائب”، يمنى بشير الجميّل، التي أعلنت بلهجة قطعية رفض التدخل الإسرائيلي أو أي تدخل في لبنان. فلم تعد لمحاباة إسرائيل أو محاباتها علاقة بحزب بعينه. ولكن النتيجة أن الساحة اللبنانية مخترقة، نتيجة لغياب الدولة وغياب دور الجيش في ردع أي تدخل خارجي، وبخاصة من إسرائيل، والآن نرى هرولة نحو تفاوض مباشرٍ مع إسرائيل، تختلف عن خنوع كل الحكومات العربية، لكنها تضع لبنان بين فكي نتنياهو وترامب، فيما لم تلتزم إسرائيل بوقف حربها على لبنان.
الساحة اللبنانية مخترقة، نتيجة لغياب الدولة وغياب دور الجيش في ردع أي تدخل خارجي، وبخاصة من إسرائيل
هل تتخلى إيران عن حزب الله؟ والأهم لبنان؟ فرفض أميركا ربط وقف إطلاق النار في لبنان بوقف إطلاق النار بين إسرائيل وأميركا من جهة، وإيران من جهة أخرى، يعني أن ترامب يريد إعطاء فرصة لإسرائيل لتنفيذ مخطّطها في لبنان، وهو مخطّط لا يشمل لبنان وحده، فقد تمدّدت إسرائيل في سورية، وتهدد بالتمدّد في الأردن وأخذ رقعة من مصر في سيناء “لأسباب أمنية”.
غني عن القول أن إيران تريد مصالحها أولاً، خصوصاً أن واشنطن تريد اتفاقية مع طهران تشمل التخلي عن حزب الله. الأمل أن تعتبر إيران أن مصلحتها الإقليمية وفي بقاء نظامها ترتبط بعدم رمي لبنان تحت العجلات. ولدى إيران فرصة لإثبات ثقلها قوة إقليمية، وفي توصيل رسالة إلى العرب، أنها جارة صديقة، فتفرض شروطاً لوقف الحرب الإسرائيلية على لبنان.
هي فرصة، لأنها تعرف، وإن كانت الحرب التي قد تُستأنف ضدها قد أنهكتها، أن ترامب لم يخرُج منتصراً، بل أثبتت طهران أنها لاعب استراتيجي مهم بعد السيطرة على الملاحة في مضيق هرمز. … ولكن الأصل والأساس أن لا يترك العرب لبنان وحيداً.
المصدر: العربي الجديد






