
يقترب نبيل فهمي من تولّي الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، بعد إعلان وزراء الخارجية العرب موافقتهم بالإجماع على ترشيحه أميناً عاماً لها خلفاً لأحمد أبو الغيط (آخر وزير خارجية في عهد حسني مبارك)، الذي شغل المنصب منذ 2016. وعلى الرغم من عدم وجود نصّ قانوني في ميثاق الجامعة بوجوب تعيين الأمين العام من جنسية معيّنة، إلا أنّ منصب الأمانة العامة بات، في حكم العرف السائد، مُحتكَراً من مصر، منذ تأسيس الجامعة عام 1945، مع وجود استثناء وحيد، عندما تولّى التونسي الشاذلي القليبي أمانتها العامة (1979 – 1990)، ولم تنجح محاولات عربية لتدويره بين الدول العربية.
لم تمتلك جامعة الدول العربية منظومةً عسكريةً أو قانونيةً تمكّنها من فرض حلول فعلية أو حماية أمن الدول العربية
يأتي تولّي فهمي الأمانة العامة في وقت تواجه فيه “الجامعة” تحدّيات كبيرة، بالنظر إلى التصعيد الخطير الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط بعد اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وتدخّل حزب الله والمليشيات العراقية والحوثيين لإسناد إيران، وثأراً لاغتيال مرشدها الأعلى السابق علي خامنئي، إضافة إلى استهداف الصواريخ والمسيّرات الإيرانية بلدان الخليج والأردن والعراق. ويتحدر فهمي من الوسط الأكاديمي، ويمتلك تصوّراته حول النظام الدولي والصراعات الدائرة في المنطقة، وضمّنها في مؤلّفاتٍ ومقالات له، وتناول فيها أبرز تحدّيات فنّ إدارة الدولة، التي تتطلّب مواجهتها، على الصعيدين الداخلي والدولي، صياغة استراتيجية إعادة التوجيه، إذ تتجسّد قوة الدولة في تعدّد خياراتها، وبناء علاقاتها الدولية والإقليمية وفق مبدأ الندية الاستراتيجية، خاصّةً أنّ الدولة، حسب اعتقاده، لا تُدار وفق منطق التحالفات المطلقة، بل تحكمها المصالح المتبادلة والمشتركة، ولا يحكمها اتفاق دائم أو خلاف دائم.
تولّى فهمي مناصب حكومية ودولية عدّة، وتركز عمله فيها على قضايا الأمن الدولي والإقليمي، ونزع السلاح وحظر الانتشار النووي، وتسوية النزاعات، وكان عضواً في الوفد المصري في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، وشارك في مؤتمرات مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وفي لجنة المبادئ في مؤتمر الأمم المتحدة لتعزيز التعاون الدولي في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية. وشغل منصب وزير خارجية مصر بعد انقلاب 30 يوليو/ تموز (2013)، وبقي فيه حتى يونيو/ حزيران 2014، من دون أن يترك بصمة واضحة في السياسة الخارجية المصرية. إذن، لا تنقص فهمي الخبرة الإدارية أو السياسية، لكنّ السؤال الذي يُطرح مع تولّيه الأمانة العامة للجامعة هو: ما الذي سيضيفه كي ترتقي بمستوى عملها وسط عجزها عن مواجهة التحدّيات؟ وبالتالي، حديثه أنّ “سياسة المرحلة المقبلة يجب أن تركّز على التطلّع إلى المستقبل”، وتأكيده ضرورة أن تشكّل الدول العربية كتلةً واحدةً في مواجهة التحدّيات والأزمات الإقليمية، لن يجد آذاناً صاغيةً لدى كلّ الدول العربية، في ظلّ عجز الجامعة، التي تعكس إرادة العمل العربي المشترك، حيال الأوضاع السياسية المتوتّرة في المنطقة.
يعي فهمي أنّ المنظومة العربية تواجه “تحدّيات غير مسبوقة، ومخالفات صارخة للقانون الدولي، من قِبل أطراف معتدية غدراً على دولنا وسلامتنا، وأخرى طال احتلالها لأراضينا وتعرقل تمكين أشقائنا من ممارسة حقوقهم المشروعة، فضلاً عن تعرّض منطقتنا لمخطّطات تستهدف الهيمنة والمساس بأمن واستقرار العالم العربي”، حسبما صرّح بعد إعلان ترشيحه. لكن مواجهة التحدّيات والاعتداءات على الدول العربية، وخصوصاً دول الخليج، تحتاج ترجمة على الأرض عبر إنشاء منظومة دفاع عربي مشترك، التي تتطلّب وجود إرادة عربية لتحقيقها.
يُظهر التصعيد الخطير في المنطقة أنّ جامعة الدول العربية غير قادرة على مواكبة التحدّيات أو صون الأمن العربي، لذلك برزت تساؤلات إضافية عن قدرتها على مواكبة المتغيّرات التي زادت من الهشاشة التي تميّز عملها. كما ظهرت تساؤلات عديدة حول واقعية مقولات العمل العربي المشترك وجدواها، بعدما كشفت الأحداث محدودية فاعليتها، وغياب دورها في حماية مصالح دولها الأعضاء وسيادتها.
لا مؤشّرات إلى إمكانية تغيير دور الجامعة ووظيفتها مع الأمين العام الجديد
تعقد جامعة الدول العربية، منذ تأسيسها، اجتماعات دورية لمجلسها، إضافة إلى قمم واجتماعات طارئة عند الحاجة، في نطاق اقتصر تركيزه على التنسيق السياسي من دون أدوات عملية لتنفيذ قراراتها أو التدخّل أو إدارة الأزمات الأمنية والسياسية بشكل مباشر. وانحصر دورها في إصدار بيانات سياسية أو قرارات رمزية من دون القدرة على تنفيذها أو فرض التزامات على الدول الأعضاء. وارتبط دورها بالقضايا السياسية الكُبرى، وفي مقدّمها القضية الفلسطينية، إذ لعبت دوراً في تنسيق المواقف، لكنّها لم تمتلك منظومةً عسكريةً أو قانونيةً تمكّنها من فرض حلول فعلية أو حماية أمن الدول العربية. وظهرت محدودية دور الجامعة وضعفه حيال الأزمات والصراعات التي شهدتها المنطقة، بدءاً من الحروب الإسرائيلية العربية، مروراً بغزو العراق، وحروب الخليج وأزماته، والحركات الاحتجاجية العربية بعد 2011، ووصولاً إلى الحرب على إيران والاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج والأردن.
اللافت أنّ ترشيح فهمي جاء بالإجماع من دون اعتراض عربي، فيما شهد العام الماضي مطالبات من مسؤولين عرب بأحقّية باقي الدول بالمنصب ووقف الاحتكار المصري له. وذهبت السعودية إلى حدّ المطالبة بنقل مقرّ الجامعة من القاهرة، وتعيين وزير خارجيتها السابق عادل الجبير أميناً عاماً. وبالتالي، يثير غياب المطالبات العربية بالمنصب هذه المرّة أسئلة حول ما إذا كانت غالبية الدول العربية قد نفضت يدها من الجامعة. ويتلاقى ذلك مع انتقادات كويتية وإماراتية، فدعا وزير الخارجية الكويتي جراح جابر الأحمد الصباح إلى إعادة هيكلة جامعة الدول العربية، واعتبر أنّ التجارب المتراكمة أظهرت محدودية فاعلية منظومة العمل العربي المشترك.
ليس ضعف دور الجامعة في الأزمة الحالية استثناء، بل امتداد لنمط يسِم مسيرتها منذ لحظة التأسيس، تحوّلت فيه إلى مجرّد هيئة بيروقراطية تدور حول نفسها، وتعيد إنتاج حالات التردّي والارتكاس والهزائم العربية، وليست هناك مؤشّرات إلى إمكانية تغيير دور الجامعة ووظيفتها مع الأمين العام الجديد.
المصدر: العربي الجديد






