مسابقة النشيد الوطني السوري.. سؤال الهوية قبل اللحن والكلمات

وفاء عبيدو

فـي سـبيل المجد والأوطان نحيا ونبيـد.. كـلنـا ذو هـمـة شمـاء جبـار عنـيـد”؛ لم تكن هذه الأبيات مجرد نظمٍ شعري، بل كانت صرخة كرامة ولدت من رحم النضال السوري ضد الاستعمار الفرنسي. ورغم أن هذا النشيد للشاعر السوري الكبير عمر أبو ريشة لم يُعتمد رسميًا كنشيد وطني للبلاد، إلا أنه تحول إلى نشيدٍ “وجداني” رددته الحناجر في الساحات والمذياع، وصاغ هوية مرحلة كاملة عنوانها الأنفة والسيادة.

غير أن هذا المعنى لم يبق ثابتًا، إذ تحول النشيد مع تغير شكل الدولة وسلطتها، إلى “حماة الديار” بوصفه نشيدًا رسميًا ارتبط تدريجيًا بمؤسسات الحكم أكثر من ارتباطه بوجدان الناس.

ومع اندلاع الثورة السورية تعمّق هذا التحول، إذ لم يعد النشيد بالنسبة لشريحة واسعة من السوريين تعبيرًا عنهم، بل بات رمزًا مفروضًا من سلطة استخدمته لتكريس سرديتها، في وقتٍ كان فيه الجيش تحت راية هذا النظام وهذا النشيد، يواجه أبناء بلده ويقتلهم.

ومع امتداد سنوات الحرب، تراجعت رمزية “حماة الديار”، بعدما فقد قدرته على التعبير عن وحدة شعبٍ انقسمت تجاربه وتباعدت طرقه.

لكن مع سقوط النظام البائد عاد النشيد إلى الواجهة في سياق مختلف، إذ استُحضرت عبارته الأشهر “في سبيل المجد والأوطان نحيا” بوصفها جزءًا من ذاكرة النضال، ومحاولة لإعادة ربط الرمز الوطني بتجربة الثورة ومعناها، في مرحلة تبحث فيها البلاد عن تعريف جديد لهويتها.

غير أن هذا الاستحضار لم يحسم الجدل فبعد مرور فترة على هذا التحول، أعلنت وزارة الثقافة عن إطلاق مسابقة لكتابة وتلحين نشيد وطني جديد، في خطوة فتحت بابًا واسعًا أمام نقاش يتجاوز الشكل الفني، ليصل إلى جوهر السؤال: أي نشيد يمكنه أن يعبّر عن السوريين اليوم؟.

على تخوم الذاكرة الجديدة

في هذا السياق، يرى عبد الرحمن نجار، باحث في الشأن السوري أن طرح مسابقة لتغيير النشيد الوطني جاء في توقيت مبكر وغير مناسب، معتبرًا أن النشيد يُعد جزءًا أصيلًا من الهوية الوطنية التي يفترض أن تعبّر عن كامل الشعب السوري بمختلف أطيافه وتوجهاته.

مشيرا في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، إلى أن الخطوة الطبيعية كانت تقتضي انتظار تشكيل سلطة تشريعية تمثل السوريين، ومن ثم مناقشة هذا الملف ضمن إطار وطني جامع.
ويؤكد نجار أن أي نشيد جديد يجب أن يحمل في مضمونه تاريخ السوريين وتضحياتهم، من مرحلة ما قبل الاستقلال وصولًا إلى الثورة وإسقاط النظام البائد، لافتًا إلى أن نشيد “في سبيل المجد” للشاعر عمر أبو ريشة لا يزال من الأقرب إلى وجدان السوريين، لما يحمله من معانٍ تعزز الحرية ودور المواطن في بناء وطنه.

في المقابل، تقدّم الإعلامية والناشطة المجتمعية علا حربة قراءة مختلفة، إذ ترى أن النقاش حول النشيد لا ينفصل عن حالة الانقسام المجتمعي التي تعيشها سوريا اليوم، بعد عقود من غياب الحوار الوطني وسياسات التفريق التي انتهجها النظام السابق.

كما توضح أن النشيد كالعلم يحمل رمزية عالية، إلا أن هذه الرمزية تضررت بفعل ارتباطها بمرحلة النظام البائد، ما يجعل تقبّله بصيغته الحالية أمرًا صعبًا بالنسبة لكثير من السوريين.

وترى حربة أن الحاجة اليوم تتجه نحو نشيد جديد يعكس هوية المرحلة القادمة، ويعبّر عن قيم مشتركة مثل الحرية والكرامة والسيادة، مع تركيز أكبر على المستقبل بدل الاكتفاء باستحضار الماضي.
لكنها تشدد في الوقت نفسه على أن الوصول إلى نشيد وطني جامع يتطلب توافقًا سوريًا واسعًا، وهو أمر معقّد في الظروف الراهنة، إن لم يكن مستحيلًا.

وبينما تعتبر أن المسابقة قد تشكل خطوة إيجابية باتجاه إشراك المجتمع واستقطاب مختلف فئاته، تؤكد ضرورة أن تبقى في إطار تمهيدي، يعقبه مسار توافقي على المستويين السياسي والمجتمعي، عبر جهة تمثيلية قادرة على إقرار نشيد وطني يعكس الجميع.

نصٌّ يصوغ الانتماء

في قراءة نقدية لطرح مسابقة النشيد الوطني، يرى محمد علي المصري الحاصل على دكتوراه في الأدب العربي (أدب ونقد)، في حديثه لتلفزيون سوريا، أن الخطوة في هذه المرحلة تُعد متسرعة وغير ضرورية، ويمكن تأجيلها إلى حين توفر بيئة أكثر استقرارًا وتوافقًا تسمح بنقاش أوسع حول هذا الملف.

ويؤكد أن النشيد الوطني في جوهره، نص شعري غنائي مكثف يُعدّ “قصيدة هوية” تعبّر عن رمزية الدولة وتستحضر تاريخها وقيمها، وليس مجرد عمل فني.

كما تختلف وظيفته عن بقية النصوص، إذ يهدف إلى توحيد الوجدان الوطني وتعزيز الانتماء وترسيخ القيم، عبر لغة بسيطة ذات إيقاع واضح وأسلوب يسهل ترديده وحفظه، ويضيف أن النشيد يتميز بلغة مباشرة ونبرة حماسية تعتمد على العبارات القصيرة والتكرار، وتستند إلى رموز وطنية مثل الحرية والوطن والثورة، بما يعزز تأثيره العاطفي والانتمائي.

ويرى أن نجاح النشيد يرتبط بقدرته على استيعاب التباينات المجتمعية من خلال صياغة جامعة تعكس تطلعات جميع السوريين، وتستحضر التاريخ المشترك والتضحيات، إلى جانب الرموز الجامعة كالراية والأرض، بما يعزز الشعور بالانتماء.

ويختم بالتأكيد على أن النشيد الوطني في المرحلة الراهنة يجب أن يوازن بين الذاكرة الثورية وما تحمله من تضحيات، وبين خطاب مستقبلي يُسهم في بناء هوية وطنية جامعة قائمة على الحرية والسيادة والوحدة.

على إيقاع يجمع السوريين

في مقاربة أكثر تركيزًا على البعد الجمالي والوجداني، يذهب عدد من الأدباء إلى أن النشيد الوطني لا يُختزل في كونه نصًا رسميًا، بل هو بناء لغوي وموسيقي يتقاطع فيه المعنى مع الإحساس، ويُفترض أن يعكس صورة جماعية قادرة على الجمع لا التفريق.

وانطلاقًا من هذه الرؤية، يشير الشاعر عبود العثمان في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إلى أن النشيد الوطني، في أفضل صوره ينبغي أن يكون نصًا جامعًا يخاطب ضمائر مختلف مكونات المجتمع دون استثناء، وأن يحمل في مضامينه قدرة على استنهاض الهمم، من خلال مزجٍ واعٍ بين تراث الماضي وحضور الحاضر وآفاق المستقبل، بما يمنحه استمرارية في المعنى وارتباطًا بالزمن.

كما يؤكد العثمان أن نجاح النشيد يرتبط ببساطة لغته ووضوحها، بحيث يكون مفهومًا لدى مختلف فئات المجتمع، دون أن يفقد جزالته أو قوته التعبيرية.

وإلى جانب ذلك يشدد على أهمية اللحن بوصفه عنصرًا أساسيًا في اكتمال النشيد، بحيث يحمل وقعًا موسيقيًا قادرًا على ملامسة المشاعر، ويسهل ترديده في مختلف المناسبات، ليبقى حاضرًا في الوجدان الجماعي لا في النص فقط.

وزارة الثقافة السورية تصمت أمام الجدل

في الختام تشير المعطيات إلى أن النشيد الوطني ما يزال قيد النقاش، من دون صدور أي خطوات حاسمة أو إعلان رسمي حول مآلات المسابقة حتى الآن.

وفي هذا السياق تواصل موقع تلفزيون سوريا مع وزارة الثقافة للاستفسار عن أهداف المسابقة، وما إذا كانت تمهيدًا لاعتماد نشيد رسمي، إضافة إلى الإطار القانوني المتعلق بتغيير النشيد، ومعايير اختيار الأعمال الفائزة، وآليات ضمان الشفافية، فضلًا عن موقف الوزارة من الانتقادات المطروحة وإمكانية إشراك المجتمع والخبراء في القرار النهائي.

إلا أنه لم يصلنا أي رد من الوزارة حتى لحظة إعداد هذا التقرير.

المصدر: تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى