” مزاج سوري” متغيّر تجاه إسرائيل. هل يمكن احتواءه؟

  إياد الجعفري

منذ 1 نيسان الجاري، انعكس تغيّر يمكن تسجيله في المزاج الشعبي السوري حيال القضية الفلسطينية، في حراك شعبي ملحوظ، مؤيداً بدعم يصعب إنكاره من جانب إعلاميين ومؤثّرين مقرّبين من السلطة الحاكمة في دمشق. وهو الحراك الذي ظهر جلياً يوم الجمعة، وتخللته حادثة بدت منسجمة معه، تمثلت في اعتداءٍ على سفارة الإمارات بالعاصمة السورية.

السبب المباشر للحراك، يرتبط بقانون “إعدام الأسرى” الفلسطينيين، الذي أقرّه “الكنيست” الإسرائيلي، في 30 آذار الماضي، والذي لقي إدانات إقليمية ودولية واسعة النطاق. لكن السبب العميق، يمكن إرجاعه إلى تغيّر في المزاج الشعبي السوري حيال الموقف من إسرائيل، يرتبط بصورة خاصة بتمادي هذه الأخيرة في الاعتداءات والمضايقات بحق البيئة الديمغرافية السورية الملاصقة لهضبة الجولان المحتل.

ومنذ اندلاع ثورة العام 2011، وانخراط حزب الله، ولاحقاً الميليشيات الإيرانية، فيها، إلى جانب  نظام الأسد، حصل تغيّر نوعي في المزاج الشعبي السوري حيال القضية الفلسطينية، وحيال الموقف من إسرائيل، كعدو أول للشعب السوري. إذ ترسّخ في أذهان شريحة واسعة من السوريين، ارتباط بين دعم القضية الفلسطينية وبين مزايدات “محور المقاومة” الداعم للأسد، والذي أوغل في دماء السوريين. كما وتقدمت إيران كعدو أول للشعب السوري، بصورة تفاقمت حتى عمّ هذا التصوّر بيئات موالية للنظام البائد، جراء تفاقم الانهيار المعيشي في السنوات الأخيرة من حكم الأسد، وتحميل إيران مسؤولية ذلك.

وبعد سقوط نظام الأسد، وانتهاج السلطة الجديدة الحاكمة في دمشق سياسة الانفتاح على الحوار المباشر مع إسرائيل، لم يتم تسجيل ممانعة ملحوظة في الشارع السوري لهذا النهج. بل على العكس، كان هناك رأي عام شعبي مؤيّد لتجنب أي احتكاك عسكري مباشر مع الكيان “الأزرق”، حتى مع تطورات أحداث السويداء في تموز الفائت، والتي استهدفت إسرائيل خلالها مبنى الأركان ومحيط قصر الشعب بدمشق.

منذ سقوط نظام الأسد، وحتى ما قبيل أسابيع فقط، كانت هناك وقفات أو تظاهرات محدودة مناوئة للكيان الإسرائيلي، في سوريا، لم تلق أي تفاعل شعبي أو تركيز إعلامي، وبقيت غير ملحوظة. لكن المشهد اختلف في الأسابيع القليلة الفائتة. إذ يشير تقرير صادر عن مركز “ساري غلوبال”، إلى “تداخل غير مسبوق بين النشاط العسكري (الإسرائيلي) والتحركات الشعبية مع نهاية آذار وبداية نيسان، حيث تحولت الاحتجاجات من تعبيرات رمزية داخل المدن إلى تحركات باتجاه مناطق الاحتكاك الحدودي”.

و”ساري غلوبال”، هي شركة أميركية متخصصة في “استخبارات المخاطر”، وتقدم “خدمات تحليل الأمن”، و”دعم إدارة الأزمات في بعض أكثر بيئات العالم تعقيداً”، بالاستعانة بخبراء متخصصين بمجالات عسكرية، وفق وصف الشركة في موقعها الرسمي.

وبالاستناد إلى ترجمة نشرها موقع “تلفزيون سوريا”، حاول التقرير توصيف نشاط الاحتلال الإسرائيلي في جنوبي سوريا، على أنه “نمط عملياتي قائم على إدارة التهديد لا إنهائه”، موضحاً أن إسرائيل تريد منع تشكيل بنية عسكرية مستقرة لخصومها، وإن كانت لا تريد مواجهة مفتوحة، وتسعى للحفاظ على مستوى منخفض من التصعيد، مع إبقاء “الخصوم” في حالة استنزاف مستمر من دون السماح لهم بالترسخ أو التمدد. لكن التقرير لا يوضّح من المقصود هنا، بـ”خصوم إسرائيل”. هل المقصود بذلك، خلايا محسوبة على حزب الله أو مرتبطين بإيران لا يزال لديهم القدرة على العمل الميداني في تلك المنطقة؟ أم المقصود بذلك السلطة الحاكمة اليوم بدمشق؟ وهنا نربط هذه الإشارة بتداول معلومات قبل أسابيع عن سعي السلطة بدمشق لتعزيز مواقع أمنية متقدمة في الجنوب السوري. أما أبرز ما جاء في التقرير، فكان تحذيراً من أن “استمرار هذا النمط (الإسرائيلي) يبقي أسباب التوتر قائمة، ما يفتح الباب أمام أخطاء في التقدير أو ردود فعل غير محسوبة قد تدفع نحو تصعيد أوسع”.

وبناء على هذا التوصيف، وفي ضوء التصعيد الإسرائيلي الأخير –قبل أيام- والذي رفع مستوى تهديد حياة سكان المناطق المُنتهكة بالجنوب السوري، من الاعتقالات الدورية وتعطيل الحياة المعيشية والأرزاق، إلى القتل المباشر، يمكن فهم الضوء الأخضر، بل والدعم العلني الذي قدمته السلطة بدمشق للحراك الاحتجاجي الأخير. وهو تطور نوعي في سياسة السلطة، يمزج بين هدفين. الأول، ترك متنفسٍ للشارع كي يعبّر عن استياءه من التمادي الإسرائيلي في الاعتداءات، بدلاً من تحمّل كلفة قمع التعبير عن هذا الاستياء. والهدف الثاني، إرسال رسائل للخارج، تفيد بأثر السياسة الإسرائيلية على المزاج الشعبي المحلي، والتلويح باحتمال تفاقمه.

في هذه الأجواء، جاءت حادثة الاعتداء على سفارة الإمارات بدمشق. ويمكن تسجيل مزاج شعبي سوري مترسخ منذ سنوات، يربط الإمارات بمصالح إسرائيل، بصورة مباشرة، وينظر لأبوظبي بوصفها راعية للثورات المضادة، بطريقة تجعلها مصنفة ضد الحكم الحالي في دمشق، حتى لو لم يكن هناك دلائل مباشرة على ذلك. لكن على مستوى السلطة، وإن أخذناها بمجملها، من الصعب تلمّس مكاسب لها من حادثة الاعتداء على السفارة الإماراتية، بل هي مضرّة للغاية بجهودها الدبلوماسية لتصفير المشكلات مع مختلف دول الإقليم. ونعتقد أن أطرافاً قريبة من تركيبة الحكم غير المتجانسة بالمطلق، والتي تستند إلى خلفية فصائلية، قد استغلت أجواء الاحتجاج الشعبي المرحب به رسمياً، لتوجيه الهجوم إلى الإمارات، على خلفية قضية اعتقال عصام بويضاني، قائد “جيش الإسلام” السابق، والذي يحتل موقعاً رسمياً في تركيبة الجيش السوري الجديد، والموقوف في الإمارات منذ 7 أشهر، من دون وضع خاتمة لملف توقيفه، ومن دون اتضاح سبب التوقيف ذاته، هل يتعلّق بملابسات إخفاء الحقوقية رزان زيتونة ورفاقها الثلاثة في دوما، عام 2013 –حيث كان “جيش الإسلام” مسيطراً- وهي القضية التي يُحاكم فيها مجدي نعمة، أحد مسؤولي الفصيل، في فرنسا، أم أن القضية مرتبطة بملابسات أخرى؟! خصوصاً أن السبب الرسمي المعلن لمحاكمة بويضاني في الإمارات يرتبط بانتمائه لـ”جبهة النصرة”، وهو سبب غير مفهوم، نظراً لأن بويضاني كان محسوباً على فصيل مختلف -“جيش الإسلام”- كان في حالة عداء مع “هيئة تحرير الشام” –”المنحلة”- يوم كانت تُكنى بـ”النصرة”.

وتبقى حادثة السفارة جانبية، مقابل سياق عام يتشكّل في البيئة الشعبية السورية. قد يعزّزه الضغط الشعبي على السلطة والناجم عن ارتفاع كبير في تكاليف المعيشة في الأشهر الثلاثة الأخيرة، في الوقت الذي لم تشهد فيه البلاد دخولاً نوعياً للاستثمار الأجنبي، وفي ظل حرب إقليمية، إن طال أمدها فسيكون الرهان على استثمار إقليمي واسع النطاق في سوريا في غير محله، مما قد يجعل السلطة في وارد البحث عن عوامل تنفيس ولفت للانتباه، قد يكون أحدها تركيز الضوء على التمادي الإسرائيلي في الجنوب السوري. وهي خلطة، إن ذهبت إلى أقصاها، فسيكون من الصعب احتوائها، من الطرفين. فالتمادي الإسرائيلي، عامل تحريض وضغط على السلطة أمام الشارع، والوضع المعيشي يقدّم تغذية راجعة لرغبة السلطة في توفير أجواء للتنفيس، لا نعرف إلى أي حد، يمكن إبقائها في هذا الإطار. مما يجعل تحذير شركة “ساري غلوبال” من “أخطاء في التقدير أو ردود فعل غير محسوبة قد تدفع نحو تصعيد أوسع”، في مكانه.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى