في نقاش التظاهرات “العفوية” السورية- الفلسطينية

سميرة المسالمة

 

قد يبدو النظر إلى اتساع رقعة التظاهرات في سوريا، ضد قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، الذي أقره الكنيست الاسرائيلي مؤخراً، على أنه تحول حذر في السياسة السورية، التي ما فتئت تؤكد التفاتها التام إلى مشكلاتها الداخلية، وعدم رغبتها في النزاع مع أي جهة خارجية، ومنها إسرائيل، التي مدت لها يد التفاوض لبناء سلام شامل في المنطقة، وفقاً لمقررات الشرعية الدولية، وبالاستناد إلى التوافقات العربية.

بيد إن المظاهرات الشعبية، التي شهدتها معظم المدن السورية، والتي تبين إنها عفوية أو عشوائية وغير مرخصة -ولكنها محاطة بعيون عناصر الأمن العام سواء كانوا في الصورة أم خارجها- يمكن أن تكون في أقل تقدير أنها ليست مدانة من الدولة، خصوصاً أنه سبق وحصلت مواجهات فردية مع دوريات الاحتلال في بعض نقاط التماس، في مناطق من حوران والقنيطرة، وعبرت تلك المواجهات عن رفض أهالي المناطق دخول قوات الاحتلال إلى أراضيهم واعتقال بعضهم. وهذا يؤكد أن رفض الإجراءات، والسياسات التي تنتهجها إسرائيل، لا يحتاج بالضرورة إلى قرار، أو رضى رسمي، باعتباره تعبير طبيعي، متجذر في وجدان الشعب السوري، عبر تاريخه.

وللتذكير، فإن الموقف الشعبي في سوريا إزاء إسرائيل، يصدر عن مسألتين، الأولى، الروابط التاريخية والاجتماعية والوجدانية والقومية، بين الشعبين السوري والفلسطيني. والثانية، ناجمة عن احتلال إسرائيل لهضبة الجولان السورية منذ ستة عقود، يضاف إلى ذلك الاعتداءات الإسرائيلية المتوالية على سوريا، سيما منذ انهيار نظام الأسد، ومحاولات إسرائيل التدخل في الشأن السوري، بما يمس سيادة سوريا على أراضيها ووحدة الشعب السوري.

الملفت هذه المرة أن التظاهرات شملت معظم المدن السورية، وإنها لم تقتصر على المخيمات الفلسطينية، كما جرت العادة في السابق. وهي جرت بناء على دعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتي لم تلق إدانات من قبل لجان الكترونية، اعتدنا على مواجهتها لأي اجراء خارج إرادة الدولة، أي إنها لم تسيّر من قبل السلطة، التي يبدو أنها اخذت خيار النأي بالنفس عنها، لكنها لم تكن أيضاً في مواجهة مع قرار منع مسبق، وهذا ما يفسره أن وكالة “سانا” لم تتجاهل الخبر لكنها اكتفت بمجرد تغطية إعلامية مقتضبة لبعض المسيرات، أو التظاهرات، خصوصاً التي شهدتها ساحة الأمويين.

ملاحظة أخرى يفترض لفت الانتباه إليها، وهي غياب الفصائل الفلسطينية عن إدارة أو صدارة تلك التظاهرات، على رغم مشاركة قياديين “معروفين” في بعضها، وخروج حشود من الفلسطينيين بتظاهرات في مخيماتهم، خصوصاً في مخيمات اليرموك في دمشق والنيرب في حلب ودرعا والرمل في اللاذقية.

وهذا الوضع يبين قدرة السلطة الجديدة على منع أو تجميد أنشطة فصائل العمل الفلسطيني في سوريا، ووفق الضوابط التي تم فرضها، وعلينا ألا ننسى أن بعض الفصائل الفلسطينية كانت موالية للنظام السوري البائد، ما استدعى هروب قياداتها من سوريا، وتبخرها من الوجود تقريباً، أما البعض الأخر، الذي كان له موقف متردد، أو غير مؤيد للمعارضة، فهو حول نشاطه إلى فعاليات اجتماعية وخدمية، علماً إن التعامل الرسمي للدولة السورية حاليا هو مع منظمة التحرير الفلسطينية، وعبر سفارة دولة فلسطين في دمشق فقط.

وعدا عن تلك الاعتبارات، السورية والفلسطينية، فإن التظاهرات التي شهدتها مدن سوريا تطرح السؤال مجددا عن مدى جدية عودة المؤضوع الفلسطيني للاشتغال في السياسة السورية. إذ إن هذا الموضوع تراجع إلى الخلف بسبب ثلاثة عوامل:

 أولاً، لعدم وجود تمثيل للفصائل، ويأتي ضمن ذلك ضعف الفلسطينيين بعد حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل عليهم في قطاع غزة، منذ أكثر من عامين، وتراجع المسألة الفلسطينية في الأجندة العربية، لانشغال معظم الأنظمة العربية بأجندات السلام التي تطرحها التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية في هذا العالم المشتعل عموماً، وفي هذا الإقليم المضطرب.

وثانياً، لأن وضع سوريا، التي خرجت للتو من 14 عاماً من الحرب والمعاناة والخراب والقتل والتشريد ودمار البنى التحتية، لا يتيح لها القيام بأي دور يفيض عن إعادة إعمار البلد، ومعالجة الأحوال المعيشية لشعبها، وتحقيق الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي.

وثالثاً، لأن الدولة تعلم أن إسرائيل تتحين أية فرصة لانتهازها، سواء للاعتداء على سوريا، أو للقيام بكل ما من شأنه تصديع وحدتها الجغرافية والاجتماعية، وهو ما حدث خلال فعلياً عبر تدخلاتها في الشأن السوري بوضع نفسها حامية لبعض الطوائف في مواجهة السلطة الحالية.

في كل الأحوال، لا يحتاج الشعب السوري لدليل عن مدى ارتباطه بالشعب الفلسطيني، ورفضه لقوانين عنصرية تتخذها إسرائيل لمزيد من الضغط عليه وتضييع حقوقه، إضافة إلى أن إسرائيل تحتل أراضي الفلسطينيين كما تحتل أراض من سوريا، وإسرائيل التي تصادر حق تقرير المصير، وتمارس العنصرية ضد الفلسطينيين، تفعل كل شيء لإضعاف سوريا وزرع بذور الفوضى والانقسام فيها.

على ذلك، فإن التظاهرات ضد إسرائيل، وإن أتت كعمل شعبي وسلمي ومفهوم ومشروع، تستحق التقدير، وهو أضعف الإيمان، إلا أنه عندما تتجاوز القوانين السورية، وحماية رموز الدول الشقيقة والصديقة، كما حدث لسفارة دولة الإمارات، فهذا يحملنا كشعب ودولة، أعباء لا تدخل ضمن سياق الفعل العفوي، لأنه تخريب لعلاقات هي في مرحلة البناء من جهة وإعادة الثقة من جهة أخرى، من دون أن ننسى أنها قد تعود بالضرر على آلاف العاملين من أهلنا في دولة الإمارات.

وللتذكير، ينبغي علينا أن نعرف إن أي رد فعل تجاه ما يحدث في العالم، سواء كان رسمياً أو شعبياً، منظماً أو عفوياً، لا ينبغي أن يأخذ سوريا لأبعد من قدراتها، أو كبديل عن أولوياتها، لأن سوريا التي تستعيد عافيتها، واستقرارها وقوتها، هي أفضل للفلسطينيين كما للسوريين ولكل العرب، من سوريا الضعيفة أو التي تتعرض لتهديدات، في زمن التوحش الأميركي والإسرائيلي، لا باسم القضية الفلسطينية ولا باسم اية قضية أخرى، لأن قوة سوريا واستقرارها هي قوة للفلسطينيين، من دون ادعاءات تضر بالفلسطينيين والسوريين، ولا تفيد أحداً.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى