عمَّ نكتب؟ بين المعتقل والوطن والدولة

أحمد الشمام

قال ثائر سوري ومعتقل سابق يدعى “أبو الطيب” في برنامج الدكتور معاذ محارب على الطاولة؛ لن أتوقف عن الحلم فقد كنت آكل حبة البطاطا المرمية في أرضية مرحاض السجن وأحلم أن أكسر تلك القيود؛ وها أنذا في سوريا الحرة أدخل القصر الجمهوري كمواطن وثائر.

في حوار آخر قبل يومين ظهر أبو الطيب وهو يستغيث إن كان أهلي في الجزيرة يخجلون من قولها أقولها بدلا عنهم “نحن جوعى وعراة وقد أخرجت الفيضانات أهلنا بثيابهم كمثل كل ضحايا الزلازل والحرائق والحروب بلا مغيث سوى الله”، تعقيبا على تقصير الجميع بحق منطقة منكوبة لم تصلها مؤسسات الدولة السورية وبقيت ترزح تحت سلطة قسد ذات الآليات التي استطاعت حفر أنفاق بطول عشرات الكيلومترات، ولم يقدم محافظها المنتدب على الحسكة آلية واحدة، ولو ترك الأمر لعموم الأكراد من الأهالي لما توانوا عن تقديم كل ما لديهم لنجدتها.

تعلمت في المعتقل الذي كنت فيه قبل الثورة أن السجن هو السجن والمعتقل هو المعتقل والجلاد كذلك رغم اختلاف الوجوه، لكن ذروة التحمل والصبر التي يفتقها الله في المبتلى تختلف، مثلما اختلفت ذروة القسوة بين نظام كان يرتكب الإجرام قبل الثورة للإيعاز بقوته وبروته، في حين تحولت إلى توحش لا نظير له في الثورة حيث مارسها بشعور الخائف على عنقه وتهدم كيانيته.

ما الخيط المشترك في نسج هذا السرد السالف في هذا النص، فيضان في الحسكة في منطقة انتشار عربية مع تساؤل ماذا لو كان الفيضان في قرى وبلدات يقطنها الأكراد فهل ستترك معالجتها لآليات النجدة لدى قسد أم ستتقدم الدولة في تعبير استعراضي أيقوني- رمزي يظهرها بموقف صاحبة الواجب؟

مع ذلك لا أجد بدا من تذكر فعل كنت أدخره في المعتقل عندما تضيق بنا الأنفاس، وقد كنا أربع عشرة معتقلا في زنزانة مخصصة لفرد أو اثنين بعرض متر وأربعين سنتميترا وطول مترين، ويتم رص سبعة منا فيها كالسمك في علبة السردين، في حين يقف سبعة آخرون بالتبادل. وفي عودة إلى ما كنت أفعله للتحمل كنت إذا ضقت بما أنا فيه؛ أتذكر كيف أني في الشتاء وفي برد تصطك فيه الأسنان وتتصبر الأصابع، سقطت في الوحل في الطريق من المدرسة إلى البيت وامتلأ بسطالي البلاستيكي بالماء وتلطخت ثيابي ومحفظتي وبكيت وشعرت أن العالم قد انتهى، أقول لنفسي في المعتقل وتلك اللحظة مرت وها أنذا أبتسم على ذاك البكاء وذاك الشعور الهائل الذي لا يتفق واللحظة العابرة، ثم سرعان ما أذكر لقطة أخرى تمر قبالة مخيلتي كفيلم قديم كنت فيه طفلا أسير في ظل أمي وثوبها الواسع ككل الأمهات القرويات ورأيت عمالا ينظرون لي بشزر ويحركون وجوههم بطريقة أخافتني فقلت لها إنهم يريدون أكلي وضحكت أمي وقالت إنهم يلعبون واستغربت حينها كيف لأمي أن تطلب مني الصبر وليس البكاء لأنهم لن يفعلوا شيئا. ثم في المعتقل أستذكر تلك اللقطات من فلم طفولتي وأقول هاهي قد مرت وعشت وكبرت ولم ينته الكون عند سقطتي في الوحل ولم يأكلني بشر متوحشون؛ لأصل إلى اللحظة التي أقبع فيها بي أقبية هذا المعتقل وأقول لنفسي هذه لحظات ستمر مثلما مرت تلك وسأقف يوما ما ربما في جلسة هادئة أو في صالة كبيرة كمركز ثقافي أو بين لمة العائلة وسط معارف وأقرباء وأطفالي ونتفرج جميعا على ما مررت به كفلم فيه لقطات من عمر طفل نجا، فعل التذكر ذاك وفعل التخيل عما ستؤول إليه حالي بعد المعتقل كان كفيلا بأن يشعرني أن الوقت سيمر وأن المستقبل قادم ولا بد أن نبنيه بأيدينا. ورب قائل يسأل ما الخيط المشترك في نسج هذا السرد السالف في هذا النص، فيضان في الحسكة في منطقة انتشار عربية مع تساؤل ماذا لو كان الفيضان في قرى وبلدات يقطنها الأكراد فهل ستترك معالجتها لآليات النجدة لدى قسد أم ستتقدم الدولة في تعبير استعراضي أيقوني- رمزي يظهرها بموقف صاحبة الواجب؟، في المنطقة نفسها قوة غاشمة تعتقل شبابا بالآلاف؛ والآباء المنتظرون لأبنائهم يتفاجؤون برسائل تصل من العراق أن أبناءهم هناك وهم معتقلون بتهم لا تخص تنظيم داعش، وظهروا باعترافات على تلفزيونات سلطة أمر الواقع تلك؛ يعترفون قسرا بأنهم ثوار تعاملوا مع تركيا وليس داعش، في مكان آخر تذهب مجموعة من ناشطي الدروز لزيارة ضريح سلطان باشا الأطرش فيتم اعتقالهم من قبل عصابات الهجري، ويتم ضربهم وإهانتهم نساء ورجالا، يريدون الانعتاق من قوة رزحت على صدورهم واعتسف حقهم في التعبير، في مكان آخر خطة إعادة إعمار بطيئة بإمكانات صفرية، طائفيون يتخفون بلبوس العلمانية ويعترضون على حكومة يقودها إسلاميون، إسلاميون رافضون لسلوك الحكومة وتنازلاتها، شريحة كبيرة من ذوي تدين شعبي يرفضون تجاوز الحكومة لملف العدالة الانتقالية المؤجلة، ثوار على الرفوف خسروا بيوتهم ووظائفهم ينتظرون قرارات لعودتهم للعمل. بالمقابل ورغم ثقة الشعب العفوية بالقيادة الجديدة؛ تنبلج حزمة من المطالب والآلام البسيطة، وتشكل شرخا بين الطرفين عبر إعادة تدوير كثير من الوجوه التي شاركت النظام جرائمه، ليس الأمر شرخا بين طرفين كما جاء التعبير عفويا؛ بل شرخ بين شريحة عريضة من الشعب بمثقفيه ونخبه وثواره وعامته الفقيرة تمثل رائزا للمشروعية عبر مطالبها المحقة، وبين حكومة استمدت مشروعيتها من ثورة اشترك فيها كثير، أو تستمد مشروعيتها مما تقدمه من برامج وخدمات.

هل علينا السكوت لتقوم السلطة بكل شيء والتصفيق لها أو جلدها؟ أم التعبير والكتابة والنقد شرط ألا نكون صوتا للجار الحاسد والصديق الفاسد والعدو الصريح.

وفي عودة أخرى إلى حمى التذكر التي كنا نعالج بها عبء أرواحنا في المعتقل، يتضح سؤال: هل نحترف التذكر لنعبر؟ وهل نسعى إلى التخيل ليمضي وقت المحنة؟ وهل علينا الصبر والسكوت فقط؛ لئلا يتحول الحديث والنقد البناء إلى فوضى وضجيج يقلق من يعمل؟، ومن سيقتنع أن هناك من يعمل بناء على برامج تفيد الجميع، ومن سيقتنع أن القادم أجمل، وأن الخوف الذي يعيشه الدرزي الرابض خلف جدران بيته ينتظر الخلاص سينتهي قريبا من دون صفقة مفروضة، وأن الدولة ستحل مشكلات الفقراء والجهلاء كذلك لئلا تنتصر الفلول، ليست المشكلة بالنوايا رغم التحفظ على كثير من النوايا التي تظهر بقرارات ارتجالية تنبئ بكثير، بل المشكلة في الخطط والبرامج ونجاعتها، من سيقنع الجزراوي الذي تم اقتلاعه من وظيفته ومن بيته وأرضه أن الوحش الذي يقابله في الطريق ويمنع عنه الماء شخص عابر، وأن الذين خوفوا الطفل السائر في ظل أمه مزاحاً عابرون وأن أمنا الدولة تضحك وتطمئننا، كل ذلك للتساؤل فيم نكتب ولمَ نكتب ولمن نكتب؟ هل سنخرج من أرواحنا لنتحمل الواقع، أم ننام قدر ما نستطيع من وقت لينتهي فلم المرحلة الطويل ويتحول إلى ذكرى كما كنا نفعل في المعتقل؟ وهل علينا السكوت لتقوم السلطة بكل شيء والتصفيق لها أو جلدها؟ أم التعبير والكتابة والنقد شرط ألا نكون صوتا للجار الحاسد والصديق الفاسد والعدو الصريح. وأن يكون الوطن بناء نشيده جميعا من دون استفراد أو وصاية لتحقيق الدولة وليس ترسيخ السلطة، وأن نمارس واجبنا كشركاء وبناة للدولة لا أتباعا يسقطون في حمى التصفيق ولا عابثين بما تفتحه فوضى مواقع التواصل الاجتماعي وشعبويتها ورعاتها.

 

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى