
في لقائه مع رجال الأعمال السعوديين في فلوريدا في 28 الجاري على هامش منتدى “مبادرة الاستثمار بالمستقبل”، توجه ترامب إلى زعماء المنطقة قائلاً “… ظننتم أنهم (الإيرانيون) سيستهدفون إسرائيل فقط، لكنهم استهدفوكم جميعاً”. وأضاف “نحن لم نكن يوماً أقرب من الآن إلى الشرق الأوسط، الذي سيتحرر أخيراً من الإرهاب والعدوانية والإبتزاز الإيراني … نحن ندمر كل طاقاتهم”.
ذكّر ترامب بالصواريخ التي أطلقتها إيران على دول الخليج، وقال “نحن لم ننقذ إسرائيل فقط، بل وكل الشرق الأوسط أيضاً”. وتوجه إلى الحاضرين في القاعة وتمنى عليهم قائلاً “هلّا عدتم إلى اتفاقيات إبراهيم؟ لقد حان الوقت! الشرق الأوسط يتغير، ومستقبل هذه المنطقة لم يكن يومًا أكثر إشراقًا. نحن من وضع اتفاقيات إبراهيم، وآمل أن تنضموا إليها”، وفق موقع يديعوت أحرونوت الناطق بالروسية vesty في 28 الجاري.
لكن ترامب متقلب المزاج، سرعان ما انتقل من لهجة التمني إلى الأمر، وقال “عليكم أن تنضموا إلى إتفاقيات إبراهيم، وستنضم إليها كل البلدان. وثمة بلدان شجاعة جداً قد قامت بذلك، وكان هذا ممتازاً بالنسبة لهم من وجهة النظر الاقتصادية”. ويعتقد أن كل بلدان الشرق الأوسط ستنضم إلى الاتفاقيات، “وفي بعض الحالات” من خارجه أيضاً، وهي تريد أن تكون بلداناً صديقة، “وستشهدون ذلك قريباً”.
في الفترة التي مضت من ولايته الثانية، لم تكن اتفاقيات إبراهيم في دائرة اهتمامات ترامب المباشرة، ولم يلاحظ أن صهره جاريد كوشنير الذي تولى أمر الاتفاقيات في ولاية ترامب الأولى قد توقف عندها أو دعا للانضمام إليها. ويبدو أن التغيرات الكبيرة التي تعصف بالشرق الأوسط بعد 7 أوكتوبر، قد جعلت هذه الاتفاقيات تتراجع إلى الوراء، مفسحة المجال لأنباء الحروب التي تناسلت منذ ذلك الحدث.
وإسرائيل التي لعبت الدور الأبرز بعد الولايات المتحدة في إحداث هذه التغيرات، قد أصبحت في موقع يجعلها تعتقد أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية قد أصبح وراءها، وأن الوضع المستجد قد أزال الكثير من العقبات التي كانت تحول دون انضمام الدول العربية إلى الاتفاقيات.
استراتيجية إشعال المنطقة بأسرها التي يتبعها نظام الملالي في مواجهة الحرب الأميركية الإسرائيلية عليه، يبدو أنها أزالت ما تبقى من عقبات كانت تحول دون الانضمام إلى اتفاقيات إبراهيم. والدول التي كانت تضع الاعتراف بالدولة الفلسطينية شرطاً للإنضمام إليها، وضعها القصف الإيراني على مدنها وموانئها ومواردها أمام خيار محفوف بالمخاطر ويكاد يكون وحيداً: الإنضمام إلى الحرب الأميركية الإسرائيلية للدفاع عن أمنها. والبلدان التي تتولى فيها أذرع إيران تجويف الدولة من داخلها، وتحويلها إلى هياكل فارغة تمسك بخناقها وورطتها بحرب مدمرة مع إسرائيل، مثل لبنان، أصبحت هي تطلب الانضمام إلى اتفاقيات إبراهيم، وإسرائيل ترفض وتطالبها بأن تستعيد دورها كدولة أولاً.
موقع المجموعة الإعلامية الروسية الكبيرة RBC نشر في 26 الجاري نصاً تساءل في عنوانه “لماذا لا تمانع دول الخليج خوض الحرب ضد إيران”، وأرفقه بآخر ثانوي: لماذا تخشى هذه الدول وقف إطلاق النار المتسرع، وتصر على ممارسة الضغط العسكري على طهران.
ينسب االموقع لصحيفة الواشنطن بوست قولها هذا الكلام في 26 الجاري، وينقل عن مصادر الصحيفة قولها إن السعودية والإمارات تؤيدان إنهاء الصراع “بشكل حاسم” من خلال الوسائل الدبلوماسية أو العسكرية. وفي حال رفضت طهران فرض قيود جدية على برامجها النووية والصاروخية والطائرات المسيرة، فإن الرياض وأبو ظبي تقفان مع مواصلة الحملة العسكرية بل وتشديدها. وتنقل الصحيفة عن مسؤول أوروبي لم تذكر إسمه، ويتعامل مع دول الخليج قوله “لم أسمع قط عبارة “دعونا ننجز هذا الأمر”، لكن هذا هو الشعور السائد”.
وبحسب الواشنطن بوست، فإن قطر والكويت والبحرين تشترك في هذا الموقف، بينما تدعو عُمان إلى خفض التصعيد والتوصل إلى تسوية دبلوماسية. في الساعات الأولى من العملية الأميركية الإسرائيلية المشتركة، تعرضت دول الخليج لهجمات صاروخية وطائرات مسيرة إيرانية. في البداية، كانت طهران تستهدف المواقع الأميركية في المنطقة، لكنها سرعان ما حولت تركيزها إلى سفن الشحن التجارية والبنية التحتية للطاقة في الدول المجاورة.
وتقول الصحيفة إنه مع استمرار الضربات، فإن أكبر مخاوف دول الخليج تتمثل في مصير ترسانة إيران من الصواريخ والطائرات المسيرة التي استخدمت لمهاجمة بنيتها التحتية. ووفقاً لمعطيات شبكة CNN، فإن السلطات السعودية تصر على تقليص هذه الترسانة إلى الحد الأدنى بحلول نهاية الصراع. وذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن ولي العهد السعودي أمضى الأسبوع المنصرم وهو يحث الرئيس الأميركي دونالد ترامب على مواصلة حملة القصف، مؤكداً أن إيران تشكل تهديداً طويل الأمد للمنطقة بكاملها، ولا يمكن القضاء عليه كلياً إلا من خلال تغيير النظام.
الإمارات من جانبها تعلن صراحةً أنها ترفض الاستسلام للوضع الراهن. وكتب أنور قرقاش، مستشار رئيس دولة الإمارات، على منصة X: “في مواجهة العدوان الإيراني، لا يقتصر تفكيرنا على وقف إطلاق النار، بل ينصبّ على إيجاد حلول تضمن أمناً مستداماً في الخليج، وكبح جماح التهديد النووي، وبرامج الصواريخ والطائرات المسيّرة، والسلوك العدواني في المضائق. من المستحيل أن يصبح العدوان تهديداً دائماً”.
موقع vesty المذكور نشر في 17 الجاري نصاً أشار فيه إلى أن دول الخليج، ومع أنها أصبحت تعتبر إيران عدواً وتفقد صبرها، إلا أنها لا تدخل الحرب. ويحاول قادة الخليج معرفة ما يهددهم أكثر: الهجمات من طهران أم التحركات الأميركية الإسرائيلية.
يستهل الموقع نصه بالقول إن دول الخليج، على الرغم من أنها لم تطلب من الولايات المتحدة أن تبدأ الحرب مع إيران، إلا أن معظمها يصر الآن على ألا يوقف الأميركيون العملية. ونقل عن وكالة رويترز إشارتها في 17 الجاري إلى أن دول المنطقة تخشى من أن تحتفظ إيران، بعد انتهاء الحرب، بقدرات عسكرية تسمح لها بإبقاء الدول المجاورة في حالة توتر دائم. وفي الوقت عينه، تواصل واشنطن ممارسة الضغط على الدول العربية المتاخمة لإيران، سعياً منها لإشراكها في العملية العسكرية ضد نظام الملالي. وبحسب مصادر، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يريد إظهار دعم دول المنطقة له من أجل تعزيز الشرعية الدولية لأعماله، وكذلك موقفه السياسي الداخلي.
نقل الموقع عن رئيس مركز دراسات دول الخليج في الرياض عبد العزيز الساجر، قوله بأن هناك شعوراً سائداً في جميع أنحاء المنطقة بأن إيران قد تجاوزت كل الخطوط الحمراء الممكنة في علاقاتها مع كل من دول الخليج. وأضاف الساجر بالقول إن دول الخليج كانت تدافع عن إيران في البداية، ولكن ما إن بدأت هي بمهاجمتها حتى أصبحت عدواً، “ولا يمكن وصفها بغير ذلك”.
رأى الموقع أنَّ إيران قد أثبتت قدرتها على شن ضربات صاروخية وطائرات مسيرة على المطارات والموانئ البحرية ومنشآت النفط ومراكز التسوق في ست دول خليجية. وقد أدت الهجمات المتعددة إلى زيادة المخاوف من أنه إذا احتفظت إيران بترسانة من الأسلحة الهجومية أو القدرة على إنتاجها، فإنها ستهدد موارد الطاقة في المنطقة على نحوٍ متكرر، مستخدمةً إياها كـَ “رهائن” كلما تصاعد التوتر.
المصدر: المدن






