
دأبت حكومة اليمين المتطرف في (تل أبيب)، ومنذ أن تم كنس نظام بشار الأسد من سوريا، على ممارسة كثير من التعديات الأمنية وقضم الأراضي السورية، وهي بذلك تحاول استغلال الفرص وانشغال العهد الجديد في سوريا بعملية البناء والاستقرار، ولملمة ما خرّبه النظام الأسدي خلال حربه على الشعب السوري.
لكن هذه التعديات والاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة، واستمرار ذلك، في ظل وجود الحرب الكبرى التي تقيمها إسرائيل بالشراكة مع الأميركيين في مواجهة إيران، لا بد أن تطرح تساؤلات عديدة، وتوحي، بل وتشي، بمسائل من الممكن التنقيب عنها، وقد تكون ما زالت تعتمل ضمن الذهنية الإسرائيلية (المنشغلة، كما هو مفترض) في حرب ضروس مع الإيرانيين. ومفاد ذلك أن الإسرائيليين الذين عرقلوا وأعاقوا الوصول إلى تفاهمات جديدة، أو اتفاقات أمنية، من خلال المفاوضات الأخيرة في باريس وسواها مع حكومة دمشق، من أجل إيقاف الدخول في اتفاق أمني تريده دمشق، وبرعاية أميركية، كبديل لاتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974 بين حافظ الأسد وإسرائيل، أو كتحديث جديد لذاك الاتفاق.
أي اتفاق أمني دفاعي قومي عربي متماسك، قد يعيد إنتاج الواقع العربي من جديد وعلى أسس جديدة، في مواجهة التعديات العدوانية الإسرائيلية أو الإيرانية على دول الخليج العربي والإقليم، أو سوى ذلك وبالتوازي معه.
إن حكومة دمشق تود وتعمل، ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا، من أجل أن تتفرغ بالتالي إلى مسائل وطنية داخلية ملحة وكثيرة، منها عملية البناء الجديد لكل مؤسسات الوطن السوري، ومن ثم إقامة مداميك عصرية وحديثة في الاقتصاد السوري المنهار، الذي سبق ووصل مع نهاية حكم نظام بشار الأسد إلى حالة الدولة الفاشلة. كما تعمل على إعلاء صرح الاستقرار وتوحيد الوطن السوري بكليته، ثم حل إشكاليات كثيرة عالقة، مثل حالات الجنوب السوري المتعثرة، وأيضًا مع ديناميات ما جرى ويجري في شمال غربي سوريا الساحلية، وبعد أن جرى التوقيع على اتفاق مهم مع تنظيم (قسد). وسوريا، كحكومة اليوم، لا تريد أبدًا أن تبقى منشغلة في تواصل التعديات الإسرائيلية التي لا تتوقف، ولا كذلك في وجود إسرائيلي في المنطقة العازلة المحتلة منذ تاريخ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.
لكن إسرائيل (كما يبدو ويتمظهر على السطح) ما زالت تصر على القول إنها، بالرغم من انشغالها في الحرب الكبرى مع إيران، ما برحت صاحية ومستيقظة ومستعدة لممارسة كل آليات الضغط الأمني على حكومة دمشق، عبر هذه التعديات المشار إليها، وصولًا إلى التوقيع على اتفاق أمني قد يأتي بالضرورة بعد أن تضع الحرب الإسرائيلية–الأميركية–الإيرانية أوزارها، وتكون نتيجته مما يمكن أن تتكئ إليه إسرائيل كنتائج لهذه الحرب المستعرة، وضمن سياقات الضغط المستمرة على حكومة دمشق. ولأن إسرائيل أيضًا قد دأبت على ممارسة عملية المفاوضات، سابقًا ولاحقًا، من خلال سياسة “المفاوضة بالحديد والنار”، وتحت سطوتهما ووقعهما، كما جرت العادة لديها وضمن سياساتها العدوانية، فهي الآن تريد ذلك وعلى نفس الطريق والمؤدى، وتدفع بالتالي نحو تفاهم تريده دمشق، لكن إسرائيل تأمل أن يكون كما تشاء هي، وكما تعتقد أنها باتت قادرة على فرضه بالقوة والعسكريتاريا وفرط القوة التي باتت تمتلكها، في ظل الغياب الحقيقي لأي مشروع عربي في مواجهة إسرائيل، وضمن سياقات حروب مستمرة تمارسها إسرائيل وتعمل عليها وتتابعها ميدانيًا، بدعم أميركي كبير ولا محدود.
إسرائيل، المعتدية دائمًا على الفلسطينيين والسوريين وكل العرب في الإقليم، والتي تخوض حربًا كبرى الآن في مواجهة إيران، تريد استغلال نصرها المفترض ضمن سياقات الاشتغال على تكوين شرق أوسط جديد، تود إنجازه على قدّ ومقاس (بنيامين نتنياهو)، وعلى هدي ونهج استمرار الدعم الأميركي اللامحدود، المترافق والمتساوق مع حالة من الصمت العالمي، رغم كل ما تفعله إسرائيل في المنطقة العربية من عنف وحروب دامية، مع الانحياز الكلي لصالح إسرائيل المعتدية على طول المدى. وإذا كان هناك من يتحدث اليوم عن قرارات للأمم المتحدة أو ضغط أممي ما في هذا السياق، فإن إسرائيل لم تطبق أي قرار أممي متعلق بها، لا مع سوريا ولا مع أي دولة عربية، وهي مستمرة في عربدتها غير العاقلة، والمستفردة بالعرب، دولة إثر دولة، وكسرة إثر كسرة. ويأتي كل ذلك (كما قلنا) في ظل غياب، وتغييب جدي وحقيقي، لأي مشروع عربي ناهض، أو أي اتفاق أمني دفاعي قومي عربي متماسك، قد يعيد إنتاج الواقع العربي من جديد وعلى أسس جديدة، في مواجهة التعديات العدوانية الإسرائيلية أو الإيرانية على دول الخليج العربي والإقليم، أو سوى ذلك وبالتوازي معه.
هل سنشهد، بعد حرب إيران، اتفاقًا أمنيًا جديدًا بين إسرائيل ودمشق يعيد المنطقة العازلة التي احتلتها إسرائيل إلى الوطن السوري؟
يبدو أنه بات من المتوقع أن تستمر التعديات العدوانية الإسرائيلية على السوريين، قضمًا للأراضي السورية واعتقالًا للمواطنين السوريين، مع تصاعد مستمر ومضطرد للعربدة الإسرائيلية في المنطقة، ضمن سياقات وأحوال هذا الوطن السوري غير القادر على فتح معارك آنية مع إسرائيل، وفي أتون واقع عربي وإسلامي عاجز، يكتفي بالبيانات والإدانات ليس أكثر من ذلك.
فهل سنشهد، بعد حرب إيران، اتفاقًا أمنيًا جديدًا بين إسرائيل ودمشق يعيد المنطقة العازلة التي احتلتها إسرائيل إلى الوطن السوري؟ وبالتالي، هل سيكون ذلك وفق الشروط والمتطلبات الإسرائيلية، استثمارًا لحالة الانتشاء، ومن ثم كبر وتضخم حجم وقوة إسرائيل عسكريًا، وزيادة كل قدراتها في المنطقة؟ أم أن هناك عوامل أخرى من الممكن أن تدخل على خط الأزمة، وتأخذنا إلى مآلات أخرى لا نريدها كسوريين، وتغير كل هذه المعطيات؟
لعلها تساؤلات كثيرة ومشروعة، ومن حقنا أن نطرحها هنا بكل شفافية ووضوح، لكن ما هو مشروع أيضًا الحديث عن أن إسرائيل، وبدعم أميركي متواصل ومفتوح، باتت قوة كبرى وضاربة في المنطقة، ولن يتمكن الواقع العربي المتعثر برمته من التصدي لها أو مناكفتها، من دون مشروع عربي قوي ومتماسك بعد الحرب على إيران، وبعد هذا الموقف الأميركي الشريك لإسرائيل في حربها هذه، والذي سيترك بالتأكيد كثيرا من آثاره السلبية على واقعنا الإقليمي والعربي بشكل عام، وبالضرورة منه سوريا.
المصدر: تلفزيون سوريا






