
أثار قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2799، المعتمد في 6 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، جدلًا واسعًا منذ صدوره وحتى اليوم؛ ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى تفسيرات غير دقيقة تداولها غير المختصين بالقانون الدولي وبمنهجيات قراءة نصوص قرارات مجلس الأمن. تقدم هذه المقالة تحليلًا قانونيًا للقرار 2799، يتناول طابعه الرسمي، ومضمونه العملي، وآثاره القانونية، وحدوده الكامنة، والمسائل التفسيرية التي أفرزتها بنيته الخاصة. ويخلص التحليل إلى أن إلزامية القرار تقتصر على شطب الأسماء، بينما يفتقر توصيفه كخريطة طريق سياسية للمرحلة الانتقالية إلى الدقة ويفضي إلى تضليل الرأي العام السوري.
الطابع القانوني والبنية التنظيمية للقرار 2799
يستمد القرار 2799 طابعه القانوني الرسمي من استناده الصريح إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة؛ وتُفهم القرارات الصادرة بموجب الفصل السابع بوصفها تدابير إنفاذ للتصدي للتهديدات التي تمس السلم والأمن الدوليين. وتكتسب هذه القرارات قوة إلزامية عامة بحكم المادة 25 من الميثاق، التي تنص على أنَّ الدول الأعضاء في الأمم المتحدة توافق على قبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها، بما يجعل أحكام القرار واجبة التنفيذ على جميع الدول الأعضاء.
ويتميز القرار ببنية خاصة تتألف من عنصرين مترابطين، وإن كانا مختلفين وظيفيًا. يؤدي قسم الديباجة دورًا تأطيريًا واسعًا، إذ يضع القرار ضمن مجموعتين من ممارسات المجلس السابقة. فمن جهة، يستذكر القرارات السابقة المتعلقة بسوريا، ويشير صراحة إلى المبادئ والأهداف الرئيسة الواردة في القرار 2254 لعام 2015 بوصفه الإطار السياسي التأسيسي للمرحلة الانتقالية في سوريا. ومن جهة أخرى، يستحضر هيكل عقوبات مكافحة الإرهاب الذي أُرسِيَ بموجب القرارات 1267 لعام 1999، و1989 لعام 2011، و2253 لعام 2015، والقرارات اللاحقة لها. ويضع هذا الربط المزدوج القرار عند نقطة تقاطع بين انخراط المجلس السياسي في الملف السوري وبين ولايته في إنفاذ منظومات مكافحة الإرهاب.
وتحافظ الديباجة على توازن موضوعي، إذ تعيد تأكيد سيادة سوريا وسلامة أراضيها ووحدتها الوطنية، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى نية تعزيز إعادة الإعمار والاستقرار والتنمية الاقتصادية على المدى الطويل. غير أنَّ هذا التوجه التنموي يأتي مقرونًا بشرط واضح يتمثل في ضرورة اتساق هذه الأهداف مع سلامة وفعالية نظام العقوبات. كما ترحب لغة الديباجة بمجموعة واسعة من الالتزامات السورية المعلنة، تشمل إيصال المساعدات الإنسانية بما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني، والتعاون في مكافحة الإرهاب، وحماية حقوق الإنسان من دون تمييز على أساس العرق أو الدين، وجهود مكافحة المخدرات، وآليات العدالة الانتقالية، والتزامات عدم انتشار أسلحة الدمار الشامل بما في ذلك إزالة مخلفات الأسلحة الكيميائية، ودعم الاستقرار الإقليمي، والمضي في عملية سياسية شاملة بقيادة سورية.
وعلى النقيض من هذا الاستطراد التمهيدي، يأتي منطوق القرار التنفيذي بالغ الإيجاز، إذ يقتصر على فقرتين تنفيذيتين؛ تنص الفقرة الأساسية على شطب اسمي أحمد حسين الشرع وأنس حسان خطاب من قائمة عقوبات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والقاعدة. أما الفقرة الثانية فتتضمن بند الاستمرار في الخضوع للعقوبات، وهو بند معياري يُظهر استمرار اهتمام المجلس بالمسألة. ولا يشتمل المنطوق على أي أحكام إضافية تُحدد مسارات انتقال سياسي، أو معايير مرجعية، أو إجراءات دستورية، أو جداول زمنية، أو متطلبات إبلاغ، أو آليات تنفيذ.
إنَّ الدول الأعضاء مُلزمة بتنفيذ قرار الشطب عبر أنظمتها الوطنية وفقًا للمادة 25 من الميثاق. كما تبرز هنا العلاقة مع إجراءات لجنة العقوبات المعمول بها. ففي العادة، تتم عمليات الشطب عبر آليات لجنة 1267/1989/2253، وتُرفع توصيات الشطب إلى الإزالة ما لم تُحال المسألة إلى مجلس الأمن للبت فيها مباشرة.
الآثار القانونية ومتطلبات تنفيذ قرار الشطب من القائمة
ينشئ قرار شطب اسم من قائمة العقوبات التزامات قانونية محددة تنبع مباشرة من الإطار القائم لنظام العقوبات الموجهة. ففي سياق تنظيم داعش والقاعدة، يترتب على الإدراج في القائمة فرض ثلاث فئات من التدابير: تجميد الأصول، وحظر السفر، وحظر توريد الأسلحة. وبناء على ذلك، يستلزم الشطب قانونًا أن تتوقف الدول الأعضاء عن تطبيق هذه التدابير على الأشخاص الذين شُطبت أسماؤهم، وأن تُحدّث آليات التنفيذ الوطنية تبعًا لذلك.
وتتضمن متطلبات الامتثال العملي للدول والجهات الخاضعة للتنظيم التزامات متعددة ومتمايزة؛ على الدول الأعضاء تحديث قوائم العقوبات الوطنية وقواعد بيانات الامتثال فورًا بما يعكس إزالة الأسماء من القوائم. وعلى المؤسسات المالية إعادة تهيئة أنظمة الفحص والامتثال لرفع تجميد الأصول التي جُمّدت سابقًا بموجب التصنيفات الصادرة عن الأمم المتحدة، مع مراعاة احتمال وجود أسس قانونية مستقلة قد تبرر استمرار قيود معينة خارج نطاق نظام الأمم المتحدة. وعلى سلطات مراقبة الحدود والهجرة إزالة إشارات حظر السفر المرتبطة بالأسماء المشطوبة. كما ينبغي إعادة معايرة أنظمة مراقبة نقل الأسلحة بقدر ما كانت القيود مرتبطة بهذين الشخصين نتيجة إدراجهما السابق ضمن القوائم.
ويمثل هذا المجال التطبيقي مثالًا تقليديًا على تدابير المادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة، بما يشمله من تدابير غير قسرية تتخذ شكل قيود اقتصادية وإدارية يقررها مجلس الأمن. والالتزام القانوني هنا هو التزام بالنتيجة لا بالوسيلة، أي وجوب عدم تطبيق تدابير الجزاءات على الشخصين المذكورين، مع احتفاظ الدول بهامش تقدير بشأن المسار القانوني المحلي الذي تُفعّل به هذه النتيجة.
ويستحق الطابع الملزم لقرار الشطب تأكيدًا خاصًا؛ فبما أنَّ المجلس يقرر بموجب الفصل السابع، فإنَّ الدول الأعضاء مُلزمة بتنفيذ قرار الشطب عبر أنظمتها الوطنية وفقًا للمادة 25 من الميثاق. كما تبرز هنا العلاقة مع إجراءات لجنة العقوبات المعمول بها. ففي العادة، تتم عمليات الشطب عبر آليات لجنة 1267/1989/2253، وتُرفع توصيات الشطب إلى الإزالة ما لم تُحل المسألة إلى مجلس الأمن للبت فيها مباشرة. أما القرار 2799 فيفعّل النتيجة النهائية مباشرة، بوصفه قرارًا صادرًا عن مجلس الأمن بشأن الشطب، لا مجرد مخرج إجرائي على مستوى اللجنة.
قيود جوهرية تستدعي التنبيه
أولًا، لا يحدد القرار شروطًا تفصيلية أو معايير امتثال قابلة للقياس؛ فرغم أنَّ الديباجة تُفصّل التزامات سورية واسعة النطاق وتوقعات المجلس بشأن الوصول الإنساني وحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية ومكافحة المخدرات ومخلفات الأسلحة الكيميائية، فإنَّ هذه الإشارات لا تُترجم إلى التزامات عملية محددة زمنًا مصحوبة بآليات إبلاغ أو رصد أو إنفاذ. وبذلك يتسم القرار بسمات وثيقة ذات دلالة سياسية قوية وآليات حوكمة محدودة، إذ يرسل رسالة سياسية واسعة دون أن يضع إطارًا تنفيذيًا تفصيليًا.
ثانيًا، لا يُعدّل القرار سلامة نظام العقوبات المفروضة على تنظيم داعش، بل يؤكد المجلس صراحة على ضرورة السعي لتحقيق أهداف إعادة الإعمار والتنمية على نحو يظل متسقًا مع سلامة وفعالية نظام العقوبات المفروض على داعش والقاعدة. ويعني ذلك أنَّ المجلس
يقدم الشطب بوصفه إجراءً متوافقًا مع وظيفة نظام العقوبات الشاملة في مكافحة الإرهاب، لا بوصفه تراجعًا عنها. فالقرار يزيل القيود عن شخصين محددين، مع إعادة تثبيت الالتزام الأوسع لجميع الدول، بما فيها سوريا، بقمع النشاط الإرهابي الذي تقوم به الكيانات المُدرجة على القائمة.
الخطاب السياسي الواسع الوارد في ديباجة القرار 2799 لم يُصغ بوصفه توجيهًا تنفيذيًا، ويبقى المضمون الملزم محصورًا في القرار التنفيذي الوحيد المتعلق بشطب الاسمين من قائمة العقوبات.
هل يشكل القرار خريطة طريق سياسية لسوريا؟
تلقيت من عدة أصدقاء سؤالًا تفسيريًا عمّا إذا كان ينبغي وصف القرار 2799 بأنَّه يضع خريطة طريق سياسية جديدة لسوريا استنادًا إلى القرار 2254 لعام 2015، وذلك نقلًا عن بعض غير المختصين أو بعض المعارضين السياسيين. ومنعًا لأي تصيد، لا أصادر حق أحد في المعارضة السياسية أو في المطالبة بمسار انتقال سياسي، فنحن من أوائل من كتب عن ذلك في آذار/مارس 2025. غير أنَّ النقاش هنا يتعلق بمضمون القرار نفسه: فالقول إنَّ قرار مجلس الأمن قد نص على خريطة طريق انتقالية بينما لم ينص عليها هو تضليل للرأي العام. وقد ناقشت هذه المسألة مع عدد من المسؤولين الأمميين، بمن فيهم مسؤولون من مكتب المبعوث الأممي إلى سوريا، وما يرد في هذه المقالة يمثل رأيًا قانونيًا متوافقًا عليه في تفسير القرار.
ولتوضيح منهجية قراءة قرارات مجلس الأمن عمومًا، يقوم النهج المعياري في تفسيرها على تمييز واضح بين لغة الديباجة ولغة المنطوق، وترّسخ ممارسات الصياغة في الأمم المتحدة كون الديباجة تُبيّن الاعتبارات والسياق، بينما يحدد المنطوق الإجراءات الواجب اتخاذها. وقد تساعد فقرات الديباجة في فهم الغاية والهدف، لكنَّها لا تُنشئ بذاتها الفئة نفسها من الالتزامات المحددة التي تُنشئها صيغ مثل يقرر أو يطالب في منطوق القرار، ما لم يحِل المنطوق إليها على نحو صريح بوصفها التزامًا واجبًا.
وبتطبيق هذا الإطار التفسيري، يتضح أنَّ الخطاب السياسي الواسع الوارد في ديباجة القرار 2799 لم يُصغ بوصفه توجيهًا تنفيذيًا، ويبقى المضمون الملزم محصورًا في القرار التنفيذي الوحيد المتعلق بشطب الاسمين من قائمة العقوبات. ولا تتضمن الفقرات التنفيذية أي آليات انتقال سياسي، أو عمليات دستورية، أو جداول زمنية، أو ترتيبات رصد.
ولا تظهر الإشارة إلى القرار 2254 إلا في الديباجة بوصفه إطارًا سياقيًا؛ ورغم أنَّ ذلك يعكس استمرارية عامة في مقاربة المجلس للملف السوري، فإنَّه لا يحول القرار 2799 إلى خطة تنفيذ محدثة للقرار 2254. كما لا يتضمن المنطوق أي عبارات من قبيل يقرر أو يطالب أو يدعو الأطراف إلى تنفيذ خريطة طريق القرار 2254، ولا يتضمن أي هيكل تسلسلي أو برنامج عمل. وعليه، يرد القرار 2254 هنا باعتباره إطارًا مرجعيًا يمنح شرعية سياسية للسياق، لا برنامجًا مُفعّلًا بمقتضى هذا الصك.
وبالمثل، فإنَّ الترحيب بالالتزامات السورية المعلنة يظل إشارة سياسية لا خريطة طريق وضعها المجلس؛ فاللغة المستخدمة أقرب إلى الترحيب والتوقع، لا إلى القرارات التنفيذية الملزمة. كما أنَّ كون القرار صادرًا بموجب الفصل السابع لا يعني أنَّ كل ما يرد في ديباجته يصبح ملزمًا تلقائيًا. إنَّ القوة الملزمة تتولد تحديدًا من قرارات المجلس التي يتعين على الأعضاء تنفيذها بموجب المادة 25.
خاتمة
يمكن توصيف القرار 2799 لعام 2025 بأنَّه قرار عقوبات مستهدف صادر بموجب الفصل السابع، يتمحور حول شطب اسمين من قائمة عقوبات داعش والقاعدة، ضمن سياق لغوي وسياسي أوسع يتصل بسيادة سوريا وإعادة إعمارها وبجملة من الالتزامات في
مجال الحكم. ويظل أثره القانوني الملزم محدودًا لكنَّه واضح: إذ يتعين على الدول الأعضاء التوقف عن تطبيق تدابير تجميد الأصول وحظر السفر وحظر الأسلحة على الشخصين المذكورين، وتحديث إجراءات التنفيذ الوطنية وفقًا لذلك.
وتشكل الديباجة إطارًا استراتيجيًا يضع هذا الشطب ضمن حزمة من التوقعات المتعلقة بالوصول الإنساني وحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية ومكافحة المخدرات ومنع انتشار الأسلحة الكيميائية؛ غير أنَّ هذه التوقعات لا تُترجم في هذا الصك إلى آليات تنفيذية جديدة أو التزامات إجرائية محددة. وبذلك يُجري القرار إعادة معايرة انتقائية لأداة من أدوات العقوبات مع الحفاظ على سلامة إطار مكافحة الإرهاب الأوسع.
المصدر: تلفزيون سوريا






