
في واحدة من اللحظات الإقليمية شديدة الاضطراب، لا يمكن فصل القضايا السياسية والعسكرية عن الأسئلة القانونية. فحين تتعرّض دولٌ ذات سيادة لهجوم مسلّح واسع، يصبح البحث في الأساس القانوني لحقّها في الدفاع عن النفس، فرادى وجماعات، مسألة مركزية. ومن هذه الزاوية، تكتسب الاعتداءات الإيرانية التي طاولت (وتطاول) دول مجلس التعاون الخليجي والأردن، بعد العدوان الأميركي – الإسرائيلي على إيران منذ أواخر الشهر الماضي (فبراير/ شباط)، دلالة تتجاوز بعدها العسكري المباشر، لتفتح نقاشاً قانونياً واضحاً بشأن مشروعية طلب المساعدة العسكرية الخارجية، وحدود ذلك، والأطر التي تنظّم هذه المسالة في القانون الدولي العام.
الحقّ الأصيل في الدفاع عن النفس
شنّت إيران، في 28 الشهر الماضي (فبراير/ شباط) هجوماً منسّقاً بالصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة المسلّحة على جميع دول مجلس التعاون الخليجي الستّ، بالإضافة إلى الأردن، فيما اعتبرته طهران ردّاً على الضربات الأميركية – الإسرائيلية المشتركة التي تستهدف الأراضي الإيرانية. وأسفرت هذه الهجمات عن مقتل ما لا يقل عن تسعة أشخاص، وإصابة أكثر من مائتين، وإلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية المدنية في مختلف أنحاء شبه الجزيرة العربية. وما يميّز هذه الحادثة عن سوابق التوتر الإقليمي لا يقتصر على اتساع نطاقها، بل يمتدّ إلى طبيعتها القانونية أيضاً، إذ شكّلت عدواناً مسلّحاً متزامناً على ست دول ذات سيادة أعلنت صراحة حيادها، وسعت بنشاط إلى تيسير القنوات الدبلوماسية لتجنّب المواجهة.
شكّلت الهجمات الإيرانية عدواناً مسلّحاً متزامناً ضدّ ستّ دول سعت إلى الحياد ودفعت باتجاه الدبلوماسية
وتنصّ المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة على ما تصفه بأنَّه “الحقّ الأصيل” في الدفاعين، الفردي والجماعي، عن النفس إذا وقع هجوم مسلّح على دولة عضو، إلى أن يتّخذ مجلس الأمن ما يلزم من تدابير لحفظ السلم والأمن الدوليين. وتكتسب عبارة “الحقّ الأصيل” أهمية فقهية خاصّة، لأنَّها تدلّ على أنَّ هذا الحقّ سابقٌ على الميثاق، بوصفه واحدة من قواعد القانون الدولي العرفي، وليس مجرّد حقّ أنشأته معاهدة. ويجيز الدفاع الجماعي عن النفس، بوصفه فرعاً عن هذا الحقّ، لدولة ثالثة أن تتدخّل عسكرياً لمساندة الدولة المعتدى عليها التي تعرّضت لهجوم مسلّح، شريطة استيفاء مجموعة من الشروط المحددة.
وقد ورد التوضيح القضائي الأبرز لهذه الشروط في حكم محكمة العدل الدولية الصادر عام 1986 في قضية الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا وضدّها، حين وضعت المحكمة متطلّبات صارمة ومتسلسلة تشكّل العتبة التشغيلية لأي استناد قانوني إلى الدفاع الجماعي عن النفس.
اشترطت المحكمة، أولاً، وقوع هجوم مسلّح يبلغ درجة عالية من الخطورة، مع التمييز بين “أخطر أشكال استخدام القوة” والاستخدامات الأقلّ خطورة، مثل الإمداد بالأسلحة أو الدعم اللوجستي. وثانياً، أن تعلن الدولة الضحية نفسها أنَّها كانت هدفاً لهجوم مسلح. وثالثاً، أن تطلب هذه الدولة رسمياً مساعدة عسكرية من الدولة أو الدول المتدخّلة. ورابعاً، أن يستوفي أي ردّ شرطي الضرورة والتناسب. وخامساً، أن يُخطر مجلس الأمن. ورغم أنّ إطار نيكاراغوا تعرّض لانتقادات أكاديمية لأنّه فرض، في نظر بعض الفقهاء، قيوداً شكلية مفرطة على حقّ أصيل، فإنّه لا يزال يمثّل المعيار القضائي المرجعي، وما زال يؤثّر بصورة مباشرة في التحليل القانوني للنزاعات المعاصرة.
اعتداءات تستوفي الشروط
وتستوفي الضربات الإيرانية التي نُفذت في فبراير الماضي ومارس/ آذار الحالي، بقدر كبير من الوضوح، الشروط التي قرّرتها محكمة العدل الدولية. فمن جهة عتبة الهجوم المسلّح، شكّلت هذه الضربات عدواناً مسلّحاً بالغ الخطورة، إذ شملت الإطلاق المتزامن لمئات الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، وأكثر من ألف طائرة مسيّرة ضدّ ستّ دول ذات سيادة، مستهدفة مطارات وموانئ بحرية، ومنشآت نفطية، ومناطق سكنية، وفنادق وبعثات دبلوماسية، وهذا عدوانٌ مسلّحٌ بالغ الخطورة.
ولا يتعلّق الأمر باستخدام غامض أو غير مباشر للقوة، ولا بمناوشات حدودية، ولا بعمليات نقل أسلحة سرّية من النوع الذي ميّزته محكمة العدل الدولية في قضية نيكاراغوا عن الهجوم المسلّح المؤهل. وقد استُهدفت دولة الإمارات وحدها، حتى 4 مارس/ آذار الجاري، بـ 189 صاروخاً باليستياً و941 هجوماً بطائرات مسيّرة وثلاثة صواريخ كروز. كما أدان البيان المشترك لمجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي هذه الضربات، ووصفها بأنّها “عشوائية”، مؤكّداً أنّها لم تقتصر على أهداف عسكرية مشروعة.
أمّا شرط إعلان الدول الضحايا وتقديم الطلب الرسمي، فقد جرى استيفاؤه جماعياً وفردياً، فقد أدان المجلس الوزاري لمجلس التعاون الخليجي، المُنعقِد في جلسة استثنائية، الهجمات بوصفها انتهاكاًَ خطيراً لسيادة الدول، وخرقاً واضحاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. وفي جلسة طارئة لمجلس الأمن، حمّل سفير البحرين، متحدّثاً باسم الدول الستّ الأعضاء في مجلس التعاون، بالإضافة إلى سورية والأردن، الحكومة الإيرانية المسؤولية الكاملة. وأعقبت هذا بيانات وطنية منفصلة، أكّدت فيها الدول المتضرّرة وقوع الهجمات على أراضيها، فقد أعلنت السعودية تعرّضها لضربات، وأنَّها ستتخذ التدابير اللازمة للدفاع عن نفسها، كما أكّدت قطر وقوع إصابات، وأنها اعترضت طائرات إيرانية. والأهم أنَّ المجلس الوزاري لمجلس التعاون الخليجي أكّد صراحة احتفاظ الدول الأعضاء بحقّها القانوني في الردّ، بموجب المادة 51، فرادى وجماعات. كما جاء البيان المشترك بين مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي، بوضوح، على الحقّ الأصيل لدول المجلس في الدفاع عن نفسها وفقاً لهذا النص.
وقد أُخطر مجلس الأمن في يوم بدء الهجمات نفسه، في 28 فبراير، حين عُقدت جلسة طارئة، بناءً على طلب البحرين وفرنسا وروسيا والصين وكولومبيا. وألقى الأمين العام كلمة أمام المجلس دعا فيها إلى ضبط النفس، كما عرضت دول مجلس التعاون الخليجي موقفها أمام الأعضاء المجتمعين.
تنصّ المادة الثانية من اتفاقية الدفاع المشترك لمجلس التعاون الخليجي على أنّ أي اعتداء على إحدى الدول الأعضاء يُعدّ اعتداءً على جميعها
وفيما يتعلّق بشرطَي الضرورة والتناسب، فإنَّ استمرار الهجمات الإيرانية بصورة متقطّعة حتى السادس من مارس، على الأقلّ، يعزّز الاستنتاج بأنَّ التهديد ظلّ قائماً، ولم يكن قد انقضى. وقد أكّدت دول مجلس التعاون الخليجي مراراً تفضيلها الحوار والدبلوماسية، مع تمسّكها، في الوقت نفسه، بحقّها في اتخاذ جميع التدابير اللازمة للدفاع عن أمنها.
الالتزام الجماعي وفكرة السيادة
وإلى جانب ميثاق الأمم المتحدة، يملك مجلس التعاون الخليجي آلية دفاع جماعي ذات أساس تعاهدي، تقترب في بنيتها من المادّة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي (الناتو). وتنصّ المادة الثانية من اتفاقية الدفاع المشترك لمجلس التعاون الخليجي على أنّ أي اعتداء على إحدى الدول الأعضاء يُعدّ اعتداءً على جميعها، وأنّ أي تهديد تتعرّض له إحداها يُعدّ تهديداً للجميع. وتفعّل المادّة الثالثة هذا المبدأ من خلال إلزام الدول الأعضاء بالتحرّك الفوري لمساعدة أي عضو يتعرّض لعدوان، بما في ذلك استخدام القوة العسكرية. وبهذا المعنى، فإنّ الاتفاقية تُجسّد أيضاً الالتزام الجماعي الوارد في المادة 51 من الميثاق، بما يدمج الإطار الإقليمي في النظام القانوني الدولي الأوسع. وقد فُعّلت هذه الاتفاقية على نحو غير مسبوق في سبتمبر/ أيلول 2025 عقب الضربة الإسرائيلية على الدوحة، حين أعلن مجلس التعاون الخليجي مبدأ الأمن غير القابل للتجزئة بين أعضائه. ثم جاءت الهجمات الإيرانية أخيراً لتؤكّد هذا التفعيل، وتوسّع نطاقه بصورة كبيرة. وأعاد المجلس الوزاري التأكيد على التضامن الكامل والموقف الموحّد، مشدّداً على أنّ أمن أي دولة عضو لا ينفصل عن أمن جميع الدول الأعضاء. ومنذ ذلك الوقت، جرى تشغيل أنظمة دفاع جوي مشتركة، وتكثيف عمليات الاستطلاع والتنسيق الأمني. ومع أنَّ الاتفاقية تنظّم، في المقام الأول، الالتزامات المتبادلة بين أعضاء مجلس التعاون الخليجي، فإنَّ استنادها الصريح إلى المادة 51 يوفّر أيضاً إطاراً قانونياً واضحاً، يمكن من خلاله طلب المساعدة الخارجية وتنسيقها.
الأساس القانوني الثالث، والمستقلّ عن سابقيه، مبدأ التدخّل بناءً على دعوة، وهو مبدأ مستقرّ في القانون الدولي العُرفي. ويجيز هذا المبدأ للحكومة الشرعية أن توافق على وجود قوات أجنبية، وأن تقوم تلك القوات بعمليات عسكرية على إقليمها. ويرتكز هذا الأساس على فكرة السيادة نفسها، إذ لا تندرج القوة المستخدمة بموافقة الدولة صاحبة الإقليم، من حيث الأصل، ضمن الحظر الوارد في المادة 2/4 من الميثاق، لأنَّها لا تستهدف السلامة الإقليمية، أو الاستقلال السياسي لتلك الدولة. وقد تناولت محكمة العدل الدولية هذا المبدأ في قضيتي نيكاراغوا والأنشطة المسلّحة على أراضي الكونغو لعام 2005، مؤكّدة أنّ الدعوة الصحيحة يجب أن تصدر عن حكومة شرعية تمارس سيطرة فعلية، لا عن جهات غير حكومية أو جماعات متمرّدة.
توافر المسار القانوني لطلب دول مجلس التعاون الخليجي المساعدة العسكرية حين تقرّر أنها ضرورية
وجميع الدول الستّ الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي هي حكومات ذات سيادة معترف بها دولياً، وتمارس سيطرة فعلية على أقاليمها. ومن ثم، تعدّ أي دعوة تصدر عنها إلى شركاء خارجيين أساساً مشروعاً للوجود العسكري الأجنبي والعمليات المرتبطة به.
وبناءً على هذا، يرتكز الأساس القانوني لدول مجلس التعاون الخليجي في طلب المساعدة العسكرية وتلقّيها على ثلاثة أطر متكاملة ومتعاضدة. توفّر المادة 51 الأساس الرئيس، من خلال حقّ الدفاع الجماعي عن النفس، مع استيفاء الشروط التي حدّدتها محكمة العدل الدولية في نيكاراغوا بشكل واضح. ويُوفّر اتفاق الدفاع المشترك لدول مجلس التعاون الخليجي التزاماً إقليمياً بموجب معاهدة، مُستوحى من نموذج الأمن الجماعي لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي فُعّل وأُعيد تأكيده خلال الأزمة الراهنة. ويُخوّل مبدأ القانون العرفي للتدخّل بناءً على دعوة كلّ دولة من دول مجلس التعاون الخليجي، بصفتها حكومة ذات سيادة شرعية، الموافقة على الوجود والعمليات العسكرية الأجنبية على أراضيها. وما يُضفي على هذا الإطار القانوني قوته الخاصّة هو الطابع غير المسبوق للعدوان الإيراني ذاته، بوصفه هجوماً متزامناً ضدّ ستّ دول سعت إلى الحياد ودفعت باتجاه الدبلوماسية. ومن ثم، فإنَّ تلاقي هذه الأطر يوفّر مساراً قانونياً منضبطاً ومنظّماً لممارسته، إذا ما انتهت دول مجلس التعاون الخليجي وشركاؤها إلى أنَّ المساعدة العسكرية أصبحت ضرورية لاستعادة الأمن وردع أي عدوان لاحق.
خاتمة
ليست مسألة طلب الدول المعتدى عليها إيرانياً المساعدة عسكرياً خياراً سياسياً مجرّداً أو إجراءً استثنائياً يفتقر إلى السند، إذ تجد مبرّراتها في القانون الدولي العام، وفي الالتزامات الإقليمية الخليجية، وفي مبدأ السيادة نفسه. فالهجمات الإيرانية، بحجمها واتساعها وطبيعتها المتزامنة، وضعت دول الخليج أمام تحدٍّ أمني واختبار قانوني، تتقاطع معهما الأطر الثلاثة: الدفاع الجماعي عن النفس، والدفاع المشترك الإقليمي، والتدخّل بناءً على دعوة، لتشكّل جميعها أساساً متماسكاً ومترابطاً. وبهذا المعنى، فإنّ مشروعية طلب المساعدة لا تُفهم بوصفها توسعة استثنائية لاستخدام القوة، بل هي استجابة قانونية منضبطة لعدوان مسلّح واضح استوفى الشروط التي يعتدّ بها في القانون الدولي.
المصدر: العربي الجديد






