
يشهد النقاش حول النشيد الوطني السوري الجديد حالة من الجدل التي تتجاوز حدود الاختلاف على النصوص الأدبية المختارة، لتلامس أسئلة أعمق تتعلَّق بطبيعة المرحلة الانتقالية، وآليات اتِّخاذ القرار، وأولويات الدولة والمجتمع. هذا الجدل يعكس توتراً بين رغبة الحكومة في إنتاج رموز وطنية جديدة، وبين واقع سياسي واجتماعي لم يستقر بعد على أرضية واضحة. ومن هنا، نتساءل: هل نضجت الشروط التي تسمح بصياغة رمز وطني جامع للسوريين؟
لنجيب على هذا التساؤل يجب أن نتساءل مرة أخرى؛ هل يمتلك السوريون اليوم هوية وطنية جامعة؟ لابدَّ أنَّ كلَّ سوري يعرف الإجابة الواضحة عن هذا السؤال، انطلاقاً ممَّا تشهده سوريا في هذه المرحلة الصعبة من صراعات تعمِّق تمزُّق الهويات السياسية والدينية والطائفية، هذا الأمر وإن كان مؤلماً ومخالفاً لكلِّ أحلامنا التي رغبنا أن تتحقَّق بعد انتصار الثورة، إلا أنَّه أمر طبيعي في دولة خرجت من حرب أنهكتها ومزَّقت أوصالها. فكيف يمكن لشعب، هذا حاله، أن يجتمع على الاشتغال على مشروع يعبِّر عن التوافق الضمني بين مكوناته، وعن القواسم المشتركة التي تجمع اختلافاتهم؟!! بمعنى أنَّ المرحلة السياسية التي تمرُّ بها سوريا وشعبها ما وصلت إلى النضج الكافي لإنتاج نشيد وطني يعكس وجدان شعب كامل ويعبِّر عن تجربته التاريخية، ممَّا يعني أنَّ أيَّ رمز سيولد في هذه المرحلة سيكون منفصلاً عن الواقع تاريخاً وشعباً.
طالما أنَّ المسابقة أنجزت، والنصوص تمَّ اختيارها وطرحها بوصفها أمراً واقعاً، لا بدَّ أن نتحدَّث عن الإشكاليات التي رافقت هذه النصوص وجعلتها عرضة للنقد القاسي المجمع عليه تقريباً، على اختلاف ثقافة ناقديها، وعلى اختلاف مستوى ذائقتهم الشعرية.
كما أنَّ المرحلة الانتقالية بطبيعتها مرحلة مفتوحة على احتمالات متعدِّدة، حيث لم تحسم بعد قضايا الشعب السوري الكبرى. فالبلاد ما تزال مثقلة بملفات معقِّدة، بدءاً من العدالة الانتقالية، ومروراً بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها الشعب السوري، وصولاً إلى إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. هذه القضايا تمسُّ بقوة الحياة اليومية للسوريين الذين يواجهون ضغوطاً تتعلَّق بالأمن والمعيشة والاستقرار. وفي ظلِّ هذا الواقع، يبدو الانشغال بإنتاج رمز وطني جديد ترفاً لا يحتلُّ مكانه الزمني المناسب في سلِّم الأولويات الملقاة على عاتق الحكومة الانتقالية.
وبناء على ذلك، فإنَّ الإبقاء على النشيد الوطني القديم لسوريا أمر مقبول ريثما تتجاوز سوريا المعوقات التي تواجهها. ولكن ممَّا يشدُّ الانتباه أنَّ عملية الفصل بين الحاضر والماضي باتت واضحة، على اعتبار أنَّ أيَّ رمز أو مؤسَّسة ترتبط بما قبلها تشكِّل امتداداً لإرث النظام السابق. إنَّ هذا الفصل المقترح لا يعكس الواقع، لأنَّ أيَّ مجتمع يحمل ذاكرة تاريخية تتشكَّل عبر تراكم الأحداث، ومحاولة محو الصلة بالماضي أو التعامل معه وكأنَّه عنصر خارجي أمر ليس ممكناً بالكامل، إذ تبقى هذه الموروثات جزءاً من الهوية الجمعية، سواء فيما يتعلَّق بالقيم، أو الثقافة، أو الرموز الوطنية.
ولكن. طالما أنَّ المسابقة أنجزت، والنصوص تمَّ اختيارها وطرحها بوصفها أمراً واقعاً، لا بدَّ أن نتحدَّث عن الإشكاليات التي رافقت هذه النصوص وجعلتها عرضة للنقد القاسي المجمع عليه تقريباً، على اختلاف ثقافة ناقديها، وعلى اختلاف مستوى ذائقتهم الشعرية.
أولى الإشكاليات تكمن في الطريقة التي طرحت بها المسابقة. إذ تولَّت وزارة الثقافة إدارة هذا الملف ولم تسعَ لتمثيل أوسع من خلال الاتصال بجهات معنية أخرى تقوم بدور الوسيط بين الوزارة والشعب. ففي الدول التي مرَّت بتحولات عميقة، غالباً ما جرى التعامل مع الرموز الوطنية من خلال نقاشات عامة أو عبر مؤسسات تمثيلية، بحيث لا يبدو القرار مفروضاً من الأعلى. ممَّا يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول شرعية اختيار النصوص، وحول المعايير التي يملكها المحكِّومون للوصول إلى قرار بأنَّ هذا الرمز الوطني يمثِّل السوريين فعلاً، وحول الآليات المتَّبعة التي تضمن أن يعكس هذا الرمز تنوُّع السوريين واختلافاتهم؟
كما أنَّ هذه النصوص لم تراعِ أن يكون النشيد الوطني خطاباً جامعاً لكلِّ فئات المجتمع، يردِّده المثقفون كما يردِّده عامة الناس، يحفظه الأطفال في مدارسهم، ويتكرَّر في المناسبات العامة من دون تكلُّف أو أيِّ تعقيد لغوي يضعف قدرته على الانتشار والتأثير، ويخلق مسافة بين النص والجمهور. فالبساطة هنا شرط أساسي لنجاح النشيد؛ لأنَّها تتيح له أن يصبح جزءاً من الذاكرة اليومية التي يعتزُّ بها كلُّ سوري، ولأنَّها تمنح الجميع شعوراً بالمشاركة من دون حواجز لغوية أو ثقافية.
لا تبدو الحاجة ملحَّة إلى الإسراع في تثبيت نشيد وطني جديد بقدر ما تبرز الحاجة إلى التمهُّل وإعادة النظر في الطريقة التي تتمُّ بها صياغة رموزنا الوطنية.
كما تظهر في النصوص المطروحة سمات مشتركة تستحقُّ التوقُّف عندها ملياً؛ مثل الحضور المفرط لمفردات الشهادة والموت، وكأنَّ استحضار الوطن لا يتمُّ إلا عبر التضحية القصوى، نعم، هذا التصوُّر قد يكون مفهوماً في سياق تاريخي معين، حين كان المجتمع السوري يعيش صراعات وجودية مباشرة، لكنَّه
يثير تساؤلات عديدة في مرحلة يفترض أنَّها تتَّجه نحو الاستقرار وإعادة البناء. الشعب السوري الخارج من الحرب الطاحنة يحتاج إلى خطاب يعيد تعريف علاقته بالحياة اليومية، يجدِّد ثقته بالعمل والبناء، ويفتح أفقه على المستقبل القادم المفعم بالأمل.
يضاف إلى ذلك أنَّ بعض النصوص تعكس تضخماً في تصوير الذات الجماعية، حيث ترسم النصوص صورة مثالية للفرد السوري لا تتقاطع مع الواقع المعيش. وفي ظلَّ التحديات الراهنة التي يعيشها هذا الفرد، قد يبدو هذا الخطاب بعيداً عن التجربة اليومية للسوريين الذين يعيشون ظروفاً صعبة، ويبحثون عن لغة تعبِّر عنهم بصدق. فالمبالغة في تمجيد الذات قد تمنح شعوراً مؤقتاً بالاعتزاز، لكنَّها قد تثير النفور والسخرية عندما لا يجد المواطن صدى حقيقياً لها في حياته.
لا تبدو الحاجة ملحَّة إلى الإسراع في تثبيت نشيد وطني جديد بقدر ما تبرز الحاجة إلى التمهُّل وإعادة النظر في الطريقة التي تتمُّ بها صياغة رموزنا الوطنية. فهذه الرموز لا تقتصر على القيمة الجمالية وإثارة الحماسة اللحظية، إنَّما يجب أن تمتلك القدرة على الاستمرار في وجدان الناس عبر الزمن. وهذا الاستمرار لا يتحقَّق إلا عندما يشعر الفرد، أيَّاً كان موقعه أو خلفيته، أنَّ هذا الصوت يعبِّر عنه من دون افتعال، وأنَّه جزء لا يتجزَّأ من تجربة شعبه السوري بكلِّ آلامها وآمالها.
المصدر: تلفزيون سورية


