
تروي أحلام الرشيد مساراً استثنائياً بدأ من خيمة نزوح في شمالي إدلب، وانتهى إلى موقع القرار في إدارة الشؤون الاجتماعية والعمل، في محافظة تضم 836 مخيماً يقيم فيها نحو 850 ألف نسمة، ضمن مرحلة انتقالية تصفها بـ”الحساسة“.
وتعكس رحلة “الرشيد”، التي امتدت لأكثر من عقد من العمل الميداني كمدرّسة وناشطة في برامج الحماية والدعم الإنساني، تحوّلاً في دور المرأة السورية من متلقية للمساعدة إلى شريكة في صناعة القرار.
وتنحدر أحلام الرشيد، وهي أم لأربعة أبناء، من بلدة حاس في معرة النعمان. حصلت على شهادة في الأدب العربي ودبلوم التأهيل التربوي، ونزحت، كغيرها من مئات الآلاف من السوريات، إلى مناطق بعيدة. وخلال هذا النزوح، وجدت نفسها، كما تقول، أمام مسؤولية الوقوف إلى جانب النساء.
وخلال لقاء مع “تلفزيون سوريا” تحدثت “الرشيد” عن انتقالها من الميدان إلى المؤسسة، وخطط إنهاء ملف المخيمات، وتمثيل النساء في المؤسسات، إضافة إلى الجدل المرتبط بحقوق المرأة في بيئات اجتماعية محافظة.
من الميدان إلى موقع القرار
قالت الرشيد إن أول قرار عملي اتخذته بعد تولي منصبها في وزارة الشؤون الاجتماعية كان الانتقال مباشرة إلى المخيمات المتضررة من الفيضانات في ريف إدلب الغربي، بدلاً من الاكتفاء بالاجتماعات المكتبية.
وأوضحت أن هذا القرار أتاح لها معاينة حجم الضرر عن قرب، والتواصل المباشر مع العائلات المتضررة، ما أسهم في وضع خطة عاجلة لإنقاذ الأسر الأكثر هشاشة، خصوصاً النساء المعيلات وكبار السن، كما أسّس لخطوات طويلة المدى لإنهاء ملف المخيمات مع نهاية عام 2026.
اتساع التأثير وتعقيداته بعد دخول المؤسسة الرسمية
وأشارت الرشيد إلى أن تجربتها الطويلة، على مدار أربعة عشر عاماً، في نقل معاناة السوريين جعلتها أقرب إلى فهم الفجوة بين الصورة المنقولة والواقع المعاش، لا سيما في قضايا النساء.
وبيّنت أن تأثيرها أصبح أوسع من حيث النطاق، لكنه أكثر تعقيداً من حيث الإجراءات؛ ففي العمل الميداني كانت القرارات أسرع ضمن إطار مشروع محدد، أما في العمل الحكومي فكل خطوة ترتبط بميزانيات وتشريعات وتنسيق بين وزارات متعددة، مؤكدة أن “المساحة أكبر لكن المسؤولية أيضاً أكبر”.
وأضافت أن هناك تحديات إضافية، منها محدودية الموارد والإمكانات اللوجستية، إلى جانب بقايا نظرة مجتمعية تقليدية تحصر دور المرأة في المنزل، رغم تراجعها.
ولفتت إلى أنها عملت سابقاً على الحد من الزواج المبكر في محيطها، ونظّمت جلسات لمحو الأمية، كما تعاونت مع عدد من المنظمات الإنسانية، مثل “ميدكال” ومنظمة IRC (لجنة الإنقاذ الدولية)، حيث شغلت منصب مديرة لمراكز حماية المرأة وتمكينها.
تحديث قاعدة بيانات المخيمات بالاستفادة من الخبرة الميدانية
أكدت الرشيد أن تحديث قاعدة البيانات الخاصة بالمخيمات كان من أولوياتها، عبر إطلاق استبيان إلكتروني لجمع معلومات دقيقة عن الأسر، خصوصاً النساء المعيلات وذوي الإعاقة، إضافة إلى الراغبين بالعودة إلى مدنهم.
وأوضحت أن ذلك يتم بالتعاون مع المسؤولين والمحافظين في المحافظات الأخرى، مشددة على أن القرار المبني على بيانات محدثة يقلل من العشوائية ويزيد من فعالية التدخلات.
إنشاء إطار جامع للجمعيات لتعزيز كفاءة العمل
وأشارت إلى أنها تعمل على إنشاء إطار جامع للجمعيات والمنظمات العاملة على الأرض، موضحة أن “الأولوية اليوم هي جمع هذه الجمعيات تحت مسمى واحد… اتحاد للجمعيات العاملة في إدلب”.
ورأت أن هذا الاتحاد، إذا أُسس بصيغة تنظيمية وانتخابية، يمكن أن يعزز كفاءة العمل، ويمنح المبادرات النسائية أثراً أكثر وضوحاً، مضيفة: “نريد أن نكون يداً واحدة… نعرف هدفنا وننجز أكثر ونحقق أثراً ملموساً على الأرض”.
وبيّنت أنها تركز حالياً على تعزيز مفهوم العدالة الاجتماعية في الأرياف، من خلال إشراك النساء في مجالس الصلح وورش العمل المجتمعية والنقاشات المفتوحة حول حقوق المرأة والتعليم وسبل العيش.
وأكدت أن نجاح هذه المبادرة يتطلب الصبر والوجود المستمر على الأرض، إلى جانب التنسيق مع الجمعيات والمنظمات الدولية والمحلية لضمان استدامة التأثير.
أولويات المرحلة المقبلة: العودة والتعليم والصحة
أوضحت الرشيد أن الأولويات تتمحور حول ثلاثة محاور رئيسية: عودة النازحين بشكل آمن وطوعي، ودعم قطاع التعليم، وتعزيز الخدمات الصحية.
وأشارت إلى أن هذه الملفات مترابطة، لأن العودة من دون خدمات أساسية تعني إعادة إنتاج الأزمة.
وكشفت عن خطة تدريجية تمتد حتى عام 2026 لإنهاء ملف المخيمات، مع إعطاء أولوية واضحة للفئات الأشد هشاشة.
وأضافت أن الخطة تشمل تأهيل وحدات التنمية الريفية، وتوسيع برامج التدريب المهني، وتعزيز التنسيق مع المنظمات العاملة في مجال الحماية، بما يضمن انتقالاً منظماً من الإغاثة إلى التمكين والاستقرار.
تعزيز العدالة الاجتماعية في الأرياف عبر المشاركة المجتمعية
أكدت الرشيد أن العدالة الاجتماعية لا تتحقق بالقرارات المركزية فقط، بل تتطلب وجود مراكز دعم في المناطق الريفية، وتنظيم ورش عمل ومجالس صلح تعزز مشاركة النساء.
وأشارت إلى وجود وحدات تنمية ريفية موزعة في جسر الشغور وأريحا ومعرة النعمان وسراقب وخان شيخون وحارم، لكنها بحاجة إلى ترميم لإعادتها إلى العمل.
كما أوضحت أن البيانات السابقة قديمة نسبياً، وأن العمل جارٍ على تحديثها عبر منصة إلكترونية لجمع المعلومات من المخيمات، لتكون مرجعاً للوزارات المعنية والمنظمات الشريكة.
التحديات الاجتماعية واللوجستية في القرى المحافظة
أشارت إلى أن التحديات متعددة، تشمل صعوبات لوجستية مرتبطة بضعف المواصلات والبنية التحتية، إلى جانب عوائق اجتماعية ناتجة عن بعض الأعراف التي تحدّ من مشاركة النساء في الحياة العامة.
وأوضحت أن التعامل مع هذه التحديات يتم عبر خطاب توعوي يستند إلى القيم الدينية والثقافية المحلية، مع اعتماد نهج تدريجي يقوم على بناء الثقة وإثبات جدوى البرامج على أرض الواقع.
ورأت أن جوهر المشكلة في واقع المرأة بالشمال السوري يكمن في تفسيرات اجتماعية تُغلّف بالعادات والتقاليد، وتُستخدم أحياناً بغطاء ديني لتقليص دور المرأة وإقصائها عن مواقع التأثير.
وأكدت أن الإسلام لا يبرر هذا التهميش، بل يمنح المرأة مكانة الشريك الكامل في المجتمع.
وشددت على أن المرأة عنصر أساسي في البناء والعمل وصناعة الأجيال، ومن حقها التعليم والعمل واختيار شريك حياتها بإرادتها، ورفض أي شكل من أشكال العنف.
نسبة تمثيل النساء ومعايير المشاركة الحقيقية
أوضحت الرشيد أن نسبة تمثيل النساء حالياً تبلغ نحو 10%، وهي نسبة ما تزال منخفضة، ولا يوجد التزام رسمي بنسبة محددة.
وأشارت إلى وجود توجه عام نحو رفع مستوى مشاركة النساء، لا سيما في المديريات والدوائر التي تتطلب طبيعة عملها حضوراً نسائياً فاعلاً.
وأكدت أن المشاركة الحقيقية لا تُقاس بمجرد الوجود الشكلي، بل بمدى امتلاك الصلاحيات والقدرة على التأثير المباشر في صنع القرار.
كما أوضحت أنها ترفض حصر دور المرأة في القطاعات الاجتماعية، مشيرة إلى وجود كوادر نسائية في مجالات دبلوماسية وأمنية وتعليمية، إلا أن النمط السائد ما يزال بحاجة إلى مراجعة تدريجية.
ووصفت الرشيد واقع حقوق النساء بأنه متفاوت، حيث يرتبط مستوى التحسن بدرجة الاستقرار وتوفر البرامج الداعمة.
وأشارت إلى أن بعض المناطق قطعت شوطاً في إشراك النساء، في حين ما تزال مناطق أخرى بحاجة إلى جهود أكبر.
الجدل حول المظهر في بيئات العمل
اعتبرت “الرشيد” أن كثيراً من هذه القضايا يجري تضخيمها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أن بيئات العمل تحكمها معايير لياقة عامة تنطبق على الجميع.
ولفتت إلى تنظيم مؤتمرات وورش عمل جمعت نساء من محافظات مختلفة، منها مؤتمر “المرأة والأمن والسلام” في إدلب، بهدف تعزيز التواصل وتبادل الخبرات.
أصعب تجربة إنسانية في موقع المسؤولية
قالت الرشيد إن أصعب لحظة واجهتها كانت حالة امرأة مصابة بالسرطان لم تتمكن من استكمال علاجها رغم تأمين الجرعة الأولى.
وأوضحت أن هذه الحادثة أعادت تعريف “مفهوم الحماية” بالنسبة لها، مشيرة إلى أن غياب الرعاية الصحية قد يكون شكلاً من أشكال الهشاشة القاتلة.
كما أكدت الرشيد أن “الوجع الصامت” داخل البيوت، خصوصاً حالات النساء المعنفات أو فاقدات المعيل، لا يمكن اختزاله في أرقام.
وشددت على أن الحفاظ على خصوصية هذه الحالات جزء أساسي من مسؤولية العمل الاجتماعي.
ودعت الرشيد النساء، خصوصاً في القرى البعيدة، إلى التمسك بالتعليم والوعي، وعدم تكرار فجوة التعليم عبر الأجيال.
المصدر: تلفزيون سوريا


