سوريا: تبادل الأدوار بين المسيرة والمظاهرة

عمر قدور

تظاهر يوم الأحد قرابة 1500 سوري ضد قرار لمحافظ دمشق، يمنع تقديم المشروبات الكحولية في المطاعم والبارات والملاهي، ويحصر بيع الزجاجات المختومة في أحياء قليلة ذات صبغة مسيحية. مع انفضاض التظاهرة بلا قمع، راح البعض من الموالين يطبّل للسلطة التي لم تتعاطَ مع المتظاهرين على النحو الذي كان يفعله الأسد، من دون أن يتوقف هذا البعض عند قرار يتطاول على الحريات الشخصية لعموم السوريين، إذ يتطاول على شريحة منهم. وسيكون من الهزلي حقاً الإشادة بسلطة سمحت بالتظاهر لأنها قبل ذلك اعتدت على الحريات الشخصية، والتوضيح الذي قدّمته لاحقاً لقرارها يتضمن الإصرار عليه وعدم التراجع عنه.

البعض الآخر من الموالين أيّد القرار، ووقف بالمطلق ضد المتظاهرين. وربما كانت الفئة المعتدلة من هذا الصنف هي التي تولّت الإعلان عن “وقفة”، في ساحة باب توما التي تظاهر فيها المحتجون على قرار المحافظ، ظهر اليوم التالي على المظاهرة، ثم تم تعديل المكان لتكون في ساحة العباسيين. الداعون إلى الوقفة برروها بأنها تأتي “إحياءً لذكرى التهجير، مبارَكةً لأهلنا وصمودهم، تأكيداً على ثوابت ثورتنا، رفضاً للاعتداء على علمنا ورمزيته، دعماً للقرارات التي تحمي مستقبل أجيالنا القادمة”!

لم تستقطب الوقفة المؤيدة للسلطة والمحافظ عدداً ضخماً، وهتف المتحمسون فيها هتافات من قبيل: “ما بدنا سكرجية، وهزّ كفّك هزّه هزّ.. دين محمد دين العزّ.. مندوسهم مندوسهم.. كل الفلول مندوسهم.. وبالسيف نقطع رؤوسهم.. حرية.. حرية”! واستباقاً لها انتشرت دعوة أخرى على وسائل التواصل، تحت عنوان أضيق هو “حظر أم الخبائث”، لكن على نطاق أوسع إذ يدعو أصحابها إلى وقفات في ساحات المدن السورية ضد “الخمور والنوادي الليلية”. والواضح في هذه الدعوات مجيئها على قاعدة شارع مقابل شارع، وإنِ اقتصر الأمر حتى الآن على التلويح بشارع أكثري مقابل شارع أقلوي، بالرغم من أنَّ الاحتجاج على قرار المحافظ لم يأخذ طابعاً أقلوياً بالمعنى الطائفي للكلمة.

ومع الدفع بشارع مقابل شارع تأتي دائماً التغطية القائلة بأن هذه هي الديموقراطية، بما أن السلطة سمحت بالتظاهر للمحتجين عليها ولمؤيديها. وأول ما ينتقص من هذه اليافطة الشكلانية أن الديموقراطية تقتضي، قبل الاحتجاج ونقيضه، أن تعامل السلطة الجميع على قدم المساواة من خلال القوانين العامة. فالقوانين العامة الناظمة للحريات الأساسية يُفترض أنها ليست ملكاً لأية فئة، سواء كانت أكثرية مذهبية أو أقلية، وسواءً كانت أكثرية سياسية أو أقلية.

وأن تنبري فئات مؤيدة للسلطة للنزول إلى الشارع، والدفاع عن قرار يستهدف الحريات الفردية، فهذا سلوك لا يمتّ إلى الحرية بصلة. إنه في عمقه يشبه مسيرات التأييد للعهد السابق، حيث نزل موالون ليشتموا الحرية جهاراً. وقد كان ذلك مفهوماً في حينه، وإن أثار السخرية، لأن شتم الحرية من قبل جمهور الاستبداد ينسجم مع طبيعته التي لا يُفصَح عنها دائماً على هذا النحو. المفارقة هي عندما ينزل إلى الشارع أناس يزعمون الانتماء إلى الثورة، ثم يؤيدون بصراحة التضييق على حريات الآخرين.

ومن المظاهر التي أضحت معتادة أن يُبرر هذا السلوك تجاه المحتجين على السلطة بأنهم لم يحتجوا أيام النظام السابق على ممارساته الوحشية، وهو المأخذ الذي يُترجم بأن من سكت أيام الأسد عليه أن يسكت حتى الأبد. ولا يخفى في هذه المناسبة، ومناسبات سابقة مماثلة، أن استحضار الماضي يأتي أولاً بالتذكير بوحشية قديمة، غير ذات صلة أحياناً من قبيل شعار “إحياء ذكرى التهجير” في وقفة مؤيدة لقرار منع تقديم الخمور. والملاحظ عدم وجود رادع أمام الذين يستخدمون آلام الماضي برخص شديد لابتزاز محتجين على قرارات أو أوضاع راهنة، فالمشكلة ليست في الابتزاز الرخيص فحسب، بل هي في تحويل معاناة السوريين إلى مادة رخيصة في سجال رخيص، أي الإساءة إلى آلام ملايين السوريين، والنطق باسمهم من دون تفويض.

وبالعودة إلى الطلب الصريح من الذين سكتوا سابقاً أن يخرسوا الآن؛ من المستغرب لأي عاقل أن يزعم هؤلاء تحرير سوريا من الاستبداد، ثم أن يطلبوا من الذين حرروهم أن يكونوا رعايا من الدرجة الثانية لأنهم سكتوا يوماً بدافع الخوف. وبصراحة أكبر، يتم ترهيبهم اليوم كما في الأمس ليبقوا صامتين. والقول إن بين المحتجين هنا أو هناك مؤيدين للنظام السابق فيه الكثير من التضليل، فإما أن يكون هناك بين المحتجين مَن يستحق المحاكمة على جرائم محددة أيام النظام السابق، ويجب ملاحقته تالياً بصرف النظر عن مشاركته أو عدمها في أي احتجاج، أو أنه يحظى بقرينة البراءة ولا يحق لأحد تجريده من حقه في ممارسة حرية التعبير أو النشاط السياسي.

لا يُعرف ما إذا كانت الدعوة إلى وقفات في كافة المدن السورية ستُلبّى على نطاق واسع، لكن يمكننا استحضار تجارب قريبة العهد لوضع شارع مقابل شارع. فعندما انتشر تسجيل يسيء للنبي محمد نزلت مظاهرات غاضبة، جزء منها في جامعات سورية حيث عمد مؤيدون للسلطة إلى الاعتداء على طلاب دروز أو تهديدهم. جدير بالذكر أن صاحب التسجيل المسيء، الذي أُلصِق آنذاك برجل دين درزي، تبيّن لاحقاً أنه من مؤيدي السلطة، وحظي برفقة مسؤولين فيها والتقاط صور معهم بالرغم من انكشاف أمره.

أيضاً، ولأكثر مرة، عمد جمهور السلطة إلى تنظيم مسيرات تأييد مضادة لمظاهرات في الساحل وحمص، حين احتج علَويون على ممارسات يرونها تمييزية ضدهم في الوظائف أو غيرها، وحين احتجوا على انعدام الأمن وتعرّضوا للقتل والترهيب. في تلك المناسبات لم يكتفِ الذين خرجوا في مسيرات مؤيِّدة بالهتاف ضد المحتجين، بما في ذلك ترديد الهتافات الطائفية، ومعروفة هي الحالات التي قام فيها هؤلاء بالاعتداء على أشخاص أو على ممتلكات لعلويين على سبيل الترهيب، كي لا يفكّروا مجدداً بالاحتجاج على أي غبن.

إذا أُخِذت المزاعم الثورية بحرفيتها، فإن ما حدث ويحدث يوضّح كيف تحوّل أصحاب المظاهرات إلى أصحاب مسيراتٍ موالية ما أن صاروا في السلطة. وإذا عادت محافظة دمشق إلى قرار صدر عام 1952 لتبرر جزءاً من قرارها الخاص بمنع تقديم المشروبات الكحولية، فلا بأس بالعودة قرناً إلى الوراء لاستخلاص العبَر من تجارب عالمية وخيمة لأنظمة حظيت بدايةً بدعم شعبي واسع النطاق، واستخدمت شارعاً ضد شارع بموجب زعْمٍ ديموقراطي مشابه، لعلّ فيها درساً جيداً للذين يظنون أنهم بغنىً عن التعلم من الدرس المحلي السابق.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى