حول النتائج المحتملة لحرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران 

   معقل زهور عدي

لعل من السابق لأوانه الحديث عن نتائج بعيدة المدى للحرب على إيران طالما أن تلك الحرب لم تتضح نتائجها المباشرة، وسوف تختلف نتائجها البعيدة مع اختلاف نتائجها المباشرة وبصورة خاصة من سيكون المنتصر ومن سيكون المهزوم فيما إذا كان هناك منتصر ومهزوم أصلا، وبصورة أخرى “كيف ستنتهي تلك الحرب المدمرة .”

لا يمنع ذلك محاولة تتبع بعض الخطوط المرتبطة بديناميكية الحرب الأكثر احتمالا من خلال سياقها الراهن مع ترك مسافة كافية للاحتمالات الأخرى التي لايمكن توقعها أو الأقل توقعا .

أولا : النتيجة الأولى والأكثر وضوحا هي خروج ايران بخسائر فادحة في مقدراتها العسكرية والمدنية سواء كانت مهزومة أو منتصرة (  سيكون انتصارا معنويا إن حدث مضمونه الصمود وعدم الاستسلام ) , وبالتالي فايران ما قبل الحرب لن تكون بأية حال ايران ما بعد الحرب .

يعني ذلك أن مشروع الامبراطورية الفارسية ومد النفوذ نحو البحر المتوسط أصيب بضربة شديدة إلى أمد غير منظور .

فايران سواء سقط النظام أو بقي ستكون مشغولة إلى عشرة أعوام على الأقل في إعادة بناء مقدراتها التي تم تدميرها ومحاولة الخروج من العزلة وتضميد آثار الحرب .

بالتالي فلن تكون قادرة على دعم أذرعها  الخارجية كما اعتادت أن تفعل في حين ستكون بحاجة لاعادة بناء مادمرته الحرب .

وسيشمل ذلك حزب الله في لبنان والحوثي في اليمن والمنظمات التابعة لها في العراق .

وسوف يعني ذلك ذبول تلك الأذرع بانقطاع شريان الدم الذي ظل يغذيها خلال الفترة السابقة .

ثانيا : اختلال ميزان القوى الاقليمي بخروج ايران كقوة اقليمية مما سيتم تعويضه بازدياد نفوذ تركيا في منافسة مع اسرائيل في المنطقة .

وبصيغة أخرى فسوف يعاد بناء ميزان القوى الاقليمي ضمن التنافس بين قوتين رئيسيتين اسرائيل وتركيا .

هذه الثنائية القطبية الاقليمية سوف تخلق نوعا من التوازن الاقليمي المؤقت , بسبب حرص القوتين على عدم الصدام , واختلاف العقلية التركية عن العقلية الايرانية في كونها أكثر واقعية وأقرب للعالم الغربي , فتركيا في النهاية عضو في حلف الناتو , والغرب بحاجة ماسة لتركيا إلى جانبه وليس بعيدا عنه نحو روسيا , والولايات المتحدة تقدر وزن تركيا الاقليمي ربما أفضل من أوربة بالتالي فهى تسعى باستمرار كي لا تتحول المنافسة بين تركيا واسرائيل إلى مواجهة . واسرائيل تعرف تماما أن أية مواجهة مع تركيا ستكون أصعب وأخطر من مواجهة ايران . وهذا كله يصب في صالح بقاء المنافسة في إطار نوع من الحرب الباردة وعدم تحولها لمواجهة مفتوحة كما حصل مع ايران . لكن ذلك مشروط ايضا بعدم تطور أحداث مفاجئة تفجر الوضع في المنطقة وتقرب احتمال المواجهة .

يعني ما سبق احتمال وجود مناخ اقليمي مؤقت في صالح استقرار سورية . لكن ذلك لا يستدعي الاطمئنان بسبب وجود تيار اليمين المتطرف  في اسرائيل , فقد يجد أن إخراج ايران من معادلة القوى في المنطقة يفسح الطريق أمامه ليصبح القوة الكبرى في المنطقة وبالتالي يبدأ بالتحضير لمواجهة أخرى مع تركيا , وهناك تصريحات لنتنياهو ضمن ذلك التوجه الحربي .

ثالثا : سوف يترك التخلي النسبي للولايات المتحدة عن الدفاع عن حلفائها في الخليج عبر قواعدها العديدة هناك أثرا بعيد المدى يخفض مكانة الولايات المتحدة في المنطقة ويدفع بدول الخليج للبحث عن سياسات جديدة للدفاع عن نفسها في المستقبل .

بالطبع فهناك نتائج أخرى بعيدة المدى تمس مركز الولايات المتحدة العالمي , وعلاقتها مع أوربة , تلك العلاقة التي أظهرت خلال الحرب حجم الشرخ السياسي برفض أوربة الانخراط في حرب ايران بطريقة علنية وجافة بعض الشيء .

كما تمس وضع اسرائيل من خلال الخسائر التي ألحقتها بها الصواريخ والمسيرات الايرانية وهي خسائر لا يستهان بها على أية حال . وأيضا من خلال فشل الحملة ضدايران إذا لم تستسلم ايران أو يسقط النظام الايراني . والمسألة هنا أن فشلا كهذا سوف يضاف لفشل تحقيق نتائج حرب غزة في أهدافها المعلنة .

وعلى الأرجح فإن ملف المحاسبة للقيادة الحالية سيفتح على نحو واسع بعد الحرب وذلك يعني مراجعة مجمل السياسات التي سادت خلال حكم نتنياهو .

لا يمكن الاحاطة بالتغييرات التي ستطرأ على المنطقة والعالم بسبب حرب ايران الآن , لكن المؤكد أنها ستكون من العمق والقوة بحيث تجعل ماقبل الحرب ليس كما بعدها ليس لايران والشرق الأوسط فحسب بل للعالم كله .

يعني ذلك بداية اختلال النظام العالمي وحيد القطب , وفي الحقيقة فقد بدأ الاختلال قبل ذلك , لكنه يتحول الآن لتحد مباشر للأمن والسلام العالميين , وانهيار لمنظومة الأمم المتحدة وميثاقها الأممي , فالدول الكبرى أصبحت تمارس السياسة الخارجية بصورة شبه تامة خارج الأمم المتحدة أي خارج القانون الدولي , سواء حين تقرر شن الحرب أو إنهاء الحرب وعقد معاهدات السلام .

رفض أوربة ومعظم الدول الدخول في حرب ايران يقول الآتي :

طالما أنكم أنتم القطب الأوحد الذي يفترض أن يحمي النظام العالمي فضلتم الخروج عنه , إذن لم تعد مسائل الحرب والسلام مسائل مرتبطة بالأمن الجماعي بل بالسياسة الخاصة بكل دولة من الدول , بالتالي أنتم تلعبون الآن خارج الميدان , اعذرونا ليس ذلك ملعبنا .

من الآن سوف تبحث كل دولة أو مجموعة من الدول عن السياسة الخارجية التي تناسبها دون النظر لمصالح الدول الأخرى سوى بأقل الاعتبارات . وهذا يكاد يقترب من الفوضى في السياسة العالمية .

حرب ايران اليوم تكرس مفهوما كهذا في حقل السياسة الدولية , وهو أمر يحمل معه مخاطر يمكن وصفها بتشجيع أي دولة على تصعيد نزاعها مع أي دولة أخرى إلى حدود الحرب حين تعتقد أنها وحدها أو مع حلفائها يمكن أن تربحها دون النظر لأية اعتبارات أخرى .

هذا الوضع أو ما يشبهه كان سائدا في اوربة ما قبل الحرب العالمية الأولى , انهيار معاهدة وستفاليا 1648 م التي كانت تعمل على منع الحروب في اوربة بفعل تآكلها عبر فترة طويلة أوصل أوربة إلى الحرب العالمية الأولى , وبعد الحرب وبدافع منع تكرارها على نطاق أوربة والعالم تم إنشاء عصبة الأمم ووضع ميثاقها , وعندما فقد ذلك الميثاق قوته بصعود النازية وغزوها فرنسا وبقية الدول الأوربية , احتاج الأمر بعد الحرب العالمية الثانية لاستعادة مفهوم النظام العالمي بإنشاء الأمم المتحدة وتسليحها هذه المرة بالبند السابع لمنحها القدرة على التدخل بالقوة لمنع الحروب واستعادة الأمن والسلام الدوليين .

ما نشهده الآن وما يتكرس بصوة فاقعة هو انهيار ميثاق الأمم المتحدة , ومعه النظام العالمي والعودة للحالة التي كانت عليها أوربة قبل الحرب العالمية الأولى كما ذكرت أعلاه لكن بمخاطر أكبر من أي وقت , بالنظر لطبيعة الأسلحة المتاحة وإمكاناتها التدميرية , وبسبب ترابط الاقتصاد العالمي  الذي يجعل من الحروب المحلية كوارث على الصعيد العالمي يمكن أن تنتج حروبا أخرى .

والسؤال الآن: كيف يمكن لنا كعرب أن نحمي وجودنا ومصالحنا في عالم بدأ يخرج عن أي نظام أو قانون دولي؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى