هل تمثل إيران زاوية هشّة جيوبوليتيكياً؟!

جمال الشوفي

فرضت المرحلة التاريخية في الربع الأول من الألفية الثالثة تغيرات كبيرة في المفاهيم السياسية والعلاقات الدولية. فقد مثّلت عودة مفاهيم الجيوبوليتيك الدولي –الموصوف أكاديمياً بـ”الشائن” لتسببه بحربين عالميتين– مساراً مغايراً للعلاقات الدولية لا يبشّر إلا بالمزيد من المخاطر.

فبعد أن جرى التوقف عن تداوله منذ الحرب العالمية الثانية، عادت روسيا ومعاهد الدفاع الأميركية إلى تدريسه وتفعيله حديثاً. وقد أعادت روسيا البوتينية العمل به نظرياً، وطبّقته عملياً في سوريا وأوكرانيا، وفي معادلات البحرين الأبيض المتوسط والأسود، وفتح خطوط الاتصال البرية الأوروبية–الآسيوية (الأوراسية) من خلالها، في مقابل العولمة الأميركية. لكن الحاضر الفعلي على ساحة الصراعات الدولية، وما يشهده من حروب متنقلة في مناطق مختلفة، يشير إلى أن المشهد العالمي اليوم يعود إلى قبضة أميركا بذات الأدوات وطرائق التنفيذ، وذلك بعد أن اكتفت خلال العقد المنصرم بإدارة ملفات المنطقة عن بُعد، ولكن بمتابعة دقيقة، وكأنها ترتب لعودة الإمساك بكامل الأدوار مرة أخرى.

ما يُكتب في هذا السياق ليس إعجاباً بهذه السياسات المدمّرة التي عانى منها السوريون طويلاً، ومثلهم غالبية شعوب المنطقة، بل هو سرد لواقع عالمي يشد أعصاب العالم أجمع، كما يحدث اليوم في الحرب الأميركية–الإسرائيلية في إيران وارتداداتها عربياً وأوروبياً. وهو ليس نقداً بالمعنى التقليدي، فالنقد يفترض بديلاً، وهذا البديل لا يزال مختنقاً بفعل بطش القوة المفرطة تقنياً وعسكرياً، وربما نووياً. إن إمكانية وضع مقاربة فعلية لمناطق تفعيل مفاهيم الجيوبوليتيك ليست بالأمر السهل، إذ تعتمد على مؤشرات عدة، أبرزها: الهيمنة بالقوة العسكرية المفرطة، والتوسع في المحيط الحيوي، وتجنب الصدام المباشر بين قوتين دوليتين كبيرتين، وقضم المناطق الدولية الموصوفة بالزوايا الهشّة، والأهم في هذا السياق توافر مواصفات مغرية لغزو عسكري في مناطق تماس دولي، بما يفضي إلى فرض شروط تفاوضية على مستوى الكوكب، وإعادة رسم خطوط النفوذ عالمياً.

من الناحية الأميركية، فيبدو أن خيار العودة إلى العراق، وإمكانية التمدد نحو غرب إيران عبر المناطق الكردية والعربية المحاذية، يُعدّ من أكثر السيناريوهات ترجيحاً، ما لم يتحقق الوصول إلى مضيق هرمز بكلفة عسكرية وبشرية مرتفعة.

يرتبط مفهوم “المحيط الحيوي” القابل للتوسع جيوبوليتيكياً بمفهوم “الزوايا الهشّة” سياسياً في المعادلة الدولية؛ وهي –كما وصفها ألكسندر دوغين– مناطق يمكن فرض شروط القوة العسكرية المباشرة عليها، والتفرّد بها دولياً لغياب المنافس الجيوبوليتيكي. وهي مناطق قابلة للتمدد العسكري كلياً أو جزئياً، وفرض شروط سياسية من خلالها، مع تفريغ حدة الاحتقان العالمي فيها، وتجنب المواجهة المباشرة بين القوى الكبرى.

تاريخياً، مثّلت العراق والبلقان والصومال، بعد عام 1991، زوايا هشّة جرى استهدافها بالقوة العسكرية من قبل قوات حلف الناتو، ضمن تحالف دولي واسع، وذلك في فترة انحسار المدّ السوفيتي وغيابه كمنافس جيوبوليتيكي. فيما مثّلت كل من سوريا وأوكرانيا نموذجاً مشابهاً قابلاً للاستهداف عسكرياً من قبل روسيا، ولكن بفارق مهم. ففيما بدا وكأنه تراجع أميركي جيوبوليتيكي عن مناطق الشرق الأوسط –أفصحت عنه مؤشرات انحسار الوجود الأميركي في مطلع الألفية– تقدّمت روسيا في سوريا، ومن خلفها أوكرانيا، وتمكنت لفترة من فرض شروطها العالمية. لكن اليوم تعود أميركا بقوة إلى المنطقة، وفي موقع افترضته زاوية هشّة في إيران، بعد تقليم أدواتها في سوريا ونسبياً في لبنان، وذلك تحقيقاً لجملة من الأهداف العالمية التي جرى تناولها في سياقات متعددة. لكن السؤال المطروح: هل تمثل إيران زاوية هشّة دولياً؟ وهل يعني غياب المنافس الجيوبوليتيكي الروسي أو الصيني عن المشهد أنه غير موجود أو غير مؤثر؟

ما شهده الحدث الأوكراني هو عودة إلى تصلّب السياسات الدولية، والتوجّه نحو نموذج مستحدث من الصراع. فإذا كان تجنب الصدام الدولي المباشر –لما يحمله من عواقب كارثية– لا يزال قائماً، فإن حدّة هذا الصراع يجري تفريغها في زوايا سياسية هشّة، ليست بالضرورة دولاً كاملة. فالنصف الشرقي من أوكرانيا يختلف عن غربها، ونقطة الفصل تكمن في إمكانية فرض العسكرة بالقوة دون استدراج مواجهة دولية شاملة. أما إيران اليوم، ففي عمقها الجيوسياسي، فقد بدت وكأنها قابلة للحسم العسكري الجوي خلال أيام قليلة، كما صرّح ترامب في بداية الحرب. لكن، وعلى الرغم من استهداف مرشدها وخلفه، وغالبية الصف الأول من القيادات العسكرية، لم تصل أميركا إلى نتيجة حاسمة حتى الآن. ويرجع ذلك، جزئياً، إلى الطبيعة الأيديولوجية المغلقة للنظام الإيراني، وعدم قابليته للاستسلام –أو هكذا يبدو حتى اللحظة– إضافة إلى احتفاظه بأدوات تأثير في محيطه الحيوي، من خلال استمرار الهجمات الصاروخية على مدن الخليج، وكذلك إسرائيل، وقدرته على التأثير في مضيق هرمز.

وهنا تبرز تساؤلات عدة، أبرزها: أين تكمن الزاوية الهشّة التي يمكن أن تحقق نصراً مختلفاً؟ في ظل هذا المشهد المعقد والمحفوف بالمخاطر، بدأت الحرب في جنوب لبنان، وهو سيناريو كان متوقعاً، لكنه يصب في مصلحة إسرائيل بشكل أساسي. أما من الناحية الأميركية، فيبدو أن خيار العودة إلى العراق، وإمكانية التمدد نحو غرب إيران عبر المناطق الكردية والعربية المحاذية، يُعدّ من أكثر السيناريوهات ترجيحاً، ما لم يتحقق الوصول إلى مضيق هرمز بكلفة عسكرية وبشرية مرتفعة. كما أن الحشد الشيعي في العراق قد يشكّل هدفاً أسهل مقارنة بمحاولة إسقاط النظام الإيراني بالكامل، مهما تغيّرت قياداته.

لم يعد العالم قائماً على بنى متماسكة أو تحالفات أيديولوجية واضحة. فقد انتهى عصر الأيديولوجيات الكبرى والشمولية تدريجياً، بدءاً من النازية، مروراً بالشيوعية، وصولاً إلى القوميات الصلبة.

في السياق ذاته، برز التباين الدولي، لا سيما الأوروبي، إزاء مجريات هذه الحرب، ومدى تأثيرها في إمدادات الطاقة، إضافة إلى الضغوط التي تمارسها روسيا على أوروبا لمنعها من الانخراط المباشر. ويتضح من ذلك أن غياب المنافس الجيوبوليتيكي لم يكن مؤشراً دقيقاً في حسابات إدارة ترامب، وأن إيران، وفق المعطيات الحالية، ليست هشّة بالكامل، ما قد يشير إلى حرب طويلة غير محسومة النتائج.

إذا كانت حدّة السياسات الدولية قد بلغت ذروتها في قلب أوروبا، في أوكرانيا، فإنها اليوم تطرح إيران في الجهة المقابلة. وفي المحصلة، تبدو إدارة العالم –سواء بالنموذج الأميركي القائم على العولمة وأحادية القطب، أو بالنموذج الروسي– متشابهة جيوبوليتيكياً. وهذا ما يزيد من حدة التباينات الدولية، ويفتح المجال لتفريغها في زوايا هشّة، تمثل خطوط تماس بين مناطق النفوذ، يصعب ضبطها، وتؤجج الصراع العالمي بشكل متصاعد، حتى وإن لم يظهر بشكل مباشر بعد، لكنه بات أقرب من أي وقت مضى.

فإذا كانت إيران تمثل شراً إقليمياً كبيراً، فإن الحرب الدائرة اليوم تمثل خطراً عالمياً أكبر.

لم يعد العالم قائماً على بنى متماسكة أو تحالفات أيديولوجية واضحة. فقد انتهى عصر الأيديولوجيات الكبرى والشمولية تدريجياً، بدءاً من النازية، مروراً بالشيوعية، وصولاً إلى القوميات الصلبة. وحاولت العولمة أن تطرح نفسها بديلاً، كنموذج ثقافي وسياسي واقتصادي، قائم على الديمقراطية والحرية وعالمية الثقافة واللغة الإنجليزية. وقد اعتبر فوكوياما الديمقراطية “الأيديولوجيا الأنفع للبشرية”. لكن الواقع يشير إلى أننا نعيش مرحلة احتدام صراع عالمي بوسائل غير تقليدية، ومفاهيم غير واضحة، بعيدة عن شعارات الحرية والديمقراطية، وتُدار في الغرف المغلقة، عسكرياً واستخبارياً، دون اكتراث حقيقي بمصالح الشعوب، في سبيل فرض الهيمنة الاقتصادية والعسكرية، وأتمتة أنماط الحياة، وعودة الحروب الانتقائية، وكأن الجغرافيا تحولت إلى مساحات هشّة تُستخدم لتفريغ الاحتقان الدولي.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى